كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).
- ورد اسم الله -تعالى- (الْمَجِيدُ) في القرآن الكريم مرتين: قال -تعالى-: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود: 73)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) (البروج: 14- 15).
- معنى (الْمَجِيدُ) في حق الله -تعالى-: قال الزجاج -رحمه الله-: "الماجد في اللغة: الكثير الشرف" (تفسير الأسماء). وقال الراغب -رحمه الله-: "المجد: السعة في الكرم والجلال" (المفردات). وقال الخطابي -رحمه الله-: "(الْمَجِيدُ) هو الواسع الكرم" (شأن الدعاء). وقال ابن جرير -رحمه الله-: "مجيد، ذو مجد ومدح وثناء كريم" (تفسير الطبري). وقال ابن القيم -رحمه الله-: "هو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها، وعدم إحصاء الخلق لها، وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه، وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة، فليس له من المجد شيء، والمخلوق إنما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله، فكيف يكون الرَّبُّ تبارك وتعالى مجيدًا، وهو معطَلٌ عن الأوصاف والأفعال؟! تعالى اللهُ عمَّا يقول المعطِّلون علوًّا كبيرًا، بل هو المجيدُ الفعَّالُ لما يريد" (التبيان).
آثار التعبد لله -تعالى- باسمه (الْمَجِيدُ):
أولًا: زيادة المحبة لله -عز وجل- الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، فله كل صفات الكمال والشرف التي يتعزز بها المسلم، ففي الحديث القدسي: (أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُتَعَالِي) (رواه أحمد في المسند بسند صحيح).
ثانيًا: الإكثار من الصلاة التي كلها تمجيد لله، فهي مبنية على الثناء والتعظيم، في أفعالها وألفاظها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (قَالَ اللَّهُ -تعالى-: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ -تعالى-: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ اللَّهُ -تعالى-: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي) (رواه مسلم). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان -عليه الصلاة والسلام- إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) (رواه مسلم).
وفي حديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه الوضوء، ثم قال: (فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (رواه مسلم).
ثالثًا: الإكثار من مجالس ذكره -تعالى-، والإكثار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة، والاستغفار، والدعاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا) (رواه البخاري). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).
رابعًا: طلب الرفعة والمجد من (الْمَجِيدُ)، وذلك بطاعته -تعالى-، وليس بالشهرة والمجد الزائف الذي يُكتسب بطريق حرام ومخالفة الشرع، فأي مجد يكون في معصية الله؟! قال -تعالى- عمن استبد به الغرور والبطر، متفاخرًا بملكه العظيم على مصر: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف: 51- 52)، وقال -تعالى-: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (النازعات: 25- 26)(1).
خاتمة: المجد في التزام منهج (المَجِيد) -سبحانه-:
- لقد عاشت أمتنا الإسلامية أمجادًا عظيمة، لما كانت متعلقة بمنهج ربها (الْمَجِيدُ): قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55).
- إن المجد الحقيقي للإنسان هو الشرف والرفعة الباقية عند الله في الآخرة، وإن ذهبت الدنيا كلها في سبيل ذلك: "إشارات موجزة إلى: غلام الأخدود، ومصعب بن عمير، وغيرهم الكثير والكثير".
قال الشاعر المسلم(2):
كُـنَّـا جِـبَـالًا فَـوْقَ الْجِـبَـالِ وَرُبّـَمَا سِـرْنَا عَلَى مَـوْجِ الْـبـِحَارِ بِـحـَارَا
بِـمـَعَــابِــدِ الْإِفــْرِنْـجِ كَـانَ أَذَانـُنـَا قَـبْـلَ الْـكَـتَـائِـبِ يَـفْتـَحُ الْأَمْـصـَارَا
لَمْ تَـنْسَ إِفْرِيـقِـيَـا وَلَا صَحْرَاؤُهَا سَـجَــدَاتـِنـَا وَالْأَرْضُ تَـقْـذِفُ نَارَا
وَكَأَنَّ ظِــلَّ الـسَّـيْفِ ظِـلُّ حَـدِيقَـةٍ خَـضْـرَاءَ تُـنْـبِتُ حَـوْلَـنَا الْأَزْهَارَا
لَمْ نَـخْـشَ طَاغُـوتًا يُحَارِبُـنَا وَلَـوْ نَـصـَـبَ الْـمَنَـايَا حَـوْلـَنـَا أَسْـوَارَا
نَدْعُو جِـهَـارًا لَا إِلَهَ سِـوَى الَّذِي صـَنـَـعَ الْـوُجُـودَ وَقَــدَّرَ الْأَقْــدَارَا
فاللهم يا مجيد، يا فعَّالًا لما تريد، أعد للأمة مجدها وعزها، وامنن علينا من فضلك وجودك، وأعزنا بطاعتك ما بقينا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن هنا فلا ينبغي لمسلم أن يمجِّد فاسقًا ينشر الفساد بالمجاهرة بفجوره؛ كما هو حال أهل الفن والغناء، فضلًا عن تمجيد كافر لا يؤمن بالمجيد -سبحانه-؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلْمُنَافِقِ: يَا سَيِّدُ، فَقَدْ أَغْضَبَ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتعالى-) (رواه الحاكم، وحسنه الألباني).
(2) هو الشاعر الباكستاني المعاصر محمد إقبال -رحمه الله-.