الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 29 يونيو 2026 - 14 محرم 1448هـ

نعمة الإيمان (8)

كتبه/ أحمد مسعود الفقي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما زال الحديث موصولًا حول أعمال الإيمان.

تاسعًا: حسن التوكل على الله -عز وجل-:

وهو صدق اعتماد القلب على الله -تعالى- في جلب المصالح ودفع المضار، وهو من لوازم الإيمان الحقيقي، وهو شرط فيه.

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "التوكل من مقتضيات الإيمان".

وهو دليل على كمال الإيمان، ودليل على كمال ثقة العبد بربه -عز وجل- ويقينه بكفايته له؛ قال -تعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51)، وقال -تعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 23).

- والمتوكل على الله -عز وجل- حق توكله يرزقه الله -عز وجل- كما يرزق الطير: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرُزِقْتُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا، وَتَرُوحُ بِطَانًا) (رواه أحمد، والترمذي، وصححه الألباني).

- والمتوكل على الله من الذين يدخلون الجنة بغير حساب: كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ). قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: (هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (متفق عليه).

- والمتوكل على الله يكفيه الله كل هم وغم: قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3).

- والمتوكل على الله -تبارك وتعالى-: عارف بربه وبصفاته، راسخ قلبه في التوحيد، آخذ بالأسباب، معتمد قلبه على الله، قد أحسن الظن بربه -تبارك وتعالى-، مستسلم لتدبيره، مفوض أموره كلها لله -عز وجل-، راضٍ بقضاء الله -عز وجل-، مطمئن البال، منشرح الصدر، واثق بالله، لا يحزن على ما فات، ولا يخشى مما هو آتٍ.

- والمتوكل على الله -عز وجل- يحبه الله: قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159)، ومَن أحبه الله أيده وسدد جوارحه، فلا تتحرك إلا فيما يرضيه -سبحانه وتعالى-؛ قال -عز وجل- في الحديث القدسي الذي رواه البخاري: (فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ).

- والمتوكل على الله يحفظه الله -تبارك تعالى- في نفسه وفي أهله وفي كل شيء، ويضمن له الكفاية والوقاية والهداية: كما جاء في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قَالَ: يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ؟) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

إن حسن توكل العبد على الله يورثه كمال الإيمان، ويجعله غنيًّا بالله، متعففًا عن كسب الحرام وسؤال الخلق، لا ينظر إلى ما في أيدي الناس، ولا تتطلع نفسه إلى المكاسب الدنيئة، كما جاء في الخبر: (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ) (متفق عليه)، ولما تصدق أبو بكر -رضي الله عنه- بكل ماله، قال له الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟) قال: "أبقيت لهم الله ورسوله" (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني)، وذلك من حسن توكله على ربه -عز وجل-.

- فينبغي على المؤمن أن يحسن التوكل على الله: في حله وترحاله، في خوفه وأمنه، في فقره وغناه، في صحته وسقمه، في خلوته وجلوته، في طاعته وعبادته ونسكه وجهاده، وأن يكون حسن الظن بالله، مستوثقًا بالله، يائسًا مما في أيدي الخلق، بل ثقته بالله أعظم مما في يده من الأسباب، موقنًا تمام اليقين أن ما كتب له من أجل ورزق وسعادة وشقاوة وسرور وغم ويسر وضر واقع عليه لا محالة.

اللهم ارزقنا حسن التوكل عليك، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.


مواد ذات صلة