الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 04 مايو 2026 - 17 ذو القعدة 1447هـ

الله -عز وجل- الذي لا يعرفه داروين (2-2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد أخبرَ اللهُ -تعالى- أَنَّهُ هوَ الذي خَلَقَ -ويخلقُ- الخَلْقَ في بطونِ أمهاتِهِم في أطوارٍ، وأَنَّهُ -تعالى- هوَ الذي جَعَلَ -ويجعلُ- حياةَ الخَلْقِ في الدُّنيا أيضاً في أطوارٍ:

- قالَ اللهُ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) أي: خلقنا أباكم آدم من تراب (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أي: ثم من ماء الرجل (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) أي: ثم من قطعة من الدم (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي: تامة وغير تامة (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) كمال قدرتنا (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ) أي: ونثبت في الأرحام ما نشاء تثبيته (مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) نهايته في الضعف (لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا) (الحج: 5) (راجع التفسير الميسر).

- وقالَ -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) رحم المرأة (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) (المؤمنون: 12-16).

- وقالَ -تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) أي: خلق أباكم آدم من تراب وأنتم فرع عنه (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) أي: ثم من ماء يخرج من الرجل فيصب في رحم المرأة (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) أي: ثم تتحول هذه النطفة إلى قطعة من الدم (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا . وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى) أي: أنتم تعيشون في هذه الدنيا إلى أجل محدد ثم تموتون من بعده (وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (غافر: 67) (التفسير الميسر).

- وقالَ -تعالى-: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) أي: عبثًا (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى) (القيامة: 36-40).

- وقالَ -تعالى- علَى لسانِ نوحٍ -عليه السلام-: (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح: 13-14).

- وقالَ -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً . يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم: 54).

والعربُ لَمْ تستعملِ الفِعْلَ (تطورَ) بِمَعنى الانتقالِ مِنْ طورٍ إلى طورٍ، وإنمَا استعملتِ (الطورَ) بِمَعنى الامتدادِ في الشَّيءِ مِنْ مَكانٍ أو زمانٍ، ومِنْ ذَلِكَ: طوارُ الدارِ، وهو الذي يمتدُّ مَعَها مِنْ فنائِها، ولِذلكَ يُقالُ: عدا طورَهُ، أيْ: جازَ الحَدَّ الذي هوَ لَهُ مِنْ دارِهِ، ثمَّ استعيرَ ذَلِكَ في كُلِّ شَيءٍ يتعدَّى.

وقدْ ذَكرَ ابنُ مَنْظُور في (لسان العرب) مادةَ: طور، وقالَ: الطورُ التارةُ، تقولُ: طورٌ بَعْدَ طورٍ، تارةً بَعْدَ تارةٍ، وجَمْعُ الطورِ: أطوارٌ، وهوَ الحالاتُ المختلفةُ. والطورُ أيضاً الحَدُّ بَيْنَ الشَّيئَيْنِ. ولَمْ يذكرِ ابنُ مَنْظُور التطورَ، ولا الفِعْلَ تطورَ، وقَبْلَهُ كَذلكَ ابنُ فارِس-. (راجع في ذلك: السلفية وقضايا العصر، د. عبد الرحمن بن زيد).

و(وفقَ المَعنى اللُّغويِّ لِلطورِ والأطوارِ فإنَّ الانتقالَ مِنْ طورٍ إلى آخرَ مُطلقٌ مِنَ الحُكْمِ، أي: أَنَّهُ قَدْ يَكونُ مِنْ سَيءٍ إلى حَسَنٍ، أو العَكْس، أو مِنْ وَضْعٍ إلى وَضْعٍ مُساوٍ لَهُ). فلا يتضمنُ التطورُ في ذاتِهِ مَعنى التَّقدمِ، فالتطورُ في اللُّغةِ يعني مُجرَّدَ التبدلِ لا يتضمنُ مَعنى الارتقاءِ. ولَكنْ في فِكرنا المُعاصرِ المُستمدِّ مِنَ المَفاهيمِ الغربيَّةِ نجدُ أَنَّ لفظةَ (التطور) مُرادفةٌ لِلفظتَيْ: التَّقدم والارتقاء أكثر مِمَّا هيَ مُرادفةٌ لِلفظتَيْ التَّحول أو التَّغير. (راجع في ذلك المصدر السابق). (لكن مجمع اللغة العربية اشتق فعلين من هذه المادة: طور: بمعنى حول من طور إلى طور. وتطور: أي تحول من طور إلى طور. فالتطور إذن هو التحول من حال إلى حال مطلقًا) (المصدر السابق).

ومن أسماء الله -تعالى- الحُسنى أنه (البارئُ) و(المصورُ)، والاسمانِ يتضمنانِ مَعنى زائدًا عن معنى الخلق:

- قالَ اللهُ -تعالى-: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الحشر: 24).

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية: (الخلق: التقدير، والبرء هو الفري، وهو التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدَّر شيئًا ورتَّبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله -عز وجل-. قال الشاعر يمدح آخر: ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري أي: أنت تنفذ ما خلقت أي: قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد. فالخلق: التقدير، والفري: التنفيذ).

وقال الحليمي في اسم البارئ: (وهذا الاسم يحتمل معنيين: أحدهما: الموجد لما كان في معلومه من أصناف الخلائق، وهذا هو الذي يشير إليه قوله -عز وجل-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد: 22). ولا شك أن إثبات الإبداع والاعتراف به للباري -عز وجل- ليس على أنه أبدع بغتة من غير علم سابق له بما هو مبدعه، لكن على أنه كان عالما بما أبدع قبل أن يبدع، فكما وجب له عند الإبداع اسم البديع وجب له اسم البارئ).

والآخرُ: أَنَّ المُرادَ بالبارئِ قالبُ الأعيانِ، أيْ أَنَّهُ أبدعَ الماءَ والترابَ والنَّارَ والهواءَ لا مِنْ شَيءٍ، ثمَّ خَلَقَ منها الأجسامَ المختلفةَ، كَمَا قالَ -عز وجل-: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء: 30)، وقال: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ) (ص: 71)، وقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرًا تَنْتَشِرُونَ) (الروم: 20)، وقال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (النحل: 4)، وقال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ . وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (الرحمن: 14-15)، وقال: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ . فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون: 12-14).

فيكون هذا من قولهم: برأ القواس القوس إذا صنعها من موادها التي كانت لها، فجاءت منها لا كهيئتها، والاعتراف لله -عز وجل- بالإبداع يقتضي الاعتراف له بالبرء؛ إذ كان المعترف يعلم من نفسه أنه منقول من حال إلى حال، إلى قدر على الاعتقاد والاعتراف، والله أعلم) (ينظر: أسماء الله الحسنى وصفاته العليا: دراسة تطبيقية ونظرية لابن القيم - إعداد عماد زكي البارودي).

وقال ابن كثير -رحمه الله-: (وقوله -تعالى-: (الْخَالِقُ الْبَارِئُ) أي: الذي إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون على الصفة التي يريد والصورة التي يختار، كقوله -تعالى-: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)، ولهذا قال (الْمُصَوِّرُ) أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها).

- وقالَ -تعالى-: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: 6).

- وقالَ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار: 6-8).

- وقالَ -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (غافر: 64).

- وقالَ -تعالى-: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (التغابن: 3).

ومن أسماء الله -تعالى- الحُسنى أيضًا: (المبدئُ) و(المعيدُ):

- قالَ -تعالى-: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) (البروج: 13). (قال أبو سليمان: المبدئ: الذي أبدأ الإنسان، أي ابتدأه مخترعًا فأوجده من عدم. يقال: بدأ وأبدأ وابتدأ بمعنى واحد. والمعيد: الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات، ثم يعيدهم بعد الموت إلى الحياة، كقوله -عز وجل-: (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة: 28) (ينظر: أسماء الله الحسنى وصفاته العليا لابن القيم).

وقال الله -تعالى- في قصة إبراهيم -عليه السلام- مَعَ قومِهِ: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: 19-20).

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- مخبرًا عن الخليل -عليه السلام- أنه أرشدهم إلى إثبات المعاد الذي ينكرونه بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا، ثم وجدوا وصاروا أناسًا سامعين مبصرين، فالذي بدأ هذا قادر على إعادته، فإنه سهل عليه يسير لديه. ثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء، السماوات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال وأودية وبراري وقفار وأشجار وأنهار وثمار وبحار.

كل ذلك دال على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء كن فيكون؛ ولهذا قال: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، كقوله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . ثم قال -تعالى-: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ) أي: يوم القيامة، إن الله على كل شيء قدير. وهذا المقام شبيه بقوله -تعالى-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)، وكقوله -تعالى-: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ)".

- وقالَ -تعالى-: (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الروم: 11).

- وقالَ -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) (الروم: 27).

- وقالَ -تعالى-: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ) (يونس: 4).

- وقالَ -تعالى-: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (الأنبياء: 104).

- وقالَ -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (العنكبوت: 19) أي: إن بدء الخلق وإماتته وإعادته إلى الحياة شيء يسير على الله -تعالى-. (التفسير الميسر).

- وقالَ -تعالى-: (أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (النمل: 64).

- وقالَ -تعالى-: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (يونس: 34).

وليبين لنا أتباع داروين: هل تقدر الطبيعةُ التي ينسبونَ الخَلْقَ إليها أنْ تبعثَ مِنْ جَديدٍ المخلوقاتِ التي ماتتْ وتحللتْ، أمْ أَنَّهُ لا حياةَ ولا بَعثَ ولا نشورَ بَعْدَ المَوْتِ؟!

وقدْ وردتْ في القرآنِ الكريمِ آياتٌ عديدةٌ فيها التَّصريحُ بِخَلْقِ اللهِ لِلإنسانِ بِمَا ينفي ويمنعُ أنْ يُنسبَ إيجادُ وخَلْقُ الإنسانِ لِغيرِ اللهِ -تعالى-:

- قالَ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ . فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار: 6-8).

- وقالَ -تعالى-: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ . وَطُورِ سِينِينَ . وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: 1-4) (التفسير الميسر).

- وقالَ -تعالى-: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) (العلق: 1-2). وهذا هوَ أوَّلُ مَا نزلَ مِنْ آياتِ القرآنِ الكريمِ -كَمَا هوَ مَعلومٌ-.

- وقالَ -تعالى-: (الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (الرحمن: 1-4).

- وقالَ -تعالى- في قصةِ صَاحِبِ الجَنَّتَيْنِ الواردةِ في سورةِ الكهفِ: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً) (الكهف: 37).

- وقالَ -تعالى-: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ . وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: 14-16).

- وقالَ -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16).

- وقالَ اللهُ -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (الأعراف: 11).

- وقالَ -تعالى- في حَقِّ خَلْقِ الإنسانِ: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4). ثمَّ قالَ -تعالى- بَعْدَها: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ . وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) (البلد: 8-9)، فأثبتَ خَلْقَ تفاصيلٍ في جِسْمِ الإنسانِ لَهُ -سبحانه- وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ فيها.

- وقالَ -تعالى-: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا . إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (الإنسان: 1-2).

- وقالَ -تعالى-: (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) (مريم: 67).

- وقالَ -تعالى-: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) (عبس: 17-20).

- وقالَ -تعالى-: (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذْرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا . نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) (الإنسان: 27-28). والآياتُ في هَذا المَعنى كثيرةٌ.

وأخبرَ القرآنُ الكريمُ أَنَّ اللهَ -تعالى- لَمْ يحتجْ في خَلْقِ الخَلْقِ إلى مُساعدٍ أو مُعينٍ، وأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شريكٌ في هَذا الكَوْنِ بِكُلِّ مَا فيهِ:

- قالَ اللهُ -تعالى-: (مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (الكهف: 51).

- وقالَ -تعالى-: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ . وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (سبأ: 22-23).

- وقالَ -تعالى-: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) (الإسراء: 111).

وقدْ وردَ في مَواضعَ مُتفرقةٍ مِنَ القرآنِ الكريمِ قصةُ تكريمِ اللهِ -تعالى- لآدمَ -عليه السلام- أوَّلِ البَشرِ إذْ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ -عز وجل-، وفضَّلَهُ علَى سائرِ المخلوقاتِ، وجَعَلَهُ في أجملِ صورةٍ وأحسَنِ تقويمٍ، فَلَمْ يَكُنْ أبداً مِنْ سُلالةٍ أدنى وأقلَّ. وقدْ أمرَ اللهُ الملائكةَ بالسُّجودِ لآدمَ عِندَ نَفْخِ الرُّوحِ فيهِ فَسجدتْ لَهُ الملائكةُ، ولَمْ يَسجدْ إبليسُ استكبارًا.

قالَ اللهُ -تعالى-: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ . قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ . قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ . قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (ص: 71-78).

وقدْ وردَ في القرآنِ الكريمِ أَنَّ حواءَ خُلقتْ مِنْ آدمَ خَلْقًا كاملًا مُستقلًّا، وجاءتْ مَواصفاتُ حواءَ تختلفُ عَنْ مَواصفاتِ آدمَ في بَعضِ التَّفاصيلِ، فَهيَ إنمَا خُلقتْ لِتكونَ مُكملةً لآدمَ ومُؤانسةً لَهُ، ومِنهُما مَعًا ومِنْ ذريتِهِما امتدتِ الخليقةُ علَى الأرضِ وكَذلكَ تمتدُّ إلى قيامِ السَّاعةِ. وهَذا الخَلْقُ لِحواءَ أيضاً وَقعَ قَبْلَ هُبوطِهِما مَعاً إلى الأرضِ.

- قالَ اللهُ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1).

- وقالَ -تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأعراف: 189).

وفي الحديثِ عَنْ أبي هريرةَ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلْعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ) (رواه البخاري ومسلم).

وليذكرْ لَنَا داروين وأتباعُهُ كيفَ ظهرتْ حواءُ، وكيفَ حوَّلتِ الطبيعةُ التي لا تَعقلُ والتي تَضربُ ضَرْبَ عَشواءَ الكائنَ الأوَّلَ إلى ذَكرٍ يَحتاجُ لِأنثى لِلتَّناسلِ ثمَّ أوجدتْ لَهُ هَذهِ الأنثى لِتشاركَهُ الحياةَ والتَّناسلَ؟!

وليأتِ لَنَا -وهيهاتَ هيهاتَ- بِحلقاتٍ وسلسلةِ هَذا التَّحوُّلِ والتَّطورِ، أو بأجزاءٍ مِنهَا تَدلُّ عَليهِ. ناهيكَ عَنْ تَوْضيحِ العَلاقةِ بَيْنَ وُجودِ عَلاماتِ الحياةِ بِوُجودِ الرُّوحِ في المخلوقاتِ وانعدامِها بِفَقْدِ هَذهِ، ومَنْ أوجدَ تِلكَ الرُّوحَ وهوَ يتصرَّفُ فيها؛ قالَ -تعالى-: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 85).

وقدْ وردتْ أيضًا الأحاديثُ النَّبويَّةُ الصَّحيحةُ الصَّريحةُ في خَلْقِ اللهِ -تعالى- لآدمَ -عليه السلام- بِيَدِهِ -عز وجل- خَلْقاً مُستقلاً. ومِنهَا مَا وردَ في صَحيحَيِ البخاريِّ ومسلمٍ مَرفوعاً في حَديثِ الشَّفاعةِ: (يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ لَوْ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ) (رواه البخاري ومسلم). وعِنْدَ البخاريِّ مَرفوعاً: (خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا) (رواه البخاري ومسلم).

فآدمُ -عليه السلام- لَمْ يُخلقْ علَى الأرضِ، ولَكنَّهُ أُهبِطَ إليها؛ فَلِمَ يبحثُ داروين وأتباعُهُ عَنْ بِداياتِ خَلْقِ الإنسانِ علَى الأرضِ؟!