كتبه/ نصر رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن أدلة الشريعة ونصوصها دلت بمجملها على أن اختيار الزوجة من حق الابن، وليس من حق والديه، ويمكنهم التدخل في بعض الحالات -لا فيها كلها- مما فيه النصح والمشورة؛ فمنعه من التزوج بأي فتاة يختارها -لا سيما إن كانت ملتزمة متدينة- تحكُّم لا وجه له، ولا يلزمه طاعتهما فيه.
إن الولد غير ملزم بطاعة والديه فيما يتعلق بشؤونه الخاصة -ما دام أنه ملتزم فيها بشرع الله- مثل: أن يلزماه بأن يتزوج امرأة بعينها، أو أن يطلق زوجته بسبب خلاف وقع بينهما وبين زوجة ابنهما؛ وكذلك الأمر بالنسبة للبنت إذا أجبرها أبوها على الزواج من شخص لا ترضاه؛ كأن يكون فاسقًا أو سيئ الأخلاق، أو لا تميل هي إليه؛ فإذا امتنع الولد -الابن والبنت- من طاعة والديه؛ لم يكن عاقًا.
قال ابن مفلح -رحمه الله-: "ليس للوالدين إلزام الولد بنكاح من لا يريد. قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: إنه ليس لأحد الأبوين أن يلزم الولد بنكاح من لا يريد، وإنه إذا امتنع لا يكون عاقًا، وإذا لم يكن لأحد أن يلزمه بأكل ما ينفر منه مع قدرته على أكل ما تشتهيه نفسه: كان النكاح كذلك وأولى، فإن أكل المكروه مرارة ساعة، وعشرة المكروه من الزوجين على طُولٍ تؤذي صاحبه، ولا يمكنه فراقه" (الآداب الشرعية).
فلا يجوز للوالدين أن يمنعا ابنهما من العيش مع زوجته، ولا أن يحرضا على الطلاق منها؛ فهذا من التخبيب المحرم، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ خَبَّبَ عَبْدًا عَلَى أَهْلِهِ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ أَفْسَدَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا فَلَيْسَ مِنَّا) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
قال ابن حجر الهيتمي: "الكبيرة السابعة والثامنة والخمسون بعد المائتين: تخبيب المرأة على زوجها -أي: إفسادها عليه- والزوج على زوجته، والخَبّ بالفتح: الخداع، وهو الذي يسعى بين الناس بالفساد؛ فأي إنسان أراد أن يفسد ما بين الزوجين من علاقة؛ فهو مخالف لتعاليم الإسلام؛ فالتخبيب من عمل الشياطين الذي يفرق به بين المرء وزوجه، وهو من الكبائر" (الزواجر عن اقتراف الكبائر).
وبعض الأمهات ينظرن إلى زوجة الابن وكأنها غريبة، سلبته من أسرته؛ فيتعمدن شحن الابن ضد زوجته؛ وإثارة المشكلات بلا مبرر في محاولة لصرف الابن عن زوجته، واستمالته إلى والديه، وهذا السلوك يؤدي إلى خلق نزاعات قد تفضي إلى الانفصال، متجاهلات أن الزواج بطبيعته ينقل الولد إلى مرحلة جديدة تفرض عليه مسؤوليات مختلفة يلزمه الجمع بين أدائها من بر والديه، ومراعاة حقوق زوجته.
ومثل ذلك: بعض الأخوات -هداهن الله- قد تدفعهن الغيرة من زوجة الأخ إلى التدخل غير المشروع في بيته الجديد، متخذات ذريعة الحرص على مصلحته ومستقبله، أو كنوع من الفضول غير الجائز شرعًا في محاولة للسيطرة على تفاصيل حياته الزوجية، وهو ما ينعكس سلبًا على استقرار الأسرة.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "فَسَعْيُ الرَّجُلِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا مِنَ الذُّنُوبِ الشَّدِيدَةِ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ السَّحَرَةِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ فِعْلِ الشَّيَاطِينِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ" (مجموع الفتاوى).
وقوله -رحمه الله-: "وهو من أعظم فعل الشياطين"، يشير إلى الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه مرفوعًا: (إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ؛ فَيَلْتَزِمُهُ) أي: يضمه إلى نفسه ويعانقه.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.