الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 09 مارس 2026 - 20 رمضان 1447هـ

عكرمة -رضي الله عنه- وقصة السفينة (1)

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي قصة إسلام عكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنه- دروس بليغة ينتفع بها من كان له قلب ذكيٌّ زكيٌّ، سليمٌ من الشرك، فَقِيهٌ بما خُلق من أجله -جعلنا الله وإياكم منهم-.

- كان عكرمة من أشد الكفار عداوة ومحاربة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكانت زوجته أم حكيم بنت الحارث تشاركه في ذلك؛ فلما فتح الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- الفتح الأعظم مكة -حرسها الله- أمَّن -صلى الله عليه وسلم- الناس، وعفا عنهم إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال لأصحابه: (اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ)؛ وذلك لشدة جرمهم، وكان منهم عكرمة.

فلما بلغه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أهدر دمه هرب وفرّ إلى اليمن، أما زوجته أم حكيم بنت الحارث -رضي الله عنها- فأسلمت، وجاءت للرسول -صلى الله عليه وسلم- تقول: "يا رسول الله، قد هرب عكرمة منك إلى اليمن، وخاف أن تقتله، فأمِّنه"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (هُوَ آمِنٌ). فخرجت -رضي الله عنها- إلى اليمن؛ لترجع به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكان من نبأ عكرمة -رضي الله عنه-: أنه ركب سفينة، فأصابتهم ريح عاصف -أي شديدة- فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة: "أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ها هنا"! فقال عكرمة: "وَاللهِ لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي فِي الْبَحْرِ إِلَّا الْإِخْلَاصُ مَا يُنَجِّينِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ، اللهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ عَهْدًا إِنْ أَنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ أَنْ آتِيَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَضَعَ ‌يَدِي ‌فِي ‌يَدِهِ، ‌فَلَأَجِدَنَّهُ ‌عَفُوًّا ‌كَرِيمًا"، فجاء فأسلم. (رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الألباني).

وفي رواية البيهقي عن عروة: "فنادى باللات والعزى، فقال أصحاب السفينة: لا يجوز هاهنا أحد أن يدعو شيئًا إلا الله وحده مخلصًا". فقال عكرمة: "والله، لئن كان في البحر وحده، إنه لفي البر وحده". فأسلم. وفي رواية ابن سعد في الطبقات عن ابن أبي مليكة: "فجعلت الصراري -أي: الملاحون- يدعون الله، ويوحدونه. فقال عكرمة: ما هذا؟ قالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله. قال: فهذا إله محمد الذي يدعونا إليه، فارجعوا بنا"، فرجع وأدركته أم حكيم -رضي الله عنها- ببعض تهامة، فرجع معها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، "فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عِكْرِمَةَ وَثَبَ إِلَيْهِ، وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَرَحًا بِعِكْرِمَةَ" (رواه مالك في موطئه).

وعند الترمذي -رحمه الله- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ"، فأسلم -رضي الله عنه- وحسن إسلامه، وعكف على العبادة والجهاد في سبيل الله حتى مات شهيدًا في حروب الشام في اليرموك. وقيل: في أجنادين. (ينظر سيرة ابن هشام).

فوائد وعبر:

في هذه القصة فوائد جليلة، ودروس بليغة يعتبر بها أولو الألباب -جعلنا الله وإياكم منهم-؛ منها:

1- فضل أم حكيم -رضي الله عنها-: تلكم الزوجة الصالحة الوفية لما أكرمها الله بالإسلام، وعلمت بإهدار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دم زوجها، وخروجه هاربًا إلى اليمن، جاءت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تستأمن له، فأمّنه، فخرجت متجشمة مشقة السفر في الصحاري؛ لتلحق به ولتخبره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أمّنه، وليرجع معها ليُسلم لرب العالمين، وقد كان -والحمد لله رب العالمين-.

فأي وفاء أعظم من هذا الوفاء؟!

وأي معروف أكبر من هذا؟!

إنها قد سعت في إسلامه، ونجاته من الكفر. وفي هذا درس بليغ لكل امرأة صالحة أن تكون سنداً لزوجها، معاونة له على الإيمان والعمل الصالح، وتقوية ظهره فيما هو فيه من طلب علم ودعوة إلى الله تعالى. وإن رأت منه معصية أو تقصيراً، فتبذل جهدها بما آتاها الله تعالى من أسلحة حلال هي تعلمها، وتعلم المدخل الصحيح لنصح زوجها؛ ليرجع إلى نشاطه وطاعته لربه تعالى؛ لا سيَّما في هذه الآونة التي كثرت فيها أسباب الفتن والشهوات.

فيا أيتها المسلمة، ويا أيتها الزوجة الصالحة، قدوتك خديجة -رضي الله عنها- في تأنيسها وتقويتها لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما رجع من الغار يرجف فؤاده، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)؛ فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: "لقد خشيت على نفسي". أي: الموت. لرواية البيهقي -رحمه الله- في الدلائل: "فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم كشفه عني". قال محقق الدلائل: حسن. فقالت: "كلا، والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (رواه البخاري ومسلم). وقدوتك أم حكيم -رضي الله عنها- في وفائها وحرصها على نجاة زوجها من الكفر.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.