كتبه/ ياسر محمد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فنستكمل ما قد بدأناه في المقال السابق من الكلام عن بعض مصاحف القراءات الشاذة، وقد تكلمنا عن مصحف أم المؤمنين عائشة. وفي هذا المقال سنطوف -إن شاء الله- حول بعض هذه المصاحف مع بيان علاقتها بالأحرف السبعة.
الكلام حول المصاحف المشتملة على قراءات شاذة:
عن عمرو بن نافع، مولى عمر بن الخطاب قال: "كُنْتُ أَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ فِي عَهْدِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَاسْتَكْتَبَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مُصْحَفًا لَهَا، فَقَالَتْ لِي: أَيْ بُنَيَّ، إِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ) (البقرة: 238)، فَلَا تَكْتُبْهَا حَتَّى تَأْتِيَنِي فَأُمْلِيهَا عَلَيْكَ كَمَا حَفِظْتُهَا عَنْ -أَوِ مِنْ- رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا بَلَغْتُ إِلَيْهَا حَمَلْتُ الْوَرَقَةَ وَالدَّوَاةَ حَتَّى جِئْتُهَا، فَقَالَتْ: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)" (أخرجه ابن أبي داود في المصاحف).
وقد اختُلف في عمرو هذا: هل هو عمرو بن نافع أو رافع؟ قال ابنُ حجرٍ: "عمرو بن رافع العدوي مولى عمر، وفي رواية زيد بن أسلم: نافع مولى ابن عمر؛ ذكره البخاريُّ فقال: قال بعضهم عمرو بن رافع لا يصح، والذي عند البخاري في التاريخ الكبير والصحيح، عمرو المدني، ابن عبادة" (ينظر: التهذيب).
وأخرجَ ابنُ أبي داودَ وكذلك من طريق داود بن قيس: "عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة -رضي الله عنها-، أنها قالت له: اكتب لي مصحفًا، فإذا بلغت هذه الآية فأخبرني، فذكر نحو رواية عائشة وحفصة" (أخرجه ابن أبي داود في المصاحف)، والحديث عن الصلاة الوسطى كذلك.
وروي عن مالكٍ قوله: "وقد كان الناس ولهم مصاحف، والستة الذين أوصى إليهم عمر بن الخطاب كانت لهم مصاحف" (أخرجه ابن عبد البر في التمهيد)، وهؤلاء الستة هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف. (ينظر قصة الشورى في الكامل في التاريخ لابن الأثير).
ومن هذه الآثار السالفة نعلم: أن النساء اللاتي كان لهن مصاحف، وفيها ما شذ عن الرسم المجمع عليه هن زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكذا الستة أصحاب الشورى الموصى لهم بعد عمر قد كانت لهم مصاحف، ومنهم من رويت عنه قراءات شاذة: كعلي، وعثمان، وابن عوف، وابن أبي وقاص.
وفي خلافة عثمان وقع الاختلاف بين الناس في القراءة وربما آل الحال إلى أن يكفر بعضهم بعضًا، وينكر البعض على الآخر، فقام الخليفة عثمان وجمع الناس على العرضة الأخيرة، فنسخ الصحف التي كانت عند حفصة في عدة مصاحف، وحرّق ما عدا ذلك أو خرقه.
قال مكيٌّ -رحمه الله-: "وهذا الاختلاف المخالف لخط المصحف وما جاء منه مما هو زيادة على خط المصحف، أو نقصان من خط المصحف، أو تبديل لخط المصحف، وذلك كثير جدًّا، هو الذي سمع حذيفةُ في المغازي، وسمع رد الناس بعضهم على بعض، وتكفير بعضهم لبعض، فحداه ذلك على إعلام عثمانَ، وهو الذي حدا عثمان على جمع الناس على مصحف واحد؛ ليزول ذلك الاختلاف" (أخرجه مكي في الإبانة).
وحُكي أن هذا الحديث كان سنة خمس وعشرين من الهجرة. وقال ابنُ الجزريِّ: في حدود سنة ثلاثين، ينظر: (النشر).
ومع الإجماع على ما فعله عثمانُ، فقد ظلَّ بعض الصحابة ممن اشتهروا بقراءة الشواذ محتفظين بمصاحفهم؛ كما روي عن ابن مسعودٍ أنه كان يأمر من له مصحف بأن يغلَّه (أخرجه ابن أبي داود في المصاحف). وبقيت بعض حروفه مشتهرة كقراءة قوله تعالى: (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) (المائدة: 89)، بزيادة: "مُتَتَابِعَاتٍ"، وهي قراءة ابن مسعودٍ وأبيِّ بنِ كعبٍ. (ينظر: معاني القرآن للفراء، وجامع البيان، والمصاحف، والكشاف، والبحر)؛ حيث قالوا: إنها مشتهرة إلى زمن أبي حنيفةَ -رحمه الله-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.