الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 01 فبراير 2026 - 13 شعبان 1447هـ

ليلة النصف من شعبان وعبودية سلامة القلب من الشرك والشحناء

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن ليلة النصف من شعبان ليلةٌ عظيمة من ليالي العام، عظَّمها الشرع ولفت الأنظار إلى فضلها وإلى ما يقع فيها من معانٍ إيمانيةٍ جليلةٍ، تتعلق بعبودية صفاء القلب ونقائه، وسلامته من أعظم آفتين حذَّر منهما النبي -صلى الله عليه وسلم- في تلك الليلة؛ وهما: الشرك والشحناء.

فإن من أخطر آثار الشرك والشحناء أنهما يحجبان العبد عن مغفرة الله؛ ليس فقط في تلك الليلة، بل إن هناك فرصتين للمغفرة لكل مسلم أسبوعيًّا قد تفوتا عليه بسبب الشحناء؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا ‌إِلَّا ‌رَجُلًا ‌كَانَتْ ‌بَيْنَهُ ‌وَبَيْنَ ‌أَخِيهِ ‌شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا) (رواه مسلم)،

فانظر كم يُحرَم الإنسان من الخير بسبب قلبٍ لم يُزكَّ، وصدرٍ لم يُطهَّر!

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ) (رواه ابن ماجه وابن حبان وابن أبي عاصم، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذا كَانَ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ اطَّلَعَ الله إِلَى خَلْقِهِ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤمِنِينَ ويُمْلِي لِلْكافِرِينَ ويَدَعُ أهْلَ الحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدَعُوهُ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني).

وأخبر -صلى الله عليه وسلم- بنزول الرب -عز وجل- في هذه الليلة المباركة فقال: (ينزل ربنا -تبارك وَتَعَالَى- إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لأَهْلِ الأَرْضِ إِلا مُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ) (رواه أحمد وابن أبي عاصم في السنة، وصححه الألباني بمجموع طرقه).

وفي هذا دلالة واضحة على أن أعظم ما ينشغل به المسلم ويستعد به لتلك الليلة العظيمة هي عبودية سلامة القلب وتزكية النفس، والتطهر والتجرَّد من الشرك الظاهر والخفي، ومن الأحقاد والضغائن التي تفسد القلوب وتقطع أواصر الأخوة.

سلامة القلب من أعظم النِّعَم والمِنَن:

ولا أدل على ذلك: من أن الله -تعالى- تفضَّل على المؤمنين بأن جعل القرآن العظيم هدى وشفاءً لقلوبهم وصدورهم، فقال -تعالى-: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الإسراء: 82)،  وقال -تعالى-: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ) (فصلت: 44)، فالقرآن سبب للشفاء والرحمة خصوصًا شفاء القلوب من الأمراض القلبية والروحية.

وقد امتنَّ الله على أهل الجنة بقوله: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ) (الحجر: 47)، فلا يصلح لنعيم الجنة قلبٌ تلوث بالحقد، ولا نفسٌ أُشبعت بالضغينة.

وسلامة الصدر لو لم يكن فيها إلا مغفرة الله للعبد، وراحة القلب، وسكينة النفس، وسلامة الجسد من كثير من الآفات النفسية والعضوية، لكفى بذلك فضلًا؛ فكم من إنسان أنهكته الأحقاد، وأمرضته الضغائن، وأقلقته الشحناء، حتى ضاق صدره، واضطرب عيشه، وخسر بسبب ذلك دنياه قبل آخرته!

سلامة القلوب والصدور من مطالب الأنبياء والأولياء ومن صفاتهم:   

الأنبياء والمرسلون هم أصفى الناس قلوبًا، وأطهرهم سريرة، وأبرأهم من الغل والحقد، قال -تعالى- في وصف إبراهيم -عليه السلام-: (إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الصافات: 84)، وقال سبحانه عن رسله:

(إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ)، وهذا من آثار سلامة القلوب ونقائها من الآفات والأحقاد والأمراض.

وقال -تعالى- عن مؤمن آل ياسين الذي قتله قومه وآذوه أعظم الإيذاء: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس: 26-27)، فصح فيه: أنه الرجل الذي نصح قومه حيًّا وميتًا؛ نصحهم في حياته بالإيمان بالله واتباع الرسل، ونصحهم بعد وفاته ومنة الله عليه بالجنة بأنه ود لو أنهم علموا بما عند الله من الكرامة والنعيم لعباده المؤمنين.

أما نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فقد منَّ الله عليه بنعمة شرح الصدر وسلامة القلب، وتحمل الأذى، والتعامل بالعفو والصفح، حتى قال في أشد المواقف لما عرض عليه ملِك الجبال إهلاك قريشًا: (بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (متفق عليه)، وما ذاك إلا ثمرة قلبٍ امتلأ رحمة، وخلا من الشحناء والقسوة.

وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: (‌وَأَسْأَلُكَ ‌قَلْبًا ‌سَلِيمًا) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

وقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (‌كُلُّ ‌مَخْمُومِ ‌الْقَلْبِ، ‌صَدُوقِ ‌اللِّسَانِ). قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: (هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَد) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

كيف نحقق عبودية سلامة القلب وترك الشرك والشحناء؟

تتحقق هذه العبودية بأمورٍ؛ من أهمها:

- الإخلاص: فهو دواء القلوب، وبه ينجو العبد من الشرك الجلي والخفي.

- الاعتصام بالقرآن؛ فهو شفاء لما في الصدور.

- الدعاء: أن يسأل العبد ربه قلبًا سليمًا، وأن ينزع الغل من صدره.

- حسن الظن: بالمسلمين، وحمل كلامهم على أحسن المحامل.

- الصدقة: فإنها تطهر المال، وتزكي النفس، وتلين القلب.

 نسأل الله -تعالى- أن يدخلنا في عباده المخلصين الصالحين، وأن يجعلنا من المرحومين في الدنيا والآخرة.