كتبه/ ياسر محمد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
الاحتجاج بالقراءات الشاذة عند الفقهاء:
قد مرَّ بنا في المقالات السابقة أنها عند الأحناف من قبيل خبر الآحاد. وأخرجَ ابنُ أبي داودَ -رحمه الله- من طريق حميدة قالت: أوصت لنا عائشةُ -رضي الله عنها- بمتاعها فكان في مصحفها: "حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ" (البقرة: 238). ينظر: (المصاحف). وفي رواية: فكان في مصحفها: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ". كذا رويت في مصحف أم سلمة -رضي الله عنها- في: (المصاحف). وعندنا في المصحف: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (الأحزاب: 56).
قال الشيخ الدكتور عبد العلي المسؤول في كتابه "رسائل جامعية في القراءات الشاذة ضوابطها والاحتجاج بها": "فقد تكون عائشةُ -رضي الله عنها- احتفظت بمصحفها، ولكنها لم تقرأ به استجابة لأمر الجماعة، وركونها إلى الوحدة". ونُقل أن الفراءَ -رحمه الله- قال عن قراءة: "وَكَانُوا أَهْلَهَا وَأَحَقَّ بِهَا" وهي كذلك في مصحف الحارث بن سويد صاحب عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، ينظر: (معاني القرآن للفراء، والكشاف). وفي مصحف الإمام -أي عثمان رضي الله عنه-: (وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا) (الفتح: 26).
قال الدكتور عبد العلي المسؤول: "وقال الفراءُ عن هذه القراءة: ورأيتها في مصحف الحارث بن سويد التيمي من أصحاب عبد الله: "وَكَانُوا أَهْلَهَا وَأَحَقَّ بِهَا"، وهو تقديم وتأخير، وكان مصحفه دُفن أيام الحجاج". والحارث بن سويد قيل: "توفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين". ينظر: (تهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب).
ومنهم من سلَّم مصحفه ورضي بما فعله عثمانُ -رضي الله عنه- لكنه ما ترك قراءته، بل استمر على التلاوة بها؛ فقد روي عن عليٍّ -رضي الله عنه- أنه قرأ: "وَطَلْعٍ" أي" "وَطَلْعٍ مَنْضُودٍ"، وفي مصحفنا (وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ) (الواقعة: 29). وقال: "ما شأن الطلع؟". وقرأ قوله: (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) (ق: 10)، ينظر: (الكشاف).
خاتمة حول الشذوذ القرائي:
لخَّص ابنُ عطيةَ -رحمه الله- ما حدث بعد عثمان، حيث قال: "واستمر الناس على هذا المصحف المتخير، وترك ما خرج عنه مما كتب، سدًّا للذريعة وتغليبًا لمصلحة الألفة، وهي المصاحف التي أمر عثمانُ -رضي الله عنه- أن تخرق أو تحرق، فأما ابن مسعودٍ فأبى أن يزال مصحفه فترك، ولكن أبى العلماء قراءته، سدًّا للذريعة" (المحرر الوجيز لابن عطية).
ومن كل ما سبق وذُكر من آثار وأقوال وأسانيد -يظهر لنا بجلاء ووضوح-: أن القراءات الشاذة كانت منذ زمان النبي -صلى الله عليه وسلم-، وظلت تُقرأ من غير إنكار حتى عهد عثمان -رضي الله عنه- إلى أن نشب الخلاف، وقام عثمان بنسخ المصاحف. ولم يظهر مصطلح الشذوذ وصفًا للقراءة، إلا بعد منتصف القرن الثاني الهجري.
ولعلنا في المقال القادم نتحدث حول شواذ القراءات وعلاقتها بالأحرف السبعة، والحمد لله أولًا وآخرًا.