الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 06 يناير 2026 - 17 رجب 1447هـ

قراءة في القضايا المنهجية للدعوة السلفية (5) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)

كتبه/ طلعت مرزوق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالمعروف: اسم جامع لكل ما عُرف من طاعة الله، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع من المحسنات.

والمنكر: ضد المعروف، وهو كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه.

ورأس المعروف: توحيد الله، ورأس المنكر: الشرك بالله. وإنما يُعرف المعروف والمنكر بأدلة الشرع؛ سواء جرت به عادة الناس أم لا.

وقد نالت الأمة الإسلامية الخيرية بكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر مع إيمانها بالله -عز وجل-: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110).

وعلَّق سبحانه الفلاح بالقيام بهذه المهمة العظيمة: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104).

وبيَّن أنه من صفات المؤمنين والمؤمنات اللازمة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ . يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 71).

وأخبر -سبحانه- أن من أسباب لعن كفار بني إسرائيل تركهم هذه الفريضة، تحذيرًا من أن نفعل فعلهم، فنستحق مثل جزائهم: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ . لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: 78-79).

ومع اختلاف الفهم عن أهل العلم من سلف الأمة في تطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الواقع، انقسم الناس فيه إلى ثلاث طوائف:

الأولى: زعمت إزالة الفتنة فأمروا ونهوا بطريقة منكرة؛ كالخوارج ومَن سلك سبيلهم.

الثانية: زعمت أنها تبتعد عن الفتنة بترك الواجب عليها، وصاروا كمن قال: (ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) (التوبة: 49)، فكان تركهم لما يلزمهم هو الفتنة.

الثالثة: أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر بمنهج سلف الأمة.

مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

روى مسلم من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) (رواه مسلم). وهذا أمر إيجاب بإجماع الأمة، نقل الإجماع على وجوبه الجصاص، والغزالي، وابن حزم، والنووي، وغيرهم. ومقصودهم: أن الأمر بالمعروف الواجب واجب، والنهي عن المنكر المحرم واجب. والأمر بالمعروف المستحب مستحب، والنهي عن المنكر المكروه مستحب.

هل هو فرض عين أم فرض كفاية؟

جمهور العلماء أنه فرض كفاية على الأمة كالجهاد، ويتعين في بعض الأحوال:

1- كالقادر الذي لم يقم به غيره لعجز أو تقصير.

2- من تعيِّنه الدولة لذلك.

والتغيير بالقلب واجب على كل إنسان (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ). وفي حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- عند مسلم أيضًا: (وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) (رواه مسلم).

ونفي الإيمان هنا على معنيين:

الأول: أنه في المستحل، فيكون مستلزمًا لكفره.

الثاني: أنه فيمن أقر المنكر ولم يستحله، فليس في عمله ذلك من الإيمان حبة خردل، ولا يلزم ألا يكون في قلبه شيء من الإيمان في أمور أخرى كتصديق الله ورسوله، والالتزام إجمالًا بالشرع.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.