الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 23 مارس 2025 - 23 رمضان 1446هـ

غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (2-2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي بيان فضل الله -تعالى- يوم بدر على الفئة المؤمنة -على قلتها- بجعل النصر حليفها والغلبة لها على الفئة الكافرة -على كثرتها في العدد والعتاد-؛ قال -تعالى-: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) (الأنفال: 17، 18).

قال السعدي في تفسيره: "يقول -تعالى- لما انهزم المشركون يوم بدر وقتلهم المسلمون (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ): بحولكم وقوتكم (وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره".

وقال ابن كثير في تفسيره: "يبين الله أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم؛ ولهذا قال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم عليهم، كما قال -تعالى-: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) الآية، وقال -تعالى-: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)، يعلم تبارك و-تعالى- أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأْمة والعدد، وإنما النصر من عنده -تعالى-، كما قال -تعالى-: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). ثم قال -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أيضًا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستغاثته، فرماهم بها، وقال: (‌شَاهَتِ ‌الْوُجُوهُ) (رواه مسلم)، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبقَ أحد منهم إلا تاله ما شغله عن حاله؛ ولهذا قال -تعالى-: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)، أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى) قال: هذا يوم بدر أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: (‌شَاهَتِ ‌الْوُجُوهُ) فانهزموا.  

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روى في هذه القصة عن عروة بن الزبير ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر".

وفي قوله -تعالى-: (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا) عن عروة بن الزبير: أي: ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته.

قال ابن كثير: "وهكذا فسره ابن جرير أيضًا، وفي الحديث: (‌وَكُلَّ ‌بَلَاءٍ ‌حَسَنٍ ‌أَبْلَانَا) (رواه النسائي في السنن الكبرى)"، "وقوله -تعالى-: (إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أي: سميع الدعاء عليم بمن يستحق النصر والغلبة. وقوله -تعالى-: (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر، أنه أعلمهم -تعالى- بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم كلما لهم في تبار ودمار. ولله الحمد والمنة". 

- ويقول -تعالى-: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (الأنفال: 26).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ينبه -تعالى- عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات واستشكرهم، فأطاعوه وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطهدين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم، لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، وقيَّض لهم أهلها، آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-". 

- وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ . بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ) (آل عمران: 123-127).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى-: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ) أي: يوم بدر، وكان يوم جمعة، وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان، الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب محله وحزبه، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فارسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة ليس معهم من العدة جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذٍ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيل المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله؛ ولهذا قال -تعالى- ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي: قليل عددكم، ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدة). قوله -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: تقومون بطاعته. 

- وقوله -تعالى-: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ . بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد على قولين. أحدهما: أن قوله -تعالى-: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) متعلق بقوله: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ)، روي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم واختاره ابن جرير). فعن الحسن قال: (هذا يوم بدر) رواه ابن أبي حاتم. وعن عامر الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله -تعالى-: (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ - إِلَى قَوْلِهِ - مُسَوِّمِينَ)، قال: فبلغت كرز الهزيمة فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة".

قال ابن كثير -رحمه الله-: "فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول وبين قوله في قصة بدر: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ - إِلَى قَوْلِهِ - إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

فالجواب: إن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها، لقوله: (مُرْدِفِينَ) بمعنى: يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخرى مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو معروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، ولله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة: أمد الله المسلمين يوم بدر بخمسة آلاف. القول الثاني: أن هذا الوعد متعلق بقوله: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا لم يحصل الإمداد بالخمسة آلاف؛ لأن المسلمين فروا يومئذٍ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة آلاف لقوله -تعالى-: (إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) فلم يصبروا، بل فروا فلم يمدوا بملك واحد.

وقوله: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) يعني تصبروا على مصابرة عدوكم وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله -تعالى-: (وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا) قال الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي من وجههم هذا. وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههِم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا. ويقال: من غضبهم هذا".

وقوله -تعالى-: (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) أي: معلمين بالسيما.

وقوله -تعالى-: (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال -تعالى- بعد أمره المؤمنين بالقتال: (ذَلِكَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)، ولهذا قال هاهنا (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) أي: هو ذو العزة الذي لا تُرام، والحكمة في قدره والإحكام. ثم قال -تعالى-: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: أمركم بالجهاد والجلاد؛ لما في ذلك من الحكمة في كل تقدير؛ ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين فقال: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا) أي: ليهلك أمة (مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ) أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا، ولهذا قال (أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا) أي: يرجعوا (خَائِبِينَ) أي: لم يحصلوا على ما أمَّلوا". 

- وقال -تعالى-: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ . قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) (آل عمران: 12، 13).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى-: قل يا محمد للكافرين (سَتُغْلَبُونَ) أي في الدنيا (وَتُحْشَرُونَ) أي: يوم القيامة (إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ). وعن قتادة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أصاب من أهل بدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: " يَا ‌مَعْشَرَ ‌يَهُودَ، ‌أَسْلِمُوا ‌قَبْلَ ‌أَنْ ‌يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا"، فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلقَ مثلنا، فأنزل الله في ذلك من قولهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) إلى قوله: (لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ)"؛ "ولهذا قال -تعالى-: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) أي: قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم آية، أي: دلالة على أن الله معز دينه وناصر رسوله ومظهر كلمته ومعلى أمره (فِي فِئَتَيْنِ) أي: طائفتين (الْتَقَتَا) أي: للقتال (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) وهم مشركو قريش يوم بدر، وقوله (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)). وقوله -تعالى-: (وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ) أي: إن في ذلك لعبرة لمن له بصيرة ليهتدي بها إلى حكم الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد". 

 وفي شأن الأنفال وتوزيع غنائم المعركة: 

- قال -تعالى-: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: 1-4).

قال السعدي -رحمه الله-: "الأنفال: هي الغنائم التي ينفلها الله لهذه الأمة من أموال الكفار. وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين. فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا رسول الله عنها، فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) كيف تقسم وعلى من تقسم؟ (قُلْ) لهم: (الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) يضعانها حيث شاءا، فلا اعتراض لكم على حكم الله ورسوله، بل عليكم إذا حكم الله ورسوله أن ترضوا بحكمهما وتسلموا الأمر لهما. وذلك داخل في قوله: (فَاتَّقُوا اللهَ) بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

(وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) أي: أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر بالتوادد والتحاب والتواصل فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل -بسبب التقاطع- من التخاصم والتشاجر والتنازع. ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم، فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر.

والأمر الجامع لذلك كله قوله: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، فإن الإيمان يدعو إلى طاعة الله ورسوله؛ كما أن من لم يطع الله ورسوله فليس بمؤمن. ومن نقصت طاعته لله ورسوله فذلك لنقص إيمانه. ولما كان الإيمان قسمين: إيمانًا كاملًا يترتب عليه المدح والثناء والفوز التام، وإيمانًا دون ذلك؛ ذكر الإيمان الكامل فقال: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) والألف واللام للاستغراق لشرائط الإيمان (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية الله -تعالى- الانكفاف عن المحارم، فإن خوف الله -تعالى- أكبر علاماته أن يحجز أصحابه عن الذنوب (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره، فعند ذلك يزيد إيمانهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب؛ ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقًا إلى كرامة ربهم، أو وجلاً من العقوبات، وازدجارًا عن العاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان (وَعَلَى رَبِّهِمْ) وحده لا شريك له (يَتَوَكَّلُونَ) أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن الله -تعالى- سيفعل ذلك. والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به.

(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) من فرائض ونوافل بأعمالها الظاهرة والباطنة، كحضور القلب فيها الذي هو روح الصلاة ولبها (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) النفقات الواجبة كالزكوات والكفارات والنفقة على الزوجات والأقارب وما ملكت أيمانهم، والمستحبة كالصدقة في جميع طرق الخير (أُولَئِكَ) الذين اتصفوا بتلك الصفات (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)؛ لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق الله وحقوق عباده. وقدم -تعالى- أعمال القلوب لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها. وفيها دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها. وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه، وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب الله -تعالى- والتأمل لمعانيه. ثم ذكر ثواب المؤمنين حقًّا فقال: (لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: عالية بحسب علو أعمالهم (وَمَغْفِرَةٌ) لذنوبهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وهو ما أعد الله لهم في دار كرامته، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ودل هذا على أن من يصل إلى درجتهم في الإيمان -وإن دخل الجنة- فلن ينال ما نالوا من كرامة الله التامة" (تفسير السعدي)

- وقال -تعالى-: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال: 41).

قال السعدي -رحمه الله-: "يقول -تعالى- (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي: أخذتم من مال الكفار قهرًا بحق قليلاً كان أو كثيرًا (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) أي: وباقيه لكم، لأنه أضاف الغنيمة إليهم وأخرج منها خمسها فدل على أن الباقي لهم، يقسم على ما قسمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: للراجل سهم، وللفارس سهمان لفرسه وسهم له. وأما الخمس فيقسم خمسة أسهم، سهم لله ولرسوله، يصرف في مصالح المسلمين العامة من غير تعيين مصلحة؛ لأن الله جعله له ولرسوله، ولله ورسوله غنيان عنه فعلم أنه لعباد الله، فإذا لم يعين الله له مصرف دل على أن مصرفه للمصالح العامة. والخمس الثاني لذي القربى؛ وهم: قرابة النبي -صلى الله عليه وسلم- من بني هاشم وبني المطلب، وأضافه الله إلى القرابة دليلًا على أن العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث لليتامى، وهم الذين فقدوا آباءهم وهم صغار، جعل الله لهم خمس الخمس رحمة بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فقدوا من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع للمساكين، أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار، ذكور وإناث. والخمس الخامس لابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده".

"ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء، بل ذلك تبع للمصلحة، وهذا هو الأولى. وجعل الله أداء الخمس على وجهه شرطًا للإيمان، فقال: (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ) وهو يوم بدر، الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وأظهر الحق، وأبطل الباطل (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) جمع المسلمين وجمع الكفار، أي: إن كان إيمانكم بالله وبالحق الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان، الذي حصل فيه من الآيات والبراهين ما دل على أن ما جاء به هو الحق (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لا يغالبه أحد إلا غلبه".

- وفي التحذير من الغلول: قال الله -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (آل عمران: 161). قال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غل بعض الصحابة. والآية تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضًا في أحاديث متعددة.

قال السعدي -رحمه الله-: "الغلول: هو الكتمان من الغنيمة، والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان، وهو محرم إجماعًا، بل هو من الكبائر"، "فأخبر الله -تعالى- أنه لا ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل؛ لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب وقد صان الله أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقًا، وأطهرهم نفوسًا، وأزكاهم وأطيبهم"، "ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الغل منهم، فقال: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته. ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: (وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: يأتي به حامله على ظهره، حيوانًا كان أو متاعًا، أو غير ذلك يعذب به يوم القيامة (ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه (وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئًا من حسناتهم. وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة، لما ذكر عقوبة الغال وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال -يوهم بالمفهوم- أن غيره قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره". 

وفي شأن أسارى المشركين يوم بدر: 

- قال -تعالى-: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 67-71).

قال السعدي -رحمه الله-: "هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء. وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال قتلهم واستئصالهم، فقال -تعالى-: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) أي: ما ينبغي ولا يليق به إن قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ويسعوا لإخماد دينه وألا يبقى على وجه الأرض من يعبد الله، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم، فما دام لهم شر وصولة فالأوفق أن لا يؤسروا. فإذا أثخن في الأرض وبطل شرهم واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول -تعالى-: (تُرِيدُونَ) بأخذكم الفداء وإبقائهم (عَرَضَ الدُّنْيَا) أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم. (وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) بإعزاز دينه ونصر أوليائه وجعل أمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي: كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار دون قتال لفعل، لكنه حكيم يبتلي بعضكم ببعض (لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ) به القضاء والقدر أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن الله رفع عنكم -أيها الأمة- العذاب (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).

(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا) هذا من لطف الله -تعالى- بهذه الأمة، أن أحل لها الغنائم ولم يحلها لأمة قبلها، (وَاتَّقُوا اللهَ) في جميع أموركم ولازموها شكرًا لنعم الله عليكم، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشرك به شيئًا جميع المعاصي (رَحِيمٌ) بكم، حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالاً طيبًا".

وفي قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى) (الأنفال: 70).

قال السعدي -رحمه الله-: "وهذه نزلت في أسارى يوم بدر، وكان في جملتهم العباس عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما طلب منه الفداء ادعى أنه أسلم قبل ذلك فلم يسقطوا عنه الفداء، فأنزل الله جبرًا لخاطره ومن كان على مثل حاله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) أي: من المال، بأن ييسر لكم من فضله خيرًا وأكثر مما أخذ منكم (وَيَغْفِرْ لَكُمْ) ذنوبكم ويدخلكم الجنة. وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل له -بعد ذلك- من المال شيء كثير، حتى إنه مرة لما قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- مال كثير أتاه العباس فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حمله، فأخذ منه ما كاد أن يعجز عن حمله. (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ) في السعي لحربك ومنابذتك، (فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) فليحذروا خيانتك، فإنه -تعالى- قادر عليهم، وهم تحت قبضته، (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وأن تكفل بكفايتكم شأن الأسرى وشرهم إن أرادوا خيانة". 

وفي مخاطبة الكافرين بعد المعركة: 

- قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ . لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الأنفال: 36-40).

قال السعدي -رحمه الله-: "يقول -تعالى- مبينًا لعداوة المشركين وكيدهم ومكرهم ومبارزتهم لله ولرسوله، وسعيهم في الخفاء في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وأن وبال مكرهم سيعود عليهم، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: ليبطلوا الحق وينصروا الباطل ويبطل توحيد الرحمن ويقوم على عبادة الأوثان، (فَسَيُنْفِقُونَهَا) أي: فسيصدرون هذه النفقة وتخف عليهم لتمسكهم بالباطل وشدة بغضهم للحق، ولكنها ستكون عليهم حسرة، أي: ندامة وخزيًا وذلاً ويغلبون، فتذهب أموالهم، ويعذبون في الآخرة أشد العذاب. ولهذا قال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) أي: يجمعون إليها ليذوقوا عذابها. وذلك لأنها دار الخبث والخبثاء، والله -تعالى- يريد أن يميز الخبيث من الطيب، ويجعل كل واحدة على حدة، وفي دار تخصه، فيجعل الخبيث بعضه على بعض من الأعمال والأموال والأشخاص، (فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين. وفي قوله -تعالى-: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)".

قال السعدي -رحمه الله-: "هذا من لطفه -تعالى- بعباده، لا يمنعه كفر العباد ولا استمرارهم في العناد من أن يدعوهم إلى طريق الرشاد والهدى، وينهاهم عما يهلكهم من أسباب الغي والردى، فقال: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا) عن كفرهم، وذلك بالإسلام لله وحده لا شريك له (يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) منهم من الجرائم (وَإِنْ يَعُودُوا) إلى كفرهم وعنادهم (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) بإهلاك الأمم المكذبة، فلينتظروا ما حل بالمعاندين، فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهذا خطابه للمكذبين. وأما خطابه للمؤمنين عندما أمرهم بمعاملة الكافرين فقال: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي: شرك وصد عن سبيل الله، ويذعنوا لأحكام الإسلام، (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) فهذا المقصود من القتال والجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب عن دين الله الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان (فَإِنِ انْتَهَوْا) عما هم فيه من الظلم (فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) لا تخفى عليه خافية منهم (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الطاعة وأوضعوا في الإضاعة (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى) الذي يتولى عباده المؤمنين، ويوصل إليهم مصالحهم، وييسر لهم منافعهم الدينية والدنيوية (وَنِعْمَ النَّصِيرُ) الذي ينصرهم، فيدفع عنهم كيد الفجار وتكالب الأشرار. ومن كان الله مولاه وناصره فلا خوف عليه، ومن كان الله عليه فلا عز له ولا قائمة تقوم له". 

إشارة القرآن المكي إلى غزوة بدر: 

- في تفسير قوله -تعالى-: (غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ . وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 2-6) -وسورة الروم مكية-.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ) أي: للروم أصحاب قيصر ملك الشام على فارس أصحاب كسرى. وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم". 

- وفي تفسير قوله -تعالى-: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ . سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ . بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) (القمر: 44-46) -وسورة القمر مكية- ذكر ابن كثير عن ابن أبي حاتم بسنده عن عكرمة قال: "لما نزلت (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي: أي جمع يغلب. قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يثب في الدرع وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) فعرفت تأويلها يومئذٍ" (انتهى من تفسير ابن كثير).