كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد وقعت غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة. وسميت بغزوة بدر الكبرى تمييزًا لها عن غزوة بدر الأولى أو الصغرى. وقد اصطلح علماء السيرة النبوية على تسمية المعركة (أو الواقعة العسكرية) التي قاد فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه جيش المسلمين (أو القوة العسكرية المسلمة) باسم: الغزوة؛ تمييزًا لهذه المعارك والوقائع عن المعارك والوقائع العسكرية التي قاد فيها غير النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين.
ولا مانع شرعًا من تسمية معارك وحروب المسلمين بالغزوات، كما قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (آل عمران: 156). ومعنى: (ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ) أي: سافروا في الأرض للتجارة، ومعنى: (كَانُوا غُزًّى) أي: خرجوا للجهاد والغزو في سبيل الله -تعالى-.
وقد سجَّل القرآن الكريم أحداث غزوة بدر الكبرى وما يتعلق بها، قبل وأثناء وبعد الغزوة، في آيات عديدة بيَّنت ما كان فيها من نِعَم الله -تعالى- على عباده في هذه الغزوة، والدروس والعبر والفوائد العظيمة المستفادة من ذلك؛ لكونها حقًّا من أهم وأكبر الغزوات والمعارك في تاريخ الإسلام، مما يجعلها بحق جديرة بالتناول والدراسة والاستفادة منها. وسنحاول هنا إلقاء بعض الأضواء على ذلك إن شاء الله -تعالى-، وبالله التوفيق.
الإذن للمسلمين بالقتال:
كان المسلمون قد مُنعوا في مكة من قتال المشركين؛ خاصة مع ما كانوا فيه من الضعف الشديد وقلة العدد، فطلب منهم كف أيديهم عن المشركين. وبعد الهجرة وإقامة الدولة الإسلامية في المدينة تغيرت الأوضاع، فأُذن لهم -وقد ظُلموا وأُخرجوا من وطنهم- أن يقاتلوا، فسبق غزوة بدر الإذن للمسلمين بقتال المشركين؛ قال -تعالى-: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ . الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) (الحج: 39، 40).
قال الشيخ ناصر السعدي في تفسيره: "كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار ومأمورين بالصبر عليهم لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وحصل لهم منعة وقوة؛ أُذِن لهم بالقتال).
وقال: (وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ): "فليستنصروه وليستعينوا به. ثم ذكر صفة ظلمهم (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) أي: أُلجئوا إلى الخروج بالأذية والفتنة، (بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا) أي: ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم (أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) أي: إلا أنهم وحَّدوا الله وعبدوه مخلصين له الدين" (ينظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان).
- وقد بيَّن الله -تعالى- الغاية من هذا القتال والجهاد في سبيل الله -تعالى-، وهو إزاحة الباطل وإقامة شرع الله -تعالى-؛ فقال: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج: 41)؛ لذا فالجهاد في الإسلام ليس صورة من صور الاستعمار أو الاحتلال، بل هو فتح يقضي على سيطرة الشرك ونفوذه ويقيم التوحيد والعدل، ويعبِّد الناس الله -تعالى-، مع منح غير المسلمين حرية الاعتقاد فلا يُكرهوا على الإسلام؛ ولهذا رحبت الشعوب التي فتحها المسلمون بلادهم بالمسلمين وتقبلوهم، وارتضوا جميعهم -وبلا إكراه- الإسلام لهم دينًا، واللغة العربية لهم لغة، بعد أن أزاح المسلمون عنهم أنظمة الباطل وأعطوهم حرية اختيار العقيدة.
- وقد شهدت الفترة قبل غزوة بدر الكبرى العديد من السرايا والغزوات التي تمثل مناوشات بين المسلمين والمشركين سبقت القتال الدامي الذي وقع يوم بدر، ومنها:
- سرية سِيْف البحر: وكانت في رمضان من السَّنة الأولى من الهجرة، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين رجلًا من المهاجرين لاعتراض عير لقريش قادمة من الشام، لكن الأمر لم يشهد قتالًا بين الفريقين.
- سرية رَابِغ: وكانت في شوال من السنة الأولى، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عبيدة بن الحارث في ستين راكبًا من المهاجرين، فتراموا مع المشركين بالنبال، ولم يقع بينهما قتال.
- سرية الخَرَّار: وكانت في ذي القعدة من السنة الأولى، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- سعد بن أبي وقاص في عشرين راكبًا لاعتراض عير لقريش، لكنهم لم يدركوا العير.
- غزوة الأَبْوَاء (أو غزوة وَدَّان): وكانت في صفر من السنة الثانية من الهجرة، حيث خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفسه في سبعين رجلاً من المهاجرين لاعتراض عير لقريش، فسار حتى بلغ ودان، لكنه لم يلقَ كيدًا.
- غزوة بُوَاطَ: وكانت في ربيع الأول من السنة الثانية، حيث خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في مائتين من أصحابه لاعتراض عير لقريش، فسار حتى بلغ بواط، لكنه لم يلقَ كيدًا.
- غزوة سَفْوان (أو غزوة بدر الأولى): وكانت في ربيع الأول من السنة الثانية، حيث طارد فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- في سبعين رجلًا من أصحابه قوة خفيفة للمشركين أغارت على مراعٍ ونهبت بعض المواشي، حتى بلغ وادي سفوان من ناحية بدر، ولكنه لم يدرك المشركين.
- غزوة ذي العَشِيرة: وكان الخروج لها في أواخر جمادى الأولى والعودة منها في أوائل جمادى الآخرة من السنة الثانية، حيث خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- في خمسين ومائة (أو مائتين) من المهاجرين لاعتراض عير لقريش ذاهبة إلى الشام، حتى بلغ ذا العشيرة، ولكنه لم يجد العير. وهذه العير هي التي خرج في طلبها النبي -صلى الله عليه وسلم- حين رجعت من الشام فكانت سببًا بعد ذلك لغزوة بدر الكبرى.
- سرية نَخْلَة: وكانت في رجب من السنة الثانية، حيث بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن جحش الأسدي -رضي الله عنه- إلى (نخلة) في اثني عشر رجلًا من المهاجرين، وهي السرية التي نزل فيها قوله -تعالى-: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة: 217). (راجع في ذلك: الرحيق المختوم، لصفي الدين المباركفوري).
الخروج لغزوة بدر الكبرى:
خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا من المهاجرين والأنصار لاعتراض عير قريش العائدة من الشام إلى مكة. وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل الغزوة أصحابه أن الله -تعالى- وعده في هذه الغزوة إما العير وإما قتال المشركين، ولم يُكرِه أحدًا على الخروج معه، فخرج معه في هذه الغزوة من خرج وتخلف عنها من تخلف بلا حرج، وكان من خرج يأمل في التعرض لقافلة قريش دون قتال، ولكن القافلة نجت، وخرجت قريش بكبار رجالها لقتال المسلمين فشق الأمر على بعض المسلمين؛ قال -تعالى- في بيان ذلك: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ . يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ . وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ . لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) (الأنفال: 5-8).
قال السعدي: "قدَّم -تعالى- أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة، الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها -يعني بذلك قول الله في الآيات السابقة لتلك الآية: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: 2-4)-؛ لأن من قام بها استقامت أحواله وصلحت أعماله، التي أكبرها الجهاد في سبيله؛ فكما أن إيمانهم هو الإيمان الحقيقي وجزاؤهم هو الحق الذي وعدهم الله به، كذلك أخرج الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- من بيته إلى لقاء المشركين في بدر بالحق الذي يبيّنه الله، وقد قدره وقضاه. وإن كان المؤمنون لم يخطر على بالهم في ذلك الخروج أن يكون بينهم وبين عدوهم قتل. فحين تبيَّن لهم أن ذلك واقع جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون. والحال: أن هذا لا ينبغي منهم خصوصًا بعد ما تبيَّن لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر الله به ورضيه، فبهذه الحال ليس للجدال مكان؛ لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر، فأما إذ وضح وبان فليس إلا الانقياد والإذعان.
هذا وكثير من المؤمنين لم يجرِ منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم، وكذلك الذين عاتبهم الله انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم الله وقيَّض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها. وكان أصل خروجهم ليتعرَّضوا لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام، قافلة كبيرة، سمعوا برجوعها من الشام، ندب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس، فخرج معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، معهم سبعون بعيرًا، يتعاقبون عليها ويحملون عليها متاعهم، فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عيرهم، في عدد كثير وعدة وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريبًا من الألف. فوعد الله المؤمنين إحدى الطائفتين إما أن يظفروا بالعير أو بالنفير، فأحبوا العير، لقلة ذات يد المسلمين، ولأنها غير ذات شوكة، ولكن الله -تعالى- أحب لهم وأراد أعلى مما أحبوا، أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم، (وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) فينصر أهله (وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ) أي: يستأصل أهل الباطل، ويري عباده من نصره للحق أمرًا لم يكن يخطر ببالهم (لِيُحِقَّ الْحَقَّ) بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته (وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ) بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) فلا يبالي الله بهم".
- ولإنقاذ قافلة قريش العائدة من الشام قبل وقوعها في قبضة المسلمين توجه قائدها أبو سفيان بها غربًا نحو ساحل البحر فنجت القافلة، بينما هبت قريش بجيشها بسرعة متجهة نحو الشمال لملاقاة المسلمين، ورغم نجاة القافلة قبل أن يدركها المسلمون فقد أصرت قريش على منازلة المسلمين هذه المرة لكسر شوكتهم، فكان التقاء الفريقين المقدّر على غير سابق ميعاد عند بئر بدر، وفي هذا قال -تعالى-: (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 42).
قال السعدي -رحمه الله-: "(إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا) أي: بعدوة الوادي القريبة من المدينة (وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى) أي: جانبه البعيدة من المدينة، فقد جمعكم وادٍ واحد، (وَالرَّكْبُ) الذي خرجتم لطلبِه، وأراد الله غيره. (أَسْفَلَ مِنْكُمْ) مما يلي ساحل البحر. (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ) أنتم وإياهم على هذا الوصف وبهذه الحال، (لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ) أي: لا بد من تقدُّم أو تأخر، أو اختيار منزل، أو غير ذلك مما يعرض لكم أو لهم، يصدّفكم عن ميعادهم (وَلَكِنْ) الله جمعكم على هذه الحال (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) أي: مقدّرًا في الأزل، لا بد من وقوعه (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) أي: ليكون حجة وبينة للمعاند، فيختار الكفر على بصيرة وجزم ببطلانه، فلا يبقى له عذر عند الله (وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) أي: يزداد المؤمن بصيرة ويقينًا، بما أرى الله الطائفتين من أدلة الحق وبراهينه، ما هو تذكرة لأولي الألباب (وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) سميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنّن الحاجات، عليم بالظواهر والضمائر والسرائر، والغيب والشهادة".
وقد سبق اشتباك واقتتال الفريقين أحداث سجَّلها القرآن الكريم؛ منها ما جاء في أحوال المشركين ومنها ما جاء في أحوال المسلمين.
فمما كان من أحوال جيش المشركين:
قال -تعالى-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ . وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الأنفال: 47-48).
قال السعدي: "(وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ) أي: هذا مقصدهم الذي خرجوا إليه، وهذا الذي أبرزهم من ديارهم، لقصد الأشر والبطر في الأرض، وليراهم الناس ويفخروا لديهم، والمقصود الأعظم أنهم خرجوا ليصدّوا عن سبيل الله من أراد سلوكه (وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)؛ فلذلك أخبركم بمقاصدهم، وحذّركم أن تشبهوا بهم، فإنه سيعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. فليكن قصدكم في خروجكم وجه الله -تعالى- وإعلاء دين الله، والصد عن الطرق الموصلة إلى سخط الله وعقابه، وجذب الناس إلى سبيل الله القويم الموصل لجنات النعيم (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) حسنها في قلوبهم وخدعهم، (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ) فإنكم في عدد وعدّة وهيئة لا يقاومكم فيها محمد -صلى الله عليه وسلم- ومن معه، (وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ) من أن يأتيكم أحد ممن تخشون غائلته؛ لأن إبليس قد تبدَّى لقريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكانوا يخافون من بني مدلج لعداوة كانت بينهم، فقال الشيطان: أنا جار لكم، فاطمأنت نفوسهم وأتوا على حرد قادرين. (فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ) المسلمون والكافرون، فرأى الشيطان جبريل -عليه السلام- يزع الملائكة خاف خوفًا شديدًا و(نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: ولّى مدبرًا (وَقَالَ) لمن خدعهم وغرّهم (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ) أي: الملائكة الذين لا يدان لأحد بقتالهم، (إِنِّي أَخَافُ اللهَ) أي: أخاف أن يعاجلني بالعقوبة في الدنيا (وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
ومن المحتمل أن يكون الشيطان قد سول لهم ووسوس في صدورهم أنه لا غالب اليوم من الناس، وأنه جار لهم، فلما أوردهم مواردهم نكص عنهم وتبرأ منهم، كما قال -تعالى-: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ) (الحشر: 16-17). (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أي: شك وشبهة، من ضعفاء الإيمان، للمؤمنين حين أقدموا -مع قلتهم- على قتال المشركين أي: مع كثرتهم (غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ) أي: أوردهم الدين الذي هم عليه هذه الموارد التي لا يدان لهم بها، ولا استطاعة لهم بها، يقولونه احتقارًا لهم واستخفافًا لعقولهم، وهم -والله- الأخفاء عقولًا، الضعفاء أحلامًا، فإن الإيمان يوجب لصاحبه الإقدام على الأمور الهائلة التي لا يقدم عليها الجيوش العظام، فإن المؤمن المتوكل على الله، الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحد إلا بالله -تعالى-، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضرّوه لم يضرّوه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلم أنه على الحق، وأن الله -تعالى- حكيم رحيم في كل ما قدره وقضاه، فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة، وكان واثقًا بربه، مطمئن القلب لا فزعًا ولا جبانًا؛ ولهذا قال: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) لا يغالب قوته قوة (حَكِيمٌ) فيما قضاه وأجراه).
ومما جاء فيما يتعلق بأحوال جيش المسلمين:
قال -تعالى-: (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (الأنفال: 11).
قال السعدي -رحمه الله-: "ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاسًا (يُغَشِّيكُمْ) أي: فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون (أَمَنَةً) لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرًا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) أي: يثبّتها، فإن ثبات القلوب أصل ثبات البدن، (وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ): فإن الأرض كانت سهلة دهسة، فلما تزل عليه تلبّدت وثبّتت به الأقدام. ومن ذلك أن الله أوحى إلى الملائكة (أَنِّي مَعَكُمْ) بالعون والنصر والتأييد، (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ألقوا في قلوبهم وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغّبوهم في الجهاد وفضله".
وقال -تعالى-: (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذَا الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) (الأنفال: 43-44).
قال السعدي: "وكان الله قد أرى رسوله المشركين في الرؤيا عددًا قليلاً، فبشّر بذلك أصحابه فاطمأنت قلوبهم وتثبّتت أفئدتهم (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ) الله إياهم (كَثِيرًا) فأخبرت بذلك أصحابك (لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) فمنكم من يرى الإقدام على قتالهم ومنكم من لا يرى ذلك، فوقع من الاختلاف والتنازع مما يوجب الفشل (وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ) فلطف بكم (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: بما فيها من ثبات وجزع وصدق وكذب، فعلم الله من قلوبكم ما صار سببًا للطفه وإحسانه بكم)، (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذَا الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) فأرى الله المؤمنين عدوهم قليلًا في أعينهم، ويقللكم -يا معشر المؤمنين- في أعينهم، فكل الطائفتين يرى الأخرى قليلًا لتقدم كل منهما على الأخرى (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا) من نصر المؤمنين وخذلان الكافرين وقتل قادتهم ورؤساء الضلال منهم، ولم يبقَ منهم أحد له اسم يذكر، فيتيسر بعد ذلك انقيادهم إذا دُعوا إلى الإسلام، فصار أيضًا لطفًا بالباقين الذين منّ الله عليهم بالإسلام، (وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي: جميع أمور الخلائق ترجع إلى الله، فيميز الخبيث من الطيب، ويحكم في الخلائق بحكمه العادل الذي لا جور فيه ولا ظلم".
عن توجه الفريقين وقد أزف القتال:
قال -تعالى-: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 19).
قال ابن كثير في تفسيره: "يقول -تعالى- للكافرين: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا) أي: تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم). وعند أحمد والنسائي والحاكم في مستدركه أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وآتانا بما لا نعرف؛ فأحنه الغداة! فكان استفتاحًا منه، فنزلت: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) الآية. وروي نحو ذلك عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة، وغير واحد.
وقال -تعالى- في شأن المبارزة التي سبقت التحام الجيشين: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) (الحج: 19). وذلك أنه عندما تواجه الجيشان خرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش، وهم: عتبة وأخوه شيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة طالبين المبارزة؛ فبرز عبيدة بن الحارث لعتبة بن ربيعة وبرز حمزة بن عبد المطلب لشيبة، وبرز علي بن أبي طالب للوليد، فسرعان ما قتل حمزة وعلي خصميهما، بينما أثخن عبيدة وعتبة كل واحد منهما الآخر، فكرَّ علي وحمزة على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة إلى جيش المسلمين وقد قطعت رجله، فكان علي -وحديثه في صحيح البخاري- يقسم بالله أن هذه الآية نزلت فيهم؛ يريد قوله -تعالى-: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) (الحج: 19). (راجع: الرحيق المختوم للمباركفوري).
عن إمداد الله -تعالى- للمسلمين بالملائكة يقاتلون معهم في تلك الغزوة:
قال -تعالى-: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال: 9، 10).
قال السعدي -رحمه الله-: "أي: اذكروا نعمة الله عليكم لما قارب التقاؤكم بعدوكم استغثتم بربكم وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ) وأغاثكم بعدة أمور؛ منها: أن الله أمدكم (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) أي: يردف بعضهم بعضًا (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ) أي: إنزال الملائكة (إِلَّا بُشْرَى) أي: لتستبشروا بذلك نفوسكم (وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ) وإلا فالنصر بيد الله، ليس بكثرة عدد ولا عدَّة (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ) لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا (حَكِيمٌ) حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها. ومن نصره واستجابته لدعائكم أن نزل عليكم نعاسًا (يُغَشِّيكُمْ) أي: يذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل). وعند أحمد بسنده: لما كان يوم بدر نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف ونظر إلى المشركين وهم ألف وزيادة، استقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- القبلة ثم مد يديه وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: اللهم أين ما وعدتني؟ أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تُعبد في الأرض أبدًا، فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز ما وعدك، فأنزل الله -عز وجل-: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ).
وقال -تعالى-: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ . ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) (الأنفال: 12-14).
قال ابن كثير: "وهذه نعمة خفية أظهرها الله -تعالى- لهم ليشكروه عليها؛ وهو: أنه -تعالى- وتقدّس وتبارك وتمجَّد، أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم نصرًا لنبيه ودينه وحزبه المؤمنين يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبّتوا الذين آمنوا. قال ابن إسحاق: وآزروهم، وقال غيره: قاتلوا معهم، وقيل: كثّروا سوادهم".
وقال أيضًا: "وقوله: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) أي: ثبّتوا أنتم المؤمنين وقوّوا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك، سألقي الرعب والمذلة والصغار على من خالف أمري وكذّب رسولي. (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) أي: اضربوا الهام فافلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم وهي أيديهم وأرجلهم".
وعن ابن عباس: "(وَاضْرِبُوا كُلَّ بَنَانٍ) يعني بالبنان الأطراف، وكذا قال الضحاك وابن جريج والسدي. ويقال: كل مفصل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ) أي: خالفوهما فساروا في شق وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق. مأخوذ من شق العصا، وهو جعلها فرقتين (وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، تبارك و-تعالى- لا إله غيره، ولا رب سواه (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ) هذا خطاب للكفار، أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة".
وللحديث بقية -إن شاء الله-.