الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 18 مارس 2025 - 18 رمضان 1446هـ

الصَّالون الأدبي (مع عُقَاب العربية.. الأستاذ محمود محمد شاكر) (33)

كتبه/ ساري مراجع الصنقري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فيُواصِلُ العُقابُ حكايتَه مع الشِّعْرِ الجاهليِّ في مقالتِه التي نشرتْها مَجَلَّةُ "الثَّقافةِ"؛ فيَقولُ: "ولَم أُجَاوِزْ حَدَّ تطبيقِ منهجي هذا في القليلِ الذي كتبتُه، مِمّا نشرتُه وعمّا سوف أنشرُه بعد قليلٍ -إن شاء الله-، ولكنّه تطبيقٌ لا أكثر ولا أقلّ.

وما دُمْنَا في حَيِّزِ التَّاريخِ فسأقِفُك على كلامَين: أحدهما: يصفُ الشِّعْرَ الجاهليَّ في أوَّلِ أمري حين قرأتُ كما حدَّثْتُك. والآخَر: يصفُ الشِّعْرَ الجاهليَّ بعد ذلك بزمانٍ طويلٍ، لمّا كتبتُ مُقدِّمةَ كتابيَ المُتَنبِّي (1/ 14) في سنة 1977م، وصفتُ قديمَ إحساسي بالشِّعْرِ الجاهليِّ في سنة 1927م وما قبلها، فقلتُ:

1- "وجدتُ يومئذٍ في الشِّعْرِ الجاهليِّ ترجيعًا خفيًّا غامضًا كأنّه حفيفُ نَسِيمٍ تسمعُ حِسَّهُ وهو يتخلَّلُ أعوادَ نَبْتٍ غَمِيمٍ مُتكاثِفٍ، أو رنينُ صوتٍ شجيٍّ ينتهي إليك مِن بعيدٍ في سُكونِ ليلٍ داجٍ وأنت محفوفٌ بفضاءٍ مُتباعِدِ الأطرافِ، وكان هذا التَّرجيحُ الذي آنَستُه مشتركًا بين شُعراءِ الجاهليَّةِ الذين قرأتُ شِعْرَهُم، ثُمَّ يمتازُ شاعرٌ مِن شاعرٍ بجرسٍ ونغمةٍ وشمائلَ تتهادى فيها ألفاظُه، ثُمَّ يختلفُ شِعْرُ كُلِّ شاعرٍ منهم في قصيدةٍ مِن شِعْرِه، وبدَندَنةٍ تعلو وتخف تبعًا لِحركةِ وِجدانِه مع كُلِّ غرضٍ مِن أغراضِه في هذا الشِّعْر".

هكذا كنتُ أجدُ الشِّعْرَ الجاهليَّ قبل أن أنتهيَ إلى المرحلةِ التي وجدتُ عندها منهجًا أستطيعُ أن أُعِيدَ عليه قراءةَ هذا الشِّعْرِ، وإن كنتُ قد كتبتُه بعد انقضاءِ خمسينَ سنةً، ولكنِّي في سنة 1961م وصفتُ هذا الشِّعْرَ نَفْسَهُ في مُقدِّمةِ كتابِ صديقٍ لي -رحمه الله- (كتب الأستاذ شاكر هذه المُقدِّمةَ لِكتابِ "الظّاهرةِ القُرآنيّةِ" لِمالك بن نبي سنة 1958)، فقلتُ:

2- ولقد شغلني "إعجازُ القُرآنِ" كما شغل العصرَ الحديثَ، ولكن شغلني أيضًا هذا "الشِّعْرُ الجاهليُّ" وشغلني أصحابُه، فأدّاني طولُ الاختبارِ والامتحانِ والمُدارَسةِ إلى هذا المذهبِ الذي ذهبتُ إليه، حتى صار عندي دليلًا كافيًا على صِحَّتِه وثُبوتِه؛ فأصحابُه الذين ذهبوا ودرجوا وتبدَّدَت في الثَّرى أعيانُهم، رأيتُهم في هذا الشِّعْرِ أحياءً يَغدُونَ ويَروحُونَ، رأيتُ شابَّهُم ينزو به جهلُه وشيخَهُم تَدلِفُ به حكمتُه، ورأيتُ راضِيَهم يستنيرُ وجهُه حتى يُشرقَ وغاضِبَهم تَرْبَدُّ سَحْنَتُهُ حتى تُظلِمَ، ورأيتُ الرَّجُلَ وصديقَه، والرَّجُلَ وصاحِبَتَه، والرَّجُلَ الطَّرِيدَ ليس معه أحدٌ، ورأيتُ الفارسَ على جَوادِه، والعاديَ على رِجلَيه، ورأيتُ الجماعاتِ في مبداهم ومحضرِهم، فسمعتُ غزلَ عُشّاقِهم، ودلالَ فتياتِهم، ولاحت لي نيرانُهم وهم يَصطَلُونَ، وسمعتُ أنينَ باكيهم وهم لِلْفِرَاقِ مُزمِعُونَ؛ كُلُّ ذلك رأيتُه وسمعتُه مِن خلالِ ألفاظِ هذا الشِّعْرِ، حتى سمعتُ في لفظِ الشِّعْرِ همسَ الهامِس، وبُحَّةَ المُستكِين، وزَفْرةَ الواجِد، وصرخةَ الفَزِع، وحتى مثلوا بشِعرِهم نُصْبَ عيني، كأنِّي لَم أفقدهم طرفةَ عين، ولَم أفقد منازلَهم ومعاهدَهم، ولَم تغب عنِّي مذاهبُهم في الأرضِ، ولا شيءٌ ممّا أحسُّوا ووجدوا، ولا ممّا سمعوا وأدركوا، ولا ممّا قاسوا وعانوا، ولا خفي عنِّي شيءٌ ممّا يكون به الحيُّ حيًّا على هذه الأرضِ التي بقيت في التّاريخِ معروفةً باسم: جزيرة العرب" (انتهى).

وتَستمِرُّ الحكايةُ في المَقالِ القادمِ -إن شاء الله-.

واللهُ المستعان.