الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 23 فبراير 2021 - 11 رجب 1442هـ

الفساد (85) منظفات صناعية ضارة

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمفهوم الفساد أوسع من الاقتصار على صور الفساد الإداري المتمثِّل في تقديم الرشوة والهدايا للمسئولين، أو اهمال وتقاعس المسئولين عن واجباتهم، ونحو ذلك؛ فالمفهوم الواسع للفساد يعم كل ما فيه تقديم المصلحة أو المنفعة الشخصية على كل ما يؤدي إلى الإضرار العام بالمجتمع، بل يشمل كذلك كل إهمال وتقصير في المراقبة أو المحاسبة يؤدي إلى تضييع حقوق عامة، أو يؤدي إلى الوقوع في أضرار عامة، ويدخل فيه وضع قوانين وتشريعات ونُظُم تحقق مصالح فئة على حساب مصالح المجموع.

وعلى ذلك فالمتاجرة فيما فيه إضرار بصحة الناس من أجل كسب شخصي هو من صور الفساد في المجتمع، ومن ذلك ما نراه في الأسواق من انتشار عرض وبيع وتداول واستعمال أصناف كثيرة من المنظفات السائلة والصلبة الضارة على صحة المستهلكين لها.

ففي كثير من المناطق -خاصة في المناطق الشعبية والعشوائية- يتم بيع أصناف كثيرة من المنظفات السائلة غير مطابقة للمواصفات الصحية، وهي بهذا يحظر صحيًّا وعلميّا استعمالها؛ لما تسببه -سواء على المدى القريب أو على المدى البعيد- من العديد من الأضرار الصحية، بل والأمراض الخطيرة التي يمكن أن تصيب الجلد أو الصدر أو الكلى.

كما أنه يتم تصنيع أنواع من (صابون المواعين) من مواد كيماوية ضارة، ويتم بيعها للجمهور، حيث يستخدم بكثرة في المنازل في الأماكن الشعبية والعشوائية.

ويقوم تصنيع تلك المنظفات على العديد من المواد الكيماوية، منها: حامض السالفونيك، والسليكات، والصودا الكاوية، والتكسابون والتايلوز، وسلفات الماغنسيوم، وملح طعام -أو سلفات الماغنسيوم-؛ بالإضافة إلى ألوان وروائح؛ يتم ذلك على مرأى من الجميع، يشارك فيه الباعة والمشترون، وتشارك فيه الدولة بتقصيرها في القيام بدورها في المراقبة والمحاسبة للباعة، وبتقصيرها في توعية أفراد المجتمع التوعية الكافية بأضرار تلك المنظفات الصناعية، ولا يتم الكشف على هذه المنتجات الصناعية بالدرجة المطلوبة، والتأكد من توافر الحد الأدنى من الشروط والمواصفات الظاهرة وعلامات السلامة المهنية في حدودها المقبولة.

وهناك مصانع كثيرة تقوم على إنتاج المنظفات الصناعية، وغالبها مصانع من تكوين عائلات معروفة تتوارث إنتاج هذه المنظفات في الكثير من محافظات الجمهورية، ومنها مصانع غير مرخصة، وبالتالي: غير قانونية رغم شهرتها؛ إذ منها ما هو معلوم الاسم والعنوان، ويقبل على منتجاتها من الصابون السائل، وصابون المواعين، ومبيض الملابس، ومنظف السجاد، والمطهرات المنزلية، ومعطر الأرضيات، ومعطر الملابس، وربما تعاملت معها الكثير من فنادق الدرجة الثالثة والمطاعم وبعض المستشفيات.

ونظرا لخطورة المواد المستخدمة في تصنيع هذه المنتجات؛ فإنه لا بد من استيفاء التراخيص اللازمة للسماح بذلك، والتي يشترط للحصول عليها سلامة عملية التصنيع، ولا بد من ترخيص لمزاولة هذه المهنة، وما يتطلبه ذلك من وجود سجل تجاري للمصنع، وموافقة الهيئات الصناعية، وصلاحية المكان وسلامة الآلات الخاصة بصناعة هذه المنظفات بأنواعها المختلفة.

وللأسف فهناك مَن يدخل مجال هذا العمل بصورة فردية من خلال قيامه بنفسه وفي حدود خبرته الشخصية بتصنيع هذه المنظفات بما يراه ويعرفه من مواد خام في هيئة سائل أو بودرة متداولة يتم بيعها بحرية في أماكن معروفة ومتاجر يسهل الوصول إليها والتعامل معها، مكتفيًا بإمكانيات مادية ضعيفة وإنتاج قليل، ومع النجاح في ترويج بضاعته يتوسع فيها بلا ضوابط أو قيود إلا رخص الثمن وتوافر المنتج، فيصير له محلات ومخازن، يبيع مِن خلالها المنظفات جملة وقطاعي بلا رقابة أو حساب لسنوات طويلة، وربما ورث هذه الصنعة لأبنائه من بعده على نفس المنهج والمنوال؛ إذ صار له زبائن معروفين على مر السنين، وهو طوال السنين التي قضاها في هذه المهنة لا يفكر في تقنين أوضاعه؛ متعللًا بصعوبة إنشاء مصنع معتمد وتقنين نشاطه، محتجًا بجودة إنتاجه بدليل إقبال المشترين عليها، أي/ يكفي عنده شهادة المستهلكين لها وإقبالهم عليها!

والحقيقة المرة: أن الإقبال عليها لا لجودتها، ولكن لرخص أسعارها؛ رغم ما قد تتسبب فيه من أضرار تحدثها على المدى البعيد من الكميات الضخمة المنتجة منها؛ خاصة مع إفراط ربات البيوت في استخدام هذه النوعيات من المنظفات، تشهد بذلك عيادات الأطباء التي يتردد عليها الكثير من النساء وعمال وعاملات التنظيف يعانون من أمراض وحساسية بالجلد، وأمراض تنفسية وصدرية بالتعرض المباشر لهذه المنظفات، كما أن مع تكرار استخدام هذه المنظفات الضارة يؤدي إلى تسرب بقايا حبيبات ضارة موجودة على -أواني الطبخ حتى بعد تنظيفها وغسلها، وهي حبيبات لا ترى بالعين المجردة، وقد ندخل جسم الإنسان مع تناول الأطعمة الموضوعة أو المطهية فيها، كما أنها قد يمتصها الجلد لتدخل إلى داخل الجسم عن طريق مسام الجلد فتصل إلى الكبد والكلى وتؤدي في النهاية إلى الفشل الكلوي أو الكبدي، كما تتسبب الأملاح الموجودة في هذه المنظفات في تكوين حصوات في الكلى، وتؤدي إلى الفشل الكلوي والإصابة بالسرطان.

ولا شك أن السلامة والنجاة من كل تلك الأضرار والأمراض يستلزم استخدام منظفات من مصادر موثوق فيها، أي من مصانع وشركات معتمدة ومرخصة تخضع للرقابة وتلتزم بالمواصفات والشروط الفنية والصحية المعتبرة في المنظفات الصناعية.

مواصفات المنظفات الصناعية:

نظرًا لخطورة بعض المواد الكيماوية على صحة الإنسان سواء عن طريق الملامسة المباشرة للجلد أو الاستنشاق بالصدر أو الدخول للجهاز الهضمي مع الأكل والشرب، فإن صناعة المنظفات للاستخدام في تنظيف الأواني والأدوات التي تستخدم بعد ذلك في الأكل والشرب في البيوت والمطاعم والفنادق والمستشفيات وغيرها، تحتاج إلى مواصفات فنية خاصة تضمن حفظ المستخدم من أضرارٍ قد تحدث من هذه المنظفات التي تستخدم بصفة يومية.

وقد حددت الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة المواصفات القياسية التي يجب أن تخضع لها المنظفات الصناعية السائلة التي تستخدم لتنظيف أواني الطبخ وأدوات المائدة طبقًا للتوجهات الفنية الأوروبية والمواصفات اليابانية، وهذه الهيئة هي المرجع القومي المعتمد والجهة الرسمية في مصر المنوط بها القيام بإصدار المواصفات القياسية للمنتجات سواء المنتجات المحلية أو المنتجات المستوردة من الخارج.

وتنص هذه المواصفات على:

- أن يكون المنظف سائلًا شفافًا رائقًا خاليًا من الشوائب والترسبات، وأن يستخدم في تصنيع المنظف لون مسموح به، كما يجب وجود المادة الفعالة التي تحقق النظافة.

- وعند إضافة كحول الإيثانول (الميثانول) -حيث يضاف كحول الإيثانول كمادة حافظة- لا تزيد نسبة الميثانول في المنتج عن 5و0%؛ نظرًا لخطورة هذه المادة على الصحة، خاصة على العصب البصري، على أن يتم تقدير نسبة هذا الميثانول عن طريق استخدام جهاز (أتش بي أل سي).

- ويشترط كذلك أن يكون المنظف خاليًا من سليكات الصوديوم، وأن تكون درجة تركيز الحموضة والقلوية (بي أتش) في المنظفات السائلة بين درجتي 5و8، 5و6، أي يكون المنظف متعادلًا، فلا يكون المنظف حمضيًّا فقط أو قلويًّا فقط.

- كما يشترط أن يكون الأس الهيدروجيني لسائل التنظيف 6: 10 بدون تخفيف، حيث إن الزيادة أو النقصان عن ذلك من الأشياء المؤثِّرة على جلد اليدين، فيسبب التهاب وتهيج بالجلد عند الاستخدام، ويمكن أن تصيب الجلد بالحساسية.

مادة سليكات الصوديوم:

سليكات الصوديوم من المواد غير المسموح باستخدامها في تصنيع المنظفات السائلة الخاصة بأدوات المائدة، فهي محظور ملامستها للجلد مباشرة، ولكن يمكن استخدامها بنسبة 2:12 في المنظفات الخاصة بالغسالات العادية والأتوماتيك، نظرًا لبعدها عن ملامسة الأيدي.

مادة الفورمالين (أو الفورمالدهيد):

يعد الفورمالين مادة أساسية في الصناعات الكيماوية، وتستخدم نسبة كبيرة من الفورمالين المركب في إنتاج الغراء وألواح الخشب المضغوط والخشب الرقائقي. ويستخدم البعض الفورمالين في كثير من السوائل التي تستخدم في تنظيف الأطباق، مع أن مادة الفورمالين تعد من المواد شديدة السمية، ومصنفة عالميًّا أنها من المواد التي يمكن أن تسبب السرطان (مادة مسرطنة)، فقد تم تصنيف الفورمالين على أنه مادة مسرطنة في التعديل السادس للتقدم التقني والعلمي في توجيهات الاتحاد الأوروبي في يونيو عام 2014م.

ومِن الثابت: أن وجود الفورمالين في أي مادة من المواد السائلة التي تستخدم في تنظيف الأطباق وأدوات المائدة يمكن أن يسبب أضرارًا للبدن، منها: حرقان في العين، وسعال حاد، وتهييج في الأنف والخنجرة.

ونظرًا لكون الفورمالين مادة لها قدرة على مقاومة البكتريا، فهي تستخدم من البعض كمادة حافظة، ولكن بطريقة غير نظامية كما في حفظة الأطعمة من التعفن: كاللحوم، والأسماك، والفواكه، وغيرها.

حامض الكبريتيك:

مادة تسبب حروقًا بالجلد، وتتسبب تهيجًا في الأنسجة، والتعرض لاستنشاق بخاره يؤذي الحنجرة والرئة، ويمكن أن يتسبب في الإصابة بالالتهاب الرئوي وسرطان الحنجرة.

فاصل السالفونيك:

فاصل السالفونيك مادة تنتج عن عملية تصنيع السالفونيك، وتعد أقوى من ماء النار؛ لذا تستخدم من البعض في نظافة البراميل والتنكات. وتستخدم هذه المادة في صناعة الصابون السائل مع قليل من السالفونيك نفسه لتقليل المواد الخام وللتوفير في المال وزيادة المنتج، وبالتالي تقليل التكلفة وزيادة الأرباح.

الصودا الكاوية (أو هيدروكسيد الصوديوم):

مادة من أقوى القلويات، وهي من المواد الكيميائية الأكثر خطورة، فهي مادة آكلة وبشدة، وتسبب حرقانًا وتقرحات وندبات على الجلد، وتزداد شدة الضرر بطول بقاء هذه المادة القلوية على الجلد.

والمركز من هذه المادة يؤثر على الجهاز التنفسي للإنسان على قدر كمية التعرض لأبخرة المادة المستنشقة؛ فيسبب تهييجًا شديدًا للجهاز التنفسي، وقد يسبب تراكم السوائل في الرئتين. وفي تصنيع المنظفات لابد أن تكون كمية الصودا الكاوية مساوية لثلث كمية السالفونيك لإتمام معادلة الإنتاج.

ملح الطعام:

يتفاعل ملح الطعام مع التايلوز فيعطي قوامًا ثقيلًا للصابون، وزيادة الملح يثقل الصابون السائل، ولكن يضاف الملح فيه إلى درجة معينة لا يزاد عليها حتى لا يفسد المنتج. ويفضل البعض استخدام سلفات الماغنسيوم بدلًا من ملح الطعام؛ لأن الملح يعطي شكلًا غير مستحب.

أما مادة التكسابون:

فتستخدم لشفافية المنظف، وزيادة الرغوة، والبعض يضع مادة (بي بي 4)؛ لأنها مادة معززة أيضًا للرغوة. ويراعى أن تكون كمية التكسابون مساوية لكمية الملح في المنتج.

أما الروائح الموجودة في المنظفات السائلة وغير السائلة كرائحة التفاح أو الليمون وغيرها فهي ليست روائح طبيعية، ولكن مِن إضافة مواد مصنعة، قد تكون مواد مجهولة غير معروفة، ضارة أو سامة، وقد تتسبب في حساسية أو تهييج للجلد، أو تؤدي إلى ضيق وصعوبة في التنفس.

أهمية بطاقة البيانات على المنتج:

من الأمور الواجب الاهتمام بها والحرص عليها كل الحرص كتابة نسبة حدود التركيز للمواد الحمضية والقلوية في أي منتج كيماوي أو منظف، وهو ما يتم على بطاقة البيانات المخصصة لكل منتج، فبطاقة البيانات عبارة عن بيانات خاصة يجب أن تدون على أي عبوة تجارية معدة للبيع، وتدون عليها البيانات بخط واضح مقروء وغير قابل للمحو، وتتضمن البيانات: اسم المنتج والعلامة التجارية واسم الجهة المنتجة أو المستوردة، فيكتب: صنع في مصر، أو يذكر بلد المنشأ وعنوانها، ورقم التليفون الخاص بها إن وجد، والبريد الالكتروني إن وجد، وكذلك تاريخ الإنتاج ومدة الصلاحية، ووزن المنتج بالجرام أو الحجم باللتر.

ويجب أن يعبأ المنتج في عبوات مناسبة لا تتأثر أو تؤثر في مكوناته، وتكون العبوات سليمة محكمة الغلق بصورة تتحمل العبوة معه ظروف النقل والتخزين في الظروف العادية، كما يجب أن تشير البطاقة إلى محتوى العبوة، أي المكونات؛ بالإضافة إلى تعليمات الاستخدام من جهة، والتحذيرات المرتبطة بالاستخدام، وتوضيح الجرعات والكميات التي تستخدم.

وفي حالة إضافة أي مواد حافظة، يجب كتابتها بغض النظر عن تركيزها باسمها العلمي، أو اسمها الشائع إذا أمكن، وفي حالة إضافة أي أنزيمات أو مطهرات أو عطور يجب الإشارة إليها بغض النظر عن نسبة وجودها في المنظف.

ضعف في رقابة السوق:

من صور الفساد: الإهمال والتقصير في القيام بالرقابة على المنتجات التي تباع في الأسواق، خاصة ما يتعلق منها بالمحافظة على صحة وسلامة المواطنين، وكذلك لا يجوز بأي حال من الأحوال ترك ما لا يصلح منها للتداول دون مصادرته، ودون معاقبة ومحاسبة المسئول عن عرض وترويج وتوفير هذا المنتج في الأسواق على ما يتسبب فيه من ضرر للمواطنين.

ودور الرقابة يكون بمراقبة الأسواق للتأكد من مصدر المنتج أو السلعة المعروضة للبيع للجمهور، من خلال الاطلاع على فاتورة الشراء عند البائع، فهي التي تثبت مصدر السلعة، وعن طريقها يكون التأكد من جميع البيانات التجارية المتعلقة بالمنتج، من أسم الشركة المنتجة، وبلد المصنع، وتاريخ الإنتاج، وتاريخ الصلاحية. وفي حالة عدم وجود فاتورة تثبت مصدر المنتج -أو الشك في صحتها- فهناك المصادرة الفورية للمنتج، ومنع بيعه للمستهلكين، وهذا طبقًا للقانون رقم 48 لعام 1941م، والمعدل بالقانون رقم 281 لعام 1994 م، وهو القانون الصادر بشأن مكافحة التدليس والغش التجاري. وهو أيضًا تطبيق للقرار الوزاري رقم 113 لسنة 1994م الصادر بشأن حظر السلع مجهولة المصدر، والذي ينص على حظر تداول السلع مجهولة المصدر أو غير مصحوبة بالمستندات، كما يحظر عرضها للبيع أو حيازتها بقصد الإتجار، وكل مخالف لأحكام هذا القرار يعاقب بالحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، مع ضبط السلع موضوع المخالفة ومصادرتها والحكم بإعدامها.

والمراقبة هنا في شأن المنظفات بأنواعها تتضمن:

- المراقبة التجارية: من خلال مفتشي الرقابة التجارية في مجال ضبط المنظفات الصناعية الموجودة والمعروضة في الأسواق ومحال البيع، وهي غير مطابقة للمواصفات أو مجهولة المصدر، كالتي تصنع في براميل وتباع للعامة، أو تكون منتجات مقلدة توضع في عبوات مجهولة المصدر، وبدون أي بطاقة بيانات على هذه العبوات، وهي بالطبع غير مطابقة للمواصفات الفنية والصحية.

- المراقبة الصناعية: وهي رقابة لها حق الضبطية القضائية، تقوم بزيارة جميع المصانع الرسمية أو غير رسمية (عشوائية)، مرخصة أو بدون ترخيص للتفتيش الدوري وتحليل عينات من منتجاتها، ولها حق الإنذار بالإغلاق وحق العقاب، وعليها مطالبة أصحاب المصانع غير المرخصة (أي غير الرسمية) بتوفيق أوضاعها والحصول على التراخيص اللازمة للتصنيع.

وهنا يكمن البلاء:

- فهناك تصنيع لمنظفات يتم في مصانع تعمل (تحت بير السلم) بعيدًا عن الأسواق، وبعيدًا عن أماكن المصانع المعروفة في هذا المجال وتجمعاتها، أي بعيدة عن عيون الرقابة. وتقدر مصانع بير السلم بنحو 40 % من عدد مصانع إنتاج المنظفات، وهي توفِّر قدرًا كبيرًا من المنظفات المتداولة في الأسواق، وتنافس بشدة منتجات المصانع المرخصة لرخص ثمنها.

- وتشير نتائج المعامل الحكومية الرسمية -كالتي في الهيئة العامة للمواصفات والجودة ومركز جودة الإنتاج الصناعي- أن منتجات هذه المصانع العشوائية غير آمنة وغير مطابقة للمواصفات الفنية والشروط الصحية، فمنها ما يحتوي على مادة السليكات الضارة، والتي يمكن أن تتسبب في إصابة مستخدميها بالسرطان مع طول الاستعمال لها، ومنها ما لا يحتوي على المادة الفعالة للمنظفات التي يشترط طبقا للمواصفات الفنية وجودها في المنتج؛ إذ هي أساس وجود واستعمال المنظف، ومنها ما يكون الأس الهيدروجيني في المنظف السائل مخالفًا تمامًا للمواصفات القياسية؛ مما قد يتسبب في تهييج الجلد مع استعماله.

- ومما يعرقل دور مصلحة الرقابة الصناعية، وهي رقابة لها حق الضبطية القضائية، والتي تمنحها الحق في دخول المصانع في أي وقت وتحت أي ظرف، وتعطي لها حق المحاسبة والمعاقبة، وهي تمتلك قاعدة بيانات للمنشآت الصناعية المختلفة في جميع أنحاء الجمهورية، وعليها تقوم بدورها من خلال التفتيش الدوري والتفتيش المفاجئ على تلك المنشآت الصناعية، لكنها في نفس الوقت لا تستطيع دخول محل بقالة أو محل خاص بصناعة وبيع المنظفات الصناعية السائلة؛ لأن هذا من اختصاص وزارة التموين والتجارة الداخلية، ولا يجوز تعدي الرقابة الصناعية على اختصاصات وزارة التموين والتجارة الداخلية.

- ويزيد من حجم المأساة أن إنتاج هذه المصانع العشوائية غير الرسمية يباع في الأماكن الشعبية والعشوائية بأسعار أرخص بكثير من أسعار المصانع المرخصة، بل ربما بأقل من تكلفة المصانع المرخصة، حيث إن المصانع المرخصة ملتزمة بالمواصفات الفنية والصحية لإنتاج وتصنيع المنظفات التي تنتجها، كما أنها ملتزمة بسداد ما عليها من حقوق العاملين فيها كاملة وتأمينات ورسوم أخرى نحوها، مما يجعل التكلفة عليها أكبر، وينعكس أثر ذلك بالطبع على سعر المنتج عند بيعه للمستهلك.

- كما أن من أسباب أن المنظفات التي تنتجها المصانع المرخصة أسعارها أعلى من المنظفات المقلدة التي تنتجها أماكن غير مرخصة: أن تكلفة المنظفات المرخصة تضاف إليها ضريبة القيمة المضافة، وتشمل جدول 5%، ومدخلات 14 %، وهي غير قابلة للخصم، أي: أن سعر البيع للمستهلك محمل عليه 19 % زيادة على سعر التكلفة الفعلية، وبالطبع يتحملها المستهلك وحده إلى جانب هامش الربح، وهذا يجعل المستهلك ينصرف عن هذه المنظفات المرخصة عالية السعر إلى المنظفات الأخرى المجهولة؛ لرخص ثمنها، بالرغم من كونها غير مطابقة للمواصفات الفنية والصحية، وتعرض المستهلك لها للأضرار الصحية والأمراض.

وهذا يستدعي على المدى القريب تعديل قانون الضريبة المضافة على المنظفات وتخفيفها، مع المواجهة على المدى البعيد الطويل للمصانع العشوائية بإغلاقها أو على الأقل إنذارها بالغلق ما لم توفِّق أوضاعها القانونية وتستخرج التصاريح اللازمة لها من جهة، مع الالتزام بالمواصفات الفنية والصحية لمنتجاتها من جهة أخرى.

- وقد زاد الأمر سوءًا أنه بعد تعويم الجنيه ارتفعت الأسعار أكثر وأكثر، وأصبحت السلع عامة في غير متناول كثير من الناس؛ مما أدَّى لزيادة الإقبال على منتجات مصانع بير السلم، وزاد من الطلب عليها وانتشارها؛ إذ إنها أصبحت تنافس وبشدة منتجات المصانع المرخصة، بل وتتفوق عليها في التوزيع لرخص ثمنها، وإقبال كل البسطاء والفقراء ومحدودي الدخل عليها.

- ومما يؤسف له: أن الأجهزة الرقابية لا يتوفر لها الاعتمادات اللازمة على مستوى الجمهورية ككل، إذ تعد إمكانياتها في الجملة محدودة مقارنة بالجهد المطلوب منها والعبء الملقى عليها على مستوى محافظات الجمهورية ككل، من حيث المواصلات والانتقال، وأخذ العينات من كل المصانع المنتجة، وتحليلها في المعامل والمراكز التابعة لها، وإخطار المسئولين والمنتجين بنتائجها، والتعامل مع المصانع المنتجة لها بمقتضاها، إذ تحتاج إلى توفير اعتمادات أكبر بكثير مما هي عليه حاليًا.

وطبقًا للتعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن عدد المحلات التي تباع بها مواد البقالة على مستوى الجمهورية لعام 2017 م تعدى الأربعة ملايين ونصف مليون محل، منها أكثر من مليونين و800 ألف منشأة في المدن، والباقي في الريف، ونحو الثلث من هذه المحلات على مستوى الجمهورية -يتعدَّى 400 ألف محل- يتاجر في المنظفات المجهولة.

ويقدَّر عدد السيدات المترددات على شراء تلك المنظفات الضارة وغير مطابقة للمواصفات الفنية والصحية في المدن والريف بحوالي 12 مليون سيدة، يستخدمن نحو 24 مليون لتر من هذه المنظفات الضارة أسبوعيًّا.

ويقدَّر عدد مصانع المنظفات السائلة المرخصة والتي تخضع رسميًّا للرقابة والتفتيش 393 مصنعًا تنتج نحو 542367 طنًّا من المنظفات، وفي أربع محافظات من الجمهورية فقط -هي القاهرة والجيزة والقليوبية (القاهرة الكبرى) والمنوفية- ينتج حوالي 96 ألف و200 طن من المنظفات شهريًّا.

القضية جزء من قضية عالمية:

(طبقًا لدراسات مجلس البحوث القومي الأمريكي، فإن العالم يستخدم ألف مادة كيميائية بشكل واسع، وتتوافر معلومات عامة عن شدة سميتها وخطورتها بنسبة 80 % من هذه المواد، أما اختبارات التأثيرات الحادة الناجمة عن الاستخدام اليومي لهذه المركبات فهي متوافرة فقط في أقل من 20 % من هذه المركبات.

وأما اختبارات التأثيرات المزمنة التراكمية وقدرتها على إحداث خلل بيولوجي حاد في الخلايا، فيوجد في أقل في 10 % منها، كما أن الدراسات العلمية تحذر من استمرارية استخدام تلك المواد) (جريدة الأهرام - عدد الجمعة - 23 نوفمبر 2018 م، ص 27).

وينتج العالم نحو 47 مليون طن من المنظفات سنويًّا، نصيب أوروبا وحدها منها نحو 10 ملايين طن سنويًّا (المصدر السابق). (راجع في ذلك: تحقيق بعنوان: (منظفات خطرة... ورقابة غائبة) - جريدة الأهرام - عدد الجمعة 23 نوفمبر 2018 م، ص 26 - 27).