إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 26 سبتمبر 2018 - 16 محرم 1440هـ

لا تأسوا على ما فاتكم!

كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد:22-23).

إن هذا الوجود مِن الدقة والتقدير بحيث لا يقع فيه حادث إلا وهو مقدر مِن قبْل في تصميمه، محسوب حسابه في كيانه، لا مكان فيه للمصادفة، وقبْل خلق الأرض وقبْل خلق الأنفس كان في علم الله الكامل الشامل الدقيق كل حدث سيظهر للخلائق في وقته المقدور، وفي علم الله لا شيء ماضٍ، ولا شيء حاضر، ولا شيء قادم.  

وهذا الكون وما يقع فيه مِن أحداثٍ وأطوار منذ نشأته إلى نهايته كائن في علم الله جملة، لا حدود فيه ولا فواصل مِن زمانٍ أو مكانٍ، ولكل حادث موضعه في تصميمه الكلي المكشوف لعلم الله، فكل مصيبة -مِن خيرٍ أو شرٍّ، فاللفظ على إطلاقه اللغوي لا يختص بخير ولا بشر- تقع في الأرض كلها وفي أنفس البشر أو المخاطبين منهم يومها، هي في ذلك الكتاب الأزلي مِن قبْل ظهور الأرض وظهور الأنفس في صورتها التي ظهرت بها.

(إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ): وقيمة هذه الحقيقة، قيمتها في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها، فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعًا وتذهب معه حسرات عند الضراء، ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء.

(لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ): فلا يأسى على فائتٍ أسى يضعضعه ويزلزله، ولا يفرح بحاصلٍ فرحًا يستخفه ويذهله، ولكن يمضي مع قدر الله في طواعيةٍ وفي رضا؛ رضا العارف المدرك أن ما هو كائن هو الذي ينبغي أن يكون! وهذه درجة قد لا يستطيعها إلا القليلون، فأما سائر المؤمنين فالمطلوب منهم ألا يخرجهم الألم للضراء، ولا الفرح بالسراء عن دائرة التوجه إلى الله، وذكره بهذه وتلك، والاعتدال في الفرح والحزن، قال عكرمة -رحمه الله-: "ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا، والحزن صبرًا".

نعم، كثيرٌ مِن طبقات الشعب يجب أن يعلم هذا؛ لكي يستريح -على الأقل نفسيًّا- مِن هذه المعاناة في كل المجالات:

وأولهم: الشباب: فيعلم هذا التقدير المحكم، لكي تصغر في عينية كل الصعاب والمشاكل في عدم وجود عمل، وتعسير سفر، وغلاء مهور، وفتن في كل جانبٍ، وشركات خاصة تريد إذلالهم، وحكومات لم تشعر بآلام هذه الفئة، وعدم اهتمام بحملة الدكتوراه والماجستير، وأصبح صاحب الصنعة، بل العامل العادي، يجد فرصة عمل مِن هذا الدكتور، الذي ما زال والدة الكبير المسن ينفق عليه! أين بناء المصانع بكل أنواعها لتشغيل الشباب والإنتاج المحلى وتوفير فرص العمل؟! وما الغزل والنسيج بكفر الدوار والمحلة عنا ببعيدٍ.

وثانيهم: المزارع: الذي يعاني مِن غلاء الأسمدة، وأجرة العامل، والمبيدات، مع وجود أمراضٍ أصابت معظم الزراعات، مع غياب دور وزارة الزراعة؛ أين مساحات القطن "الذهب الأبيض"؟! وأين مساحات الأرز ومساحات القمح؟! كفانا سؤال الناس مِن وراء البحار، ودعم الأسمدة والمبيدات، ومنع القروض الربوية.

ثالثهم: الموظف الشريف، الذي يُطحن بيْن غلاء الأسعار، وطلبات الصغار، وجشع التجار، فضلًا عن الدروس الخصوصية، وخصم الضرائب؛ لأن الحكومات لا تعرف إلا عنوان الموظف.

رابعهم: المريض الفقير يئن بيْن أسعار الدواء، وأجرة الأطباء، والمستشفيات الخالية مِن كل شيء إلا المرضى الفقراء، أما المستشفيات الخاصة؛ فحدِّث عن الاستغلال ولا حرج!

وغيرهم كثير مِن طبقات الشعب الكادح مِن مظلومين ومسجونين، ومشردين في بلاد الغرب، وغيرها مِن البلاد، لكن عندما نعلم أن هذا الكون الفسيح يدبره مالكة -سبحانه-، ونعلم أن ما يقع فيه بقدرٍ محكم، في ساعةٍ معينةٍ ومكانٍ معينٍ، وبإرادته -تعالى- وأمره، ولا يقع فيه إلا ما شاء وأراد -سبحانه-؛ يطمئن القلب وتسكن الجوارح، ويهدأ البال، ونأخذ بأسباب تحصيل الرزق، وبأسباب الشفاء، وأسباب النصر، والتقدم والرقي.

والحمد لله رب العالمين.