إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 26 مايو 2018 - 11 رمضان 1439هـ

حتى نفوز برمضان (4)

رمضان... لنفهم حقيقة الدنيا!

كتبه/ جمال متولي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتصوم نهار رمضان، وتقوم ليله؛ قربة للملك -جلَّ جلاله-؛ لأنك عبد لربك، ولستَ عبد لدنياك، وما دنياك إلا كوجبةٍ واحدةٍ مِن وجبات دنياك لا أكثر!

أما آخرتك فهي حياتك، وهي بقاءك، وهي ديمومتك، وهي أصلك، قال الله -تعالى-: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (القصص:77).

ومِن أجل ذلك كان التحذير المتكرر مِن الله -تعالى- للعباد أن يتعاملوا مع الدنيا على غير حقيقتها، وألا يتصوروا أنها دار استيطان دائم وقرار، فقال -تعالى-: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد:20).

ففي الآية الكريمة يبين الله -تعالى- أن الدنيا وإن كانت زهرة إلا أنها ستذبل وتفنى، ونعيمها زائل وليستْ -ولن تكون- دائمة، (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) ومتاعها كالمطر الذي ينزل بعد يأس الناس، والزُراع يُعجبون بالنبات الناتج عن هذا المطر، كذلك المفتتنون بالدنيا فإنهم أحرص ما يكونون عليها (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا)، ثم يكون يابسًا متحطمًا!

هكذا تكون الحياة كمثل الشابة الذي تصير كهلًا ثم عجوزًا شمطاء! وكذلك الإنسان؛ يفتن بالدنيا التي تزهو ويغتر بها حتى تفاجئه وهي محطمة ذابلة فانية؛ لذلك كانت الآية التالية لبيان هذه الحقيقة التي ينبغي ألا يغفلها العبد، وهي الحرص على الإسراع إلى الطاعات والإقبال على الله -عز وجل-، فقال -تعالى-: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21).

ولقد تكرر مِن الله -تعالى- التحذير الشديد مِن الاغترار بالدنيا والانسياق وراء شهواتها، والانحباس في الشغل بها ولها مما يُلهي العبد ويسوقه لتضييع ما لربه -تبارك وتعالى- عليه، قال -تعالى-: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان:33).

وبالطبع فرق هائل أن تعمِّر الدنيا ويقينك متجه ومشغول بالآخرة، وبيْن أن تعمرها حتى تُنسيك هدفك الحقيقي وهو أن الدنيا معبِّر وجِسر لآخرتك، قال الله -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185).

مِن هنا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- دائم الاستعاذة مِن فتن الدنيا، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يدعو: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) (رواه البخاري).

أعاذنا الله -تعالى- مِن فتنة الدنيا وغروها وشهواتها. اللهم آمين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.