إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 19 أبريل 2018 - 3 شعبان 1439هـ

لماذا الآن؟!

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد مَرَّت علينا مدة -ليستْ بالقصيرةِ- ونحن نصف جماعة الإخوان بأنها "خيرٌ فيه دَخَن"، ونحسب الاتجاه السروري على الاتجاهات السلفية، ولا نمنع أبناءَنا مِن السماع لرموزهم والقراءة لهم؛ فلماذا الآن تكلمتُ بما ذكرتُه في المقال السابق: "آنَ أَوَانُ اليَقَظَة"؟!

والجواب:

أولًا: لأن أدبياتنا -مكتوبة ومرئية ومسموعة- كانت على ما ذكرتُ فعلًا، وهذا سبب أساسي لوجوب التصريح بالتغيُّر في الموقف بناءً على التغيُّر الذي حدث للجماعة، أو -على الأقل- ما ظهر منها قيادةً وأتباعًا؛ فسوف يُحفظ في التاريخ ما سَجَّلْناه قبلُ ولم نَقُل غيره؛ فإذا لم نتكلم: ظَلَّ نزيف الشباب المسلم المتدين في اتجاه التكفير والتخريب!

والتغيُّر الذي بدأ منذ سيطرة "الجناح القُطْبِيِّ" الوارث لفكر "التنظيم الخاص"، والذي نَظـَّر له "سيد قطب" و"محمد قطب" و"محمد سرور" وتلامذتُهم بدرجاتٍ مختلفة وأفهامٍ مُتَفَاوِتَة حول فكرة "المجتمع الجاهلي"؛ بيْن مُكَفِّرٍ لأفرادِه كـ"شكري مصطفى"، أو مُتَوقِّفٍ في الحكم عليه وعلى أكثر أفراده كـ"عبد المجيد الشاذلي"، أو باعتباره "دار كفرٍ" وتقسيم أفراده إلى ثلاث طبقات: (مسلمين بلا شبهة، وكفار بلا شبهة، وطبقة كبيرة مُتَمَيِّعَة لا نشغل أنفسنا بالحكم عليها) كـ"محمد قطب"، أو بتقدير نوعٍ جديد اسمه: "مجهول الحكم أو محل بحث ودعوة ونظر!" -عند بعضهم- مع التأكيد على أن مَن ترك أيًّا مِن المباني الأربعة: "الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج" تَكاسُلًا فهو خارجٌ مِن المِلَّة، بل مَن لم يُكَفِّرهُ مرجئٌ!، بل زاد أحدهم اعتبار هذه المسألة إجماعًا! بل معلومةً مِن الدين بالضرورة! وكأن الخلاف الذي سطَّره العلماء عبْر الزمان مِن الأئمة الأربعة -حتى داخل المذهب الحنبلي- لا قيمة له!

هذا التغيُّر أثمَرَ ثِمَارَه المُرَّة لما حدثتْ الأحداث المُزَلْزِلَة؛ فظهرت الثمارُ المُرَّة لهذا الفكر في موجةٍ عاتيةٍ مِن التكفير والحكم بالنفاق، والأمر بالقتل والتحريض عليه ومُمارَسَتِه؛ فبعد أن كان الخلاف حَبيس الكُتُب والمناظرات العلمية صار أمرًا عامًا يتناقله مَن ينتسبون للعلم، والجهال، والخاصة والعامة، والشباب والنساء؛ كُلٌّ يدلي بدلوه بيْن مُكَفِّرٍ أو سَابٍّ أو داعٍ إلى القتل؛ فهل يسعنا أن تظل أدبياتنا القديمة هي المُصَدَّرة، ويظل الشباب المتدين يَقبل هذا الضلال باسم العمل الإسلامي و"الصف الإسلامي"؟!

لم تَعُد القِلَّةُ هي التي تقول ذلك؛ بل الكثرة الغالِبة مِن هذه الجماعات هي التي تعتقد ذلك وتُصَرِّح به -كتابةً ومسموعات ومرئيات-، وأَقَلُّ القِلَّة هي التي لا تزال تحفظ نفسها وعقيدتها ولسانها مِن هذا الانحراف، وإن بقيتْ مُنتسِبة للجماعة أو متعاطِفة معها؛ فهذه القِلَّة لا نحكم عليها بالبدعة، ولكن ننكر عليها سكوتَها مع انتسابها أو تَعاطُفها؛ فالكلام واضح أن الحكم بالبدعة على مَن وقع في الانحراف، لا على مَن رَفَضَه، والْمِثْلُ بِالْمِثْلِ يُعرَف.

فهل يصلُح أن نظَلَّ على قولِنا بأن "الزيدية" هم أقرب "الشيعة" وأخفّهم بدعةً -ومنهم الأفاضل: كالصنعاني والشوكاني وتلامذتهما- بعد أن سيطر "الحوثيون" على قيادتهم ونشروا فكر "الرافضة" في عامَّتِهم، واستحَلُّوا دماء وأموال المسلمين مِن "أهل السُّنة"، وخرَّبوا بلادَهم وديارَهم ومساجدَهم ومَعَاهِدَهم؟! هل ترون الأدبيات القديمة تصلح في هذا الواقع الجديد؟!

ثانيًا: لا يزال الشباب المتدين -وكثيرٌ منهم ينتسب للسلفية- يتشَرَّب فِكْر الغُلُوِّ ويتأثر به، وَيَصُمُّ آذانه عن سماع الحق، ويتخذ موقفًا مُعَادِيًا للدعوة السلفية بسبب مواقِفِها العلمية والعملية التي رفضتْ هذا الفكر الغالي، ورَفَضت الانضواء تحت تَوَجُّهَاته والمشاركة في صِدَاماته، وتَحَمَّل رموزُها وأبناؤها طوفانًا مِن الطعن والسَّبِّ والشَّتْمِ بأقذع السِّباب، ولا يزال الأمرُ مستمرًّا؛ فَتَكَلَّمْنا استشعارًا للمسؤولية تجاه هذا الجيل كُلِّه الذي ضُحيَّ بكثيرٍ مِن أبنائه في آتون محرقة لم تنتهِ بعد.

ولا تزال "جماعات الصدام" التي نَبَعَتْ في الحقيقة مِن هذا الفكر الغالي، والتي ترفع شعار السلفية والجهاد مُسْتَمِرَّة في تدمير الدعوة والعمل الإسلامي تحت هذه الشعارات؛ فهل يسعنا السكوت؟! أم أن ما حدث ويحدث أمر عادي لا يقتضي تعليقًا ولا تصحيحًا ولا تحذيرًا؟! لا يقول بذلك عاقل!

ثالثًا: هل نحن وحدنا "الصف الإسلامي"؟ وهل نُبَدِّع كل مَن خَالَفَنا؟!

الجواب: لا يزال فَهْمُنا لقضية "فقه الخلاف بيْن المسلمين" كما هو لم يتغير فيه شيء؛ وأنه يدور بيْن: اختلاف التنوع، واختلاف التضاد السائغ، واختلاف التضاد غير السائغ -حسب نوع الخلاف ودرجته وأدلته-؛ ولكن التُّهمة بأننا فَرَّقْنا "الصف الإسلامي" تقتضي جوابًا ودفاعًا.

فمَن كان معنا على المنهج السليم بعيدًا عن التكفير والتخريب؛ فهو "الصف الإسلامي"، والكلام واضح؛ فإنما نُخْرِج مِن "الصف الإسلامي" إلى البِدْعِيِّ مَن خَالَفَ "أهل السُّنَّة" في أصلٍ كُلِّيٍّ أو في فروعٍ متعددة بَلَغَتْ مِن كثرتها درجة الأصلِ الكُلِّيِّ.

ومَن يُحاوِل نِسْبَةَ "تبديعِ مَن لم ينتمِ للدعوة السلفية" إلينا فهو مُبْطِلٌ، والكلامُ -عند المُقابَلَة وعند التحفيز والترغيب- وما يحتمِلُه مِن مجاز اللغة معلومٌ عند الجميع؛ فعندما تقول: "الناسُ العرب" هل تصح التهمة أنك تنفي البشرية عن غيرهم؟! أو تقول: "إنكم لأنتم القوم" فهل تنفي عن غيرهم هذا الوصف؟! لا السياق ولا صحيح الكلام -في نفس الموضع فضلًا عن المواضع الأخرى- يحتمل ذلك؛ ولكنها النفوس.

رابعًا: أطلب مِن الإخوة جمع التراث المكتوب والمسموع والمرئي لجماعات الفتنة، والذي سمعنا ورأينا وقرأنا الكثير جدًّا منه، وأيضًا جمع تراث "الدعوة السلفية" المكتوب والمسموع والمرئي؛ تسجيلًا للتاريخ، وحتى لا يُزَوَّر، ولا تُخْدَع الأجيال القادمة أو تُصَدّ عن الحق ويُزَيَّف لها الباطل، وليعرف الجميع حقيقة الأمور.

والله المستعان، وعليه التُّكْلان، وهو حَسْبُنَا ونعم الوكيل.