إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 17 سبتمبر 2017 - 26 ذو الحجة 1438هـ

مظاهر الوحدة في موسم الحج

كتبه/ نصر رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحج شعيرة مِن شعائر الله، وأحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وحدث تاريخي يجتمع فيه شرف الزمان والمكان؛ فرضه الله على عباده مرةً في العمر لمَن استطاع إليه سبيلًا؛ فيه عِبَر وعظات وآيات!

فهو رحلة قدسية، ومحطة إيمانية، يزداد بها المرء إيمانًا ويقينًا وإحسانًا، وهي كذلك مدرسةٌ تربوية، يتعلم المؤمن منها الكثير مِن الدروس التي يتربى عليها المسلمون جميعًا.

- ففي مدرسة الحج: يتربي الفرد والجماعة على مبدأ مِن أعظم مبادئ هذا الدين "مبدأ الوحدة الإسلامية"، فـ"الحج شعاره الوحدة"؛ وحدة في المشاعر والشعائر، ووحدة في العمل والهدف، كلهم في موقف واحد، بلباسٍ واحد، لهدفٍ واحد، يدعون ربًّا واحدًا، ويتبعون نبيًّا واحدًا.

- في هذا البيت لا فرق بيْن الألوان والجنسيات، وليس لأحدٍ أن يفرِّق بينهم؛ مهما فصلت بينهم الحدود، وزُرعت بينهم العداوات، واختلفت منهم اللغات؛ أمة واحدة، وجسد واحد، وبنيان واحد (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره)؛ فكيف لا تتحد وتجتمع؟!

- في مدرسة الحج: تتجلى معاني الأخوة الإسلامية التي يستشعرها المسلم مِن خلال لقائه بإخوانه مِن شتى بقاع الأرض، فتزول العزلة الشعورية التي يعيشها المسلمون حيال قضاياهم وآمالهم وآلامهم، ويتبدد الحصار والتعتيم المفروض عليهم؛ تتصافح أيديهم، وتتآلف قلوبهم، يتحسس أخبارهم، ويشاركهم همومهم وأفراحهم وأتراحهم، يظهر بعضهم لبعض المحبة والتعاون، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه).

- في مدرسة الحج: تذوب الفوارقُ النفسية بيْن الغني والفقير، والقوي والضعيف، وتذهب مع ثيابِ الحِلِّ، وتبدو النفوسُ صافيةً حانِيةً متآلفةً، يُباهِي الرحمن ملائكته حجيجًا مُترابِطي القلوبِ، مُسلِمين، وقد بدتْ حِكَمُ الحجِّ العظيمةُ، وآثارُه الجليلةُ مُتحرِّكةً مع ذلك الموكبِ، تنطِقُ بها جوارِحُ الحَجِيجِ، وتبدُو شاخِصةً في مناسِكِهم.

- فالحج: "مؤتمرٌ جامِعٌ للمسلمين قاطبة، يَجِدُون فيه أصْلَهم العريقَ الضاربَ في أعماقِ الزمن منذ أبيهم إبراهيمَ (مِلّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل) (الحج:78)، ويجدون مِحْوَرَهم الذي يشدُّهم جميعًا إليه، هذه القبلة التي يتوجَّهُون إليها، والعقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلِّها فوارقُ الأجناسِ والألوانِ والأوطانِ، ويَجِدُون قُوَّتَهم التي قد ينسونها حِينًا، قوة التجمُّع والتوحُّد والترابُط الذي يضُمُّ الملايين التي لا يَقِفُ لها أحدٌ لو فاءَتْ إلى رايتِها الواحِدة التي لا تتعدَّد، راية العقيدةِ والتوحيد".

فما أحوج الأمة إلى الوحدة، خاصة في هذه الأيام التي تكالبتْ فيها أمم الكفر على حرب الإسلام والمسلمين، والسعي الحثيث إلى زيادة تفريقهم، وزرع العداوات بينهم!

يقول القس سيمون: "إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد على التملص مِن السيطرة الأوروبية، والتبشير عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة؛ مِن أجل ذلك يجب أن نحوّل بالتبشير اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية".

ويقول المبشر لورنس براون: "إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية أمكن أن يصبحوا لعنةً على العالم وخطرًا... أما إذا بقوا متفرقين؛ فإنهم يظلون حينئذٍ بلا وزن، ولا تأثير!".

فالاجتماع والوحدة، سبيل إلى القوة والنصر، كما أن التفرق والاختلاف طريقٌ إلى الضعف والهزيمة، قال الله -تعالى-: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:46).

وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "إذا تفرَّق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة، والفرقة عذاب!".

 فيجب أن يكون شعار المسلمين "الإسلام"، لا شيء غيرُه، يحيون عليه، ويموتون عليه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةِ عِمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبِيَّةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فَقُتِلَ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ) (رواه مسلم).