إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 30 أغسطس 2017 - 8 ذو الحجة 1438هـ

حكم اجتماع الجمعة والعيد

كتبه/ إيهاب شاهين 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه ليستْ بالمرة الأولى التي يجتمع فيها عيدان لأهل الإسلام في يومٍ واحدٍ "عيد الأضحى وعيد الجمعة"، ومِن ثَمَّ اختلف علماء الإسلام فيمَن صلى العيد: هل تلزمه الجمعة أم لا؟

وهذا جمع وترتيب لأقوال العلماء في هذه المسألة:

القول الأول:

وجوب الجمعة علي أهل البلد، وسقوطها عن أهل القرى، وبه قال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وعمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، وجمهور العلماء, وهو قول الشافعي، ورواية عن مالك.

قال الشافعي -رحمه الله- في كتابه "الأم": "ولا يجوز هذا لأحدٍ مِن أهل المصر أن يدعوا أن يجمعوا إلا مِن عذر يجوز لهم به ترك الجمعة، وإن كان يوم عيد".

وقال النووي -رحمه الله-: "قال الشافعي والأصحاب: إذا اتفق يوم جمعة يوم عيد، وحضر أهل القرى الذين تلزمهم الجمعة لبلوغ نداء البلد، فصلوا العيد لم تسقط الجمعة بلا خلاف عن أهل البلد، وفي أهل القرى وجهان: الصحيح المنصوص للشافعي في الأم والقديم أنها تسقط" (المجموع شرح المهذب).  

واستدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها:

ما روي عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، قال: شهدتُ العيد مع عثمان بن عفان، وكان ذلك يوم الجمعة، فصلى قبْل الخطبة، ثم خطب فقال: أيها الناس، إنّ هذا يوم قد اجتمع لكم فيه عيدان، فمَن أحبّ أن ينتظر الجمعة مِن أهل العوالي فلينتظر، ومَن أحبّ أن يرجع فقد أذنت له.

القول الثاني:

أن الجمعة واجبة على كل مَن صلى العيد، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن مالك، وابن المنذر، وابن عبد البر، قال مالك وأبو حنيفة: إذا اجتمع عيد، وجمعة، فالمكلف مخاطب بهما جميعًا؛ العيد على أنه سنة، والجمعة على أنها فرض، ولا ينوب أحدهما عن الآخر، وهذا هو الأصل إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه.

واستدلوا بأدلة، منها:

1- العمومات الدالة على وجوب الجمعة.

2- قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الجمعة:9)، ولم يخص عيدًا مِن غيره، فوجب أن يحمل على العموم .

القول الثالث:

أن مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ لِيَشْهَدَهَا مَنْ شَاءَ شُهُودَهَا وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ، وهو مذهب الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

واستدلوا بأدلة، منها:

1- مَا رَوَى إيَاسُ بْنُ أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيُّ، قَالَ: شَهِدْتُ مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: هَلْ شَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِيدَيْنِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: صَلَّى الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: (مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وفي رواية لأحمد: (مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ).

2- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وقال ابن قدامة -رحمه الله- في "المغني": "ولِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا زَادَتْ عَنْ الظُّهْرِ بِالْخُطْبَةِ، وَقَدْ حَصَلَ سَمَاعُهَا فِي الْعِيدِ؛ فَأَجْزَأَ عَنْ سَمَاعِهَا ثَانِيًا، وَلِأَنَّ وَقْتَهُمَا وَاحِدٌ بِمَا بَيَّنَّاهُ، فَسَقَطَتْ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، كَالْجُمُعَةِ مَعَ الظُّهْرِ، وَمَا احْتَجُّوا بِهِ مَخْصُوصٌ بِمَا رَوَيْنَاهُ يعنى حديث أَبِي رَمْلَةَ الشَّامِيُّ, أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقِيَاسُهُمْ مَنْقُوضٌ بِالظُّهْرِ مَعَ الْجُمُعَةِ، فَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ)؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَامْتَنَعَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُرِيدُهَا مِمَّنْ سَقَطَتْ عَنْهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ".

القول الرابع:

أن الجمعة والظهر يجزئ عنهما صلاة العيد، وهو قول عطاء -رحمه الله-، قال عطاء بن أبي رباح: إذا صلوا العيد لم تجب بعده في هذا اليوم صلاة الجمعة ولا الظهر، ولا غيرهما، إلا العصر لا على أهل القرى، ولا أهل البلد.

قال ابن المنذر -رحمه الله-: "وروينا نحوه عن علي بن أبى طالب وابن الزبير -رضي الله عنهم-".

أدلة القول الرابع:

معتمد عطاء -رحمه الله- بما رواه هو، قال: "اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا فَصَلَّاهُمَا رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وعن عطاء قال: "صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

قال ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: "قال الخطابي: وهذا لا يجوز أن يحمل إلا على قول مَن يذهب إلى تقديم الجمعة قبْل الزوال، فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط العيد والظهر، ولأن الجمعة إذا سقطت مع تأكدها، فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدَّم العيد فإنه يحتاج إلى أن يصلي الظهر في وقتها إذا لم يصلِّ الجمعة".

وقول عطاء: "فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا" فهم منه أن الظهر لم تسقط عنهم؛ بدليل أنهم صلوها فرادى، ولم ينكر ذلك ابن عباس ولا ابن الزبير -رضي الله عنهم-، والجلي مقدّمٌ على المبهم، ويتبيّن أن صلاة الظهر لا تسقط بالعيد.

وقال ابن المنذر -رحمه الله-: "أجمع أهل العلم على وجوب صلاة الجمعة، ودلت الأخبار الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن فرائض الصلوات خمس، وصلاة العيدين ليستْ مِن الخمس" (الأوسط).

وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "سقوط الجمعة بالعيد مهجور".

وعلى ذلك فقول عطاء -رحمه الله- قول مهجور شاذ، مخالف لأصول الشريعة.

وبناءً على هذا الجمع يترجح أن القول المختار هو القول الثالث، وعليه: فمَن حضر صلاة العيد فيرخص له في عدم حضور صلاة الجمعة، ويصليها ظهرًا في وقت الظهر، وإن أخذ بالعزيمة فصلى مع الناس الجمعة فهو أفضل, ومَن لم يحضر صلاة العيد؛ فلا تشمله الرخصة؛ ولذا فلا يسقط عنه وجوب الجمعة، ويجب عليه السعي إلى المسجد لصلاة الجمعة.

والحمد لله رب العالمين.