إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 18 يوليه 2017 - 24 شوال 1438هـ

احفظ رمضانك ليوم حسابك (1)

كتبه/ علاء بكر 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن شهر رمضان كان موسمًا رائجًا للكثيرين ممن وفقهم الله -تعالى- بفضله لطاعته، فكانوا يتقلبون في العبادات ليل نهار؛ مِن صيامٍ، وأداء للصلوات المفروضة في المساجد، وقراءة القرآن، وصلاة التراويح، ودعاء وذكر، وحضور مجالس علم.

وقبْل ذلك وبعده: الكف عن المعاصي والذنوب، مع إخلاص لله وصدق؛ فخرج كلٌّ منهم بالأجر العظيم، والرصيد الكبير مِن العمل الصالح؛ أشبه بالتاجر الذي أحسن استغلال تجارته فحقق في سوقه أرباحًا طائلة في وقتٍ قصيرٍ.

ولكن ماذا بعد رمضان؟!

هل سيحفظ هذا التاجر السعيد رأس ماله الذي جناه وينميه أم يضيعه بعد أن تعب فيه، خاصة وأنه مقبل قطعًا عن قريبٍ -وكل آتٍ قريب- على يومٍ للحساب والجزاء؛ يحتاج فيه -وبشدة- لكل جزءٍ -ولو قليل- مِن هذا الرصيد الذي لديه؟!

وماذا لو كان هذا هو آخر موسم لهذه التجارة الرابحة يشهده؛ ففقد هذا الربح الوفير أو أتلفه ثم احتاج إليه -أو بعضه- أشد الاحتياج فلم يجده؟!

كيف ستكون حسرته يوم لا يجد أي فرصة لإعادته؟!

كم سيكون مقدار ندمه وقت لا ينفع الندم؟!

إن هذا هو حال مَن أسرف على نفسه بعد رمضان، فنسي ما كان عليه مِن الطاعة والعبادة، وعاد أدراجه إلى اتباع نفسه في غيها وهواها؛ فانقطع عما كان متصلاً مِن الطاعات في رمضان، وترك ما داوم عليه العبادات، وغمس نفسه مِن جديدٍ في شهوات الدنيا وملاذها، وهو لا يدري -أو تناسى- أنه يحبط بذلك حسناته التي اكتسبها باجتهاده في العبادة في رمضان.

وأن الذنوب التي يقترفها في غفلته، ولا يسارع بالتوبة والاستغفار منها: إن كانت مِن الكبائر؛ فلن يغني عنه ما قدَّم في رمضان، فإن رمضان يغفر الذنوب ما اجتنبت الكبائر، وهو بكبيرته مِن أصحاب الوعيد الذين توعدهم الله -تعالى- بدخول النار على كبيرته -أو كبائره- التي يقترفها مِن غيبةٍ أو نميمةٍ، أو بهتانٍ أو كذبٍ، أو غشٍّ للناس، أو رشوة أو أكل مال حرام أو أكل ربا، أو سب مسلم، أو الاستهزاء به والسخرية منه، أو لعنه أو تكفيره أو قذف محصنات.

وإن كانت مِن الصغائر: فتكاثرتْ عليه انتقصت مِن حسناته التي معه، فربما مع تعاقب الأيام والأسابيع والشهور على ذلك أفنتْ هذه الصغائر حسناته، أشبه بحال المفلس مِن هذه الأمة الذي تأكل سيئاته مع الناس مِن حسناته فتفنيها، فلا يجد عند الحساب والجزاء منها شيئًا، أحوج ما يكون محتاجا إليها -والعياذ بالله-، فإن السيئات تأكل الحسنات كما أن الحسنات تأكل السيئات.

وقد حذر "القرآن الكريم" مِن ذلك أشد التحذير بمثلٍ بليغٍ ضربه لمَن هذا حاله؛ قال الله -تعالى-: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة:266).

قال السعدي -رحمه الله- في تفسيره: "فصار صاحب هذا المثل الذي عمل لله ثم أبطل عمله بمنافٍ له، يشبه حال صاحب الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت ضرورته إليها" (تفسير السعدي).

وهذا ما سنبينه -إن شاء الله تعالى- في المقال القادم.