كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أما مسألة كيفية التغيير، وهل يكون من خلال المشاركة في العمل السياسي والحلول البرلمانية أم لا؟
فقد كان موقف الدعوة في هذه المسألة مبنيًّا على معرفة الحكم الشرعي الذي قدَّمناه في وجوب التحاكم إلى شرع الله، وأن التشريع حق خالص لله، ثم معرفة الواقع الموجود في العالم الإسلامي بعد عهود الاحتلال، وهذا الذي نحاول تلخيصه بسرعة في مقامنا هذا، وهو معرفة الواقع في أمر الدساتير الموجودة في العالم عمومًا بما يخص قضية التشريع.
هذه المسألة التي يُبنى عليها تحديد صفة المجالس النيابية أو المجالس التشريعية بأنواعها المختلفة بدرجاتها المختلفة، وبناء عليها حكم المشاركة فيها من خلال الانتخابات أو من خلال قبول التعيين فيها أو بأي درجة من درجات المشاركة.
كان أول الدساتير في بلادنا دستور 23 عقب ثورة 19، وهذا الدستور لم ينص على مرجعية الشريعة، وإن نص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام ولغتها هي العربية، وهذا عند الكثير من الفقهاء الدستوريين -كما يسمونهم- يلزم منه أن رئيس الدولة لا بد أن يكون مسلمًا، ولكن مسألة عدم النص على مرجعية التشريع فتحت الباب أمام من يسن التشريعات على الطريقة المعاصرة، ويضع القوانين أن يفعل ما يختار، لكنه ملزم بالدستور؛ لأنه أعلى القوانين شأنًا، ثم بالقانون الذي سبقه إن لم يكن قد عُدل، وكذا القاضي لا بد أن يلتزم بالدستور، ثم القانون.
وتفسيراتهم للمواد التي لم تنص على مرجعية معينة جعلتهم يقولون: ثم يراعى العرف، فإن لم يجد في هذه الثلاثة جاز له أن يحكم بالشريعة الإسلامية، فمنزلة الشريعة عندهم في الدرجة الرابعة، وهو ما طالب البعض منذ شهرين أو ثلاثة في أول الثورة بالعودة إليه صراحة!
ثم كان دستور سنة 54 وقد وُئِد في مهده وانتهى أمره، وكان أيضًا لا ينص على مرجعية معينة في التشريع، ثم كان الدستور المؤقت سنة 61 في فترة عبد الناصر، وكان أيضًا لا يذكر الشريعة الإسلامية من قريب أو بعيد.
ثم جاء دستور 71 أول دستور دائم لجمهورية مصر العربية، وتزامن ذلك مع بداية الصحوة وعودة جزئية من البعض إلى مبادئ الإسلام بعد هزيمة 67؛ فبدأ نوع من الطرح لقضية الشريعة، وكان دستور 71 ينص على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وهو بهذا النص الواضح يجعل الشريعة أحد المصادر مع غيرها من المصادر الرئيسة للتشريع، وليست المصدر الرئيس؛ فضلًا عن أن يكون الوحيد؛ ولذلك لم يكن هناك أي غضاضة في أن تسن المجالس النيابية ما يخالف الشريعة لأنها ليست ملزمة بها، بل إذا أخذت منها في جانب الأحوال الشخصية فحسن، وإن أخذت من القضاء المدني فحسن، وإن أخذت بغيره في قانون العقوبات وغيره؛ فلا بأس، ولا حرج عندهم!
وظلت هذه المواد مقررة حتى وقع تعديل دستوري باستفتاء شعبي عقده أنور السادات، وكان يريد أن يعدل المادة التي تنص على أن الرئيس له أن يترشح لمدة رئاسية -أي: الثانية فقط-، إلى مدد رئاسية -أي: بلا حصر-.
وأدخل التعديل بإدخال الألف واللام، فتصبح مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع لتمرير التعديل.
وقد ظل فقهاء الدستور مختلفين في تحديد معنى هذه المادة نحو خمسة عشر عامًا، وكان هناك مطالبات بأن تكون الشريعة هي المصدر الوحيد، وأن تكون أحكام الشريعة بدلًا من مبادئ الشريعة، ولكن تخفيفًا من ضرورة الالتزام بجميع أحكام الشريعة جعلوها مبادئ الشريعة، ففسرتها المحكمة الدستورية بأن المبادئ هي قطعية الثبوت وقطعية الدلالة لا غير، وجعلت المرجعية في تحديد القطعيات لمجمع البحوث الإسلامية.
وكان التفسير المقبول عندهم في هذا التاريخ أو المستقر في تطبيقاتهم: أن المادة بعد التعديل بمنزلة قبل التعديل؛ بمعنى أنها تسمح بوجود مصادر فرعية غير الشريعة، وبالتالي فلو فرض أن هناك قوانين مخالفة للشريعة لم تكن باطلة دستوريًّا.
وهذا ما قررته المحكمة العسكرية التي حاكمت قتلة السادات وحكمت عليهم بالإعدام، وكان من ضمن ما دافعت به هيئة الدفاع أن قانون العقوبات المصري قانون مخالف للشريعة الإسلامية فهو غير دستوري، وبالتالي لا يجوز المحاكمة بناء عليه أصلًا، وأنهم يريدون تحكيم الشريعة الإسلامية، ورفضت المحكمة هذا الدفع، ورفضت المحكمة هذا الدفع ورفضت إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية، وقررت أن النص الدستوري بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع هو بمنزل النص قبل التعديل، فعُرضت القضية بعد ذلك على المحكمة الدستورية وظل الأمر معروضًا عليها إلى سنة 96 حين فصلت المحكمة الدستورية العليا، وهي المنوطة بتفسير مواد الدستور من أن تفسير هذه المادة: أن الألف واللام حصرت المصدر الرئيسي في مصدر واحد وهو الشريعة، وبالتالي فلا يصح أن تكون هناك مصادر فرعية تخالف المصدر الرئيسي، فكل مصدر خلاف الشريعة سيكون فرعيًّا، ولا يصلح أن يكون الفرعي مخالفًا للرئيسي، وبالتالي حكمت المحكمة بأن كل نص في القانون يخالف الشريعة بعد التعديل الدستوري سنة 81 -وليس بعد حكم المحكمة- يعد باطلًا.
فكل نص يخالف الشريعة الإسلامية أو مبادئها بناءً على قرار مجمع البحوث الإسلامية -أي: أعلى هيئة علمية منوط بها تحديد ذلك بعد التعديل- يعد باطلًا دستوريًّا، وأما ما صدر قبل التعديل، فلم يتعرض للإلغاء فيظل الخطاب موجهًا إلى المجلس التشريعي ليسن ما وافق الشريعة، ويبطل أي شيء يخالفها، وأما قبل أن يفعل ذلك، فالقوانين الصادرة قبل التعديل لو خالفت الشريعة قوانين دستورية موافقة للدستور.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.