إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 09 يوليه 2017 - 15 شوال 1438هـ

صيام الست مِن شوال... فضائل وأحكام

كتبه/ محمود عبد الحفيظ البرتاوي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن مِن علامات قبول الأعمال الصالحة، أن يَثبت العبد على الطاعة ويوفـَّق للمداومة عليها.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إن مِن جزاء الحسنة الحسنة بعدها، ومِن عقوبة السيئة السيئة بعدها".

وشأن المؤمن أنه يتقلب في مراحل عمره بيْن أنواع العبادات والقربات لله -عز وجل-، فما أن يفرغ مِن عبادة إلا ويشرع في عبادة أخرى (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (الشرح:7-8).

ومِن جملة العبادات والطاعات التي يتأكد للمسلم الحرص عليها بعد رمضان، صيام الست مِن شوال؛ فقد رغـَّب النبي -صلى الله عليه وسلم- في صيامها وحثَّ عليها؛ لما فيها مِن عظيم الأجر والفضل.

فمِن فضائلها:

- أن صيامها بعد صيام رمضان يعدل صيام السَّنة كلها أو الدهر كله ما دام يصومها كل سنة بعد رمضان، فعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (رواه مسلم). أي كصوم سنة في الأجر.

وعَنْ ثَوْبَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ بِشَهْرَيْنِ, فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- أنها بمنزلة السُّنة الراتبة التي تكمل خلل الفرض، قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "إن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبْل الصلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض مِن خللٍ ونقص؛ فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره مِن الأعمال".

- أن صيام هذه الأيام الست بعد رمضان تعرض لرحمة الله بالاستمرار على طاعته والتقرب إليه بعبادة الصيام التي اختصها الله لنفسه، قال -تعالى- كما في الحديث القدسي: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) (متفق عليه).

- ومِن فضائلها: أن الله -تعالى- أمر بشكره على نعمة إتمام صيام رمضان وشهوده، فقال -عز وجل-: (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (البقرة:185)، فصيام هذه الأيام الست هو مِن جملة شكر الله -تعالى- على توفيقه لعبده لصيام رمضان.

- ومِن فضائلها: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ) (رواه مسلم)، وصيام هذه الست زيادة في الخير، لتكفير السيئات والتجاوز عن الخطيئات.

ومِن أحكامها:

- يجوز صيام أيام الست مِن شوال متتابعة أو متفرقة في أول شوال أو وسطه أو آخره، قال الإمام النووي -رحمه الله-: "قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُصَامَ السِّتَّةُ مُتَوَالِيَةً عَقِبَ يَوْمِ الْفِطْرِ، فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَائِلِ شَوَّالٍ إِلَى أَوَاخِرِهِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْمُتَابَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَرَمَضَانُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَالسِّتَّةُ بِشَهْرَيْنِ" (شرح النووي على مسلم).

وقال الإمام ابن قدامة -رحمه الله-: "فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهَا مُتَتَابِعَةً أَوْ مُفَرَّقَةً، فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ فِي آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَلِأَنَّ فَضِيلَتَهَا لِكَوْنِهَا تَصِيرُ مَعَ الشَّهْرِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ كَثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَهُوَ السَّنَةُ كُلُّهَا، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ صَارَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ مَعَ التَّفْرِيقِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ" (المغني لابن قدامة).

- ويجوز صيام الاثنين والخميس، أو ثلاثة أيام مِن كل شهر، والأيام البيض، بنية أنها مِن الست من شوال: لأن حديث: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ) (رواه مسلم)، مطلق؛ فأي ستة أيام يتطوع بصيامها تجزئ عنه في ذلك.

- ويجوز صيام الست مِن شوال قبْل قضاء رمضان أو بعده: قالتْ عائشة -رضي الله عنها-: "كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، الشُّغْلُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (متفق عليه)

فدل ذلك على أن وجوب قضاء رمضان وجوب موسع إلى رمضان التالي، وكما يجوز التطوع بالصلاة بعد دخول وقت الصلاة المفروضة وقبْل أداء الفريضة؛ فكذلك في قضاء رمضان، ولكن لا يثاب مَن صام هذه الأيام عليها حتى يقضي ما عليه مِن أيام رمضان.  

- ولا يجوز الجمع بيْن الست مِن شوال وبيْن قضاء رمضان: لأن مَن جمع بينها وبيْن أيام القضاء لم يحصل منه أنه أتبع رمضان ستًّا مِن شوال، وكان ما صامه بالنيتين منصرفًا إلى قضاء رمضان.

- ولا يلزم تبييت نية مستقلة لها مِن الليل: فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ)؛ فأطلق ذلك، فدلَّ على أن المقصود صيام أي ستة أيام تطوع في شوال، وإن كان الحرص على تبييت النية مِن الليل لها "أفضل وأحوط"؛ خروجًا مِن خلاف مَن ألزم بذلك حتى يتحقق للصائم أنه صام يومًا تامًّا مِن طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس؛ وإلا لم ينل الفضيلة التي أخبر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.