إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 25 يونيو 2017 - 1 شوال 1438هـ

الاستقامة بعد رمضان

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -سبحانه وتعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود:112)، ولما سئل النبي -عليه الصلاة والسلام- عن قول في الإسلام، لا يُسأل أحدٌ عنه بعده، قال: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ, ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه مسلم).

ما أسرع مرور العمر!

ما أسرع مرور الزمان!

تَقارب الزمانُ كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فصار الشهر يمضي كأنه جمعة أو نحو ذلك! نسأل الله العافية.

شعور الإنسان بمرور الزمن مع قرب القيامة يتسارع حتى تمر الشهور الفاضلة، والأيام المباركة، والليالي المضاعفة الأجر، أسرع ما يكون، هكذا مضى شهر رمضان!

حاجتنا إلى الاستقامة على ما أمر الله -سبحانه وتعالى- حاجة ضرورية، قد علمنا كيف تكون الحياة في ظل طاعة الله -عز وجل-، ليست الحياة فقط في داخل المسجد في ظل الطاعة، بل لابد أن تكون في الحياة كلها، وفي الأوقات كلها.

إن القلب الإنساني قد فُطِر على أنه يميل إلى الله -عز وجل-، ويفرح بعبادته، ويحبه -سبحانه وتعالى- حبًّا عظيمًا، لا يستثقِل له حاجة، ولا يستقر ولا يحصل له مطلوب إلا بالتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ ولذلك كان القرب مِن الله -عز وجل- هو سبب سعادة الإنسان مهما كانت أحوال الدنيا معه، والبعد عن الله -عز وجل- سبب الشقاء مهما كانت سعة الدنيا معه؛ لو أن الجنة بحذافيرها -وما كانت لتكون- لرجل دون القرب مِن الله -سبحانه وتعالى- لما كان سعيدًا! لو كان له جنات تجري مِن تحتها الأنهار، عنده فيها مِن كل الثمرات، وعنده مِن الأموال ما عنده، ومِن النساء ما عنده، ومِن البنين والأهل ما عنده، لكنه ليس قريبًا مِن الله؛ لابتغى عن كل ذلك حِوَلاً!

وإنما كانت الجنة جنة، وسعادة أبدية؛ لأنها عنوان القرب مِن الله -عز وجل-؛ لأن فيها القرب مِن الله -سبحانه وتعالى-؛ للأرواح والأبدان معًا، فإنه كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ) (رواه البخاري)، وقال عن الوسيلة: (إِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ) (رواه مسلم). والوسيلة بمعنى "القُرْبَى"، فهي أقرب المنازل إلى الله -عز وجل-.

وهذا القرب مِن الله -سبحانه وتعالى-، والرضوان والرحمة، ورؤية الله -عز وجل-، وسماع كلامه؛ هو سبب سعادة أهل الجنة، وسبب استمتاعهم بما فيها مِن النعيم؛ وإلا فإن النعيم المادي، "نعيم البدن وحده" لا يكفي في حصول السعادة، قال الله -سبحانه وتعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:72). (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ): فرضوان الله -عز وجل- على أهل الجنة أكبر مِن نعيمهم؛ ولذا ثبت في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أن الله يقول إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ: (يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) (متفق عليه).

فالرضا الذي لا سخط بعده هو سعادة الإنسان الحقيقية الأبدية المستمرة، ونصيبه في الدنيا مِن السعادة بقدر ما يحصل على رضا الله، وبقدر اتباعه لرضوان الله: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (آل عمران:162)، فمَن اتبع ما يرضي الله -عز وجل- فنال مِن رضاه بقدر طاعته، واقترب مِن الله -عز وجل- بروحه في هذه الأرض، فإن الإنسان إنما يقترب في الدنيا مِن الله -عز وجل- بالروح، بالقلب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -عز وجل-: (إِذَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) (متفق عليه) - مَن تقرب إلى الله -سبحانه وتعالى- بقلبه وعمله، وفعل ما يقربه إلى الله -عز وجل-؛ سعد بقدر القرب مِن الله -سبحانه وتعالى-، وبقدر ما حصل على رضوان الله -عز وجل-، وإن كانت الدنيا ليستْ في يده، وإن كان ليس معه منها شيء، وإن كانت أحواله في الفقر والمرض والبلاء ما كانت، أو في الاستضعاف وتسلـُّط الأعداء؛ ربما كان ذلك رحمة، كما قال -سبحانه وتعالى- عن بني إسرائيل: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء:7-8)، أخبر الله عنهم أنه يسلط عدوهم الذي يدمِّر كل ما علوا عليه تدميرًا (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)، يقول -تعالى-: (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ)؛ ولذا ربما كان في البلاء رحمة وعافية إذا كان مع رضوان الله -سبحانه وتعالى-، والتقرب إليه، إذا كان الإنسان يزداد طاعة وإيمانًا وإسلامًا عند البلاء؛ فعند ذلك يكون البلاء عافية ورحمة (عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ).

وقال -تعالى-: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) (الأحزاب:22)، هذا الذي قال الله فيه: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا) (الأحزاب:11)؛ كان زلزلة وابتلاءً، فيه زيادة الإيمان والإسلام والتسليم؛ فصار نعمة مِن الله -عز وجل- ورحمة، وفضلاً مِن الله، بدأها الله بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (الأحزاب:9). نسأل الله العافية.

وبقدر بعد الإنسان عن الله -عز وجل-، وبقدر فعله ما يسخطه؛ بقدر ما يتعس، بقدر ما يشقى، بقدر ما يتألم؛ حتى ولو كانت الدنيا بحذافيرها في يده، وهي لا تكون، وإنما البُعد عن الله -عز وجل- هو العذاب كما قال -سبحانه وتعالى- عن قوم نوح بعد أن أغرقهم الطوفان: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:44)، فلما ذكر هلاك عاد قال: (أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (هود:60)، وقال -سبحانه وتعالى-: (أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) (هود:95)، وقال: (وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (هود:44).

فالبُعد عن الله -سبحانه وتعالى- هو العقوبة، والدنيا بأسرها لا تسد في قلب الإنسان مسدًّا في راحته، وفي سعادته؛ لذاتها كلها فانية، إذا كان الإنسان بعيدًا عن الله -عز وجل-، ترك ما أوجب الله عليه، وفعل ما أسخطه؛ فإنه يَنال مِن الشقاء ما لا يذهبه شيء؛ فإن الشقاء "كل الشقاء" في فعل ما حرَّم الله -سبحانه وتعالى-، والناس إنما يجدون لذاتٍ مِن جنس لذة الجِرب إذا حكَّ جلده، مِن جنس لذة شارب الخمر والمخدرات الذي يتخيل ما يشتهي ثم يصطدم بالواقع، في كل مرة يفيق فيها، يفيق على ألم، قد صار بخياله في آفاق السماء؛ فإذا ذهب مفعول المخدر سقط مهشمًا مكسرًا على الأرض!

فهكذا القلب عندما تلهيه الشهوات، وتسكره وتغمره: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر:72)، (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ) (المؤمنون:54)، غمرة وسكرة سمَّاها الله -عز وجل-، هذه الدنيا غفلة كما قال -عز وجل-: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (مريم:39)، هم الآن في الدنيا، هم في غفلة في الدنيا، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: وهَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلاَ مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍوَهَؤُلاَءِ فِي غَفْلَةٍ أَهْلُ الدُّنْيَا (وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ). (متفق عليه).

حين يذبح الموت بيْن الجنة والنار؛ فهذا يوم الحسرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأما هم الآن؛ فهم في غفلة، غفلة وسكرة، وغمرة تغمر القلب، هكذا تكون الشهوات، يطير القلب متلذذًا بالخيال، بالوهم "لا بالحقيقة" بهذه اللذات، ثم يسقط على الأرض؛ أرض الواقع الأليم، الشقاء والتعاسة في البُعد عن الله -عز وجل-، والله لقد تغيرت القلوب خلال يومين فقط، خلال ثلاث ليالي، ويومين وجزء مِن اليوم الثالث عما كانت عليه في رمضان، مضى على انتهاء رمضان هذه المدة الوجيزة، ومع ذلك تغيرت القلوب ولا حول ولا قوة إلا بالله! وبدأت حياة الصراع مِن جديدٍ على جزءٍ يسير مِن جناح البعوضة، جزء يسير تافه لا حقيقة له، الكل يتصارع عليه، شقائه في هذا الصراع، في الحقد والحسد، والتنافس على الدنيا، والتصارع مِن أجلها، ونسيان الآخرة!

عندك ما تجتني مِن الكنوز: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف:46)، الكنوز موجودة (الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ)، كنوز مفتوحة تتركها وتتصارع على الخشبة، على الحجر، بل قُلْ على الروثة! تريد أن تحصل هذه الروثة، وغيرك يريد أن يحصلها، ويجدكم ثالث تتصارعون عليها؛ فيظنها جوهرة، فيدخل معكم في الصراع، كما لو أن الناس وجدوا كتلة مِن البشر يتقاتلون على شيء فدخلوا معهم في القتال! تركوا الكنوز وأغلى مِن الكنوز (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا).

كم يترك الناس سعادتهم في هذه الدنيا قبْل سعادة الآخرة، وقبْل راحتهم في قبورهم، ما يؤنس وحشة القبر هو نصيب الإنسان مِن الطاعة، مِن عمله الصالح الذي يقول: (أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

إنما تأنس في قبرك وحيدًا بعملك، بما معك مِن القرآن، بما يجعل الله لك مِن النور، مِن العمل الصالح؛ سعادة في الدنيا، وسعادة في القبر والبرزخ، وسعادة يوم القيامة، ومع ذلك يَترك الناس (الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ)! سمَّاها الله (الْبَاقِيَاتُ)؛ لأنها تبقى، وتزول لذة الدنيا، طعم الناس في العيد ولبسوا؛ فماذا بقي مِن لذة ذلك؟!

بالأمس أكلتَ، وفي اليوم الذي قبله أكلتَ، ولا بد أنك توسعتَ في يوم العيد؛ فأكلت الحلو والجميل مِن الطعام... فماذا بقي مِن لذة ذلك؟!

ماذا بقي مِن لذة الدنيا كلها؟!

كلها سرعان ما تزول، ما أن تأكل منها شيئًا، ما إن تنال منها شيئًا، حتى تبغي عنها حولاً، أما الجنة: فـ(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) (الكهف:107-108).

نريد أن نستقيم على أمر الله -سبحانه وتعالى-.

نريد أن نجدد، وأن نحاول أن نأخذ مِن رمضان دفعة قوية نستمر بها بَعده على ما أُمرنا به.

فلنستقم، ولنستمر، ولنواظِب على قدر مِن الطاعة، بدونها تصبح الحياة كأنها الجحيم.

نسأل الله العفو والعافية، ونسأله -عز وجل- أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يَمن علينا بطاعته وحبه وقربه، وألا يحرمنا أبدًا فضله ورحمته (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58).

فاللهم إنا نسألك مِن فضلك، ومِن رحمتك؛ فإنه لا يملكها إلا أنتَ.