إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 23 أبريل 2017 - 26 رجب 1438هـ

حول حديث: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ... )

السؤال:

سمعتُ د."محمد عبد المقصود" في إحدى حلقاته على فضائية "رابعة" وقد ذكرَ كلامًا للإمام ابن حزم في الخروج على الظالم لمنع الظلم والدفاع عن المظلوم، وذكر حديث: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ) (رواه مسلم)، وأنه والإخوان لا يغيرون إلى الآن باليد لعجزهم عن ذلك، ولو قدروا لفعلوا! في حين ما كنتُ أعلمه وأسمعه دومًا هو أن تغيير المنكر يكون بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.

وأريد الآن أن أعرف ما هي مراتب التغيير للمنكرات وفق التفسير الصحيح لهذا الحديث الشريف؟ وهل تغيير المنكر يكون ابتداءً باليد ثم باللسان ثم بالقلب أم أن هذا الترتيب غير مقصود؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن المعلوم مِن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في تغيير المنكر -"وسنته توضح سنته"- أن يبدأ بالتعريف والتعليم، ثم النصح بالرفق والقول اللين؛ امتثالاً لقول الله -تعالى-: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل:125).

والدليل على ما ذكرنا حديث بول الأعرابي في المسجد، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَهْ مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ) فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: (إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَالصَّلاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ) قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ. (متفق عليه).

وكذلك حديث معاوية بن الحكم السلمي في الكلام في الصلاة، فعنه -رضي الله عنه- قال: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلا ضَرَبَنِي وَلا شَتَمَنِي، قَالَ: (إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) (رواه مسلم).

ثم بعد القول اللين، القول الخشن، ثم التهديد بالعقوبة، ثم مباشرة تغيير المنكر باليد دون العقوبة لمرتكبه، ثم العقوبة حال ارتكاب المنكر مِن باب دفع الصائل -أما بعده فهو للحاكم ومَن قام مقامه سواء كان حدًّا أو تعزيرًا-، ثم جمع الأعوان وشهر السلاح، وأكثر أهل العلم أن هذه المرتبة لابد أن تكون بإذن الإمام، والصحيح أنه كذلك في الأغلب لترتب المفاسد العظيمة على ترك ذلك للآحاد والعامة.

ثم كل هذه المراتب متوقفة على ثبوت القدرة، وانتفاء العجز بنوعيه: الحسي والمعنوي، وكذلك متوقفة على مراعاة المصالح والمفاسد، فالله -تعالى- لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين.

أما حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)، فهذا ليس في كيفية البدء في تغيير المنكر، بل غايته، فالترتيب في هذا الحديث إنما هو بالنظر إلى الغاية أي إلى آخر ما ينتهي إليه الأمر لإزالة المنكر، وليس للترتيب الزمني؛ فإن فالنبي -صلى الله عليه وسلم- في تطبيقه لتغيير المنكرات لم يبدأ بالتغيير باليد حتى مع قدرته -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، ومع توافر بقية الشروط، وإنما كان يبدأ بالتعريف والتذكير، ونحو ذلك، ومِن هنا علمنا أن الحديث ليس معناه أن بداية التغيير تكون باليد وإنما هو غايته؛ أي إذا لم يندفع المنكر إلا بذلك دفع به "إذا كان هناك قدرة على ذلك".

فالحديث إذن فيما يتعلق بالقدرة لا في ترتيب التغيير وكيفيته، فليس الأمر كما جاء في الحلقة المذكورة.

وأما ما ذكر فيها مِن كلام ابن حزم -رحمه الله- فهو خلاف قول جماهير أهل السُّنة، وإن لم يُضبَط بمسألة المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز، وفقه المآلات - كان قولاً شاذًّا غير معتبر عند أهل السُّنة.