إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 30 مارس 2017 - 2 رجب 1438هـ

تربية الأولاد بيْن الألم والأمل (3)

(يَا أنَيْسُ، أذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟)

كتبه/ شحاتة صقر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا"، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَذْهَبُ! وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: (يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟) قَالَ قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ، يَا رَسُولَ اللهِ. (رواه مسلم).

فهذا أنس بن مالك -رضي الله عنه- خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أثّرت فيه معاملته -صلى الله عليه وآله وسلم- له؛ فوصف النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بأنه مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، وذكر موقفًا يدل على ذلك الخلق الرفيع قد حدث له مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو طفلٌ صغير، فقد طلب منه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرسله يَوْمًا لِحَاجَةٍ فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ!". تخيل نفسك أيها الأب الحنون وقد حدث معك مثل هذا الموقف مع أحد أبنائك، ماذا ستفعل؟! كيف ستتصرف مع عصيان ابنك لأوامرك؟!

إن ما صدر عن أنس -رضي الله عنه- إنما صدر في حال صغره، وعدم كمال تمييزه؛ إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه، وذلك أنه حلف بالله على الامتناع مِن فِعْل ما أمره به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشافهةً وهو عازمٌ على فعله، فجمع بيْن مخالفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين الإخبار بامتناعه، والحلف بالله على نفي ذلك مع العزم على أنه كان يفعله، وفيه ما فيه.

ومع ذلك فلم يلتفت النبي -صلى الله عليه وسلم- لشيءٍ مِن ذلك، ولا عرَّج عليه، ولا عاقبه، بل داعبه، وأخذ بقفاه، وهو يضحك رفقًا به، واستلطافًا له، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أُنَيْسُ، أَذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟). فقال أنس: "نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ". وهذا كله مقتضى الخلق الكريم، والحلْم العظيم للنبي الكريم العظيم -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ فعلى الآباء مراعاة حال الأطفال والتعامل مع أخطائهم بما يناسِب مرحلتهم العمرية.