إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 29 مارس 2017 - 1 رجب 1438هـ

دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (1) (موعظة الأسبوع)

مريم -عليها السلام- "الولادة والاصطفاء"

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- الإشارة إلى استكمال سلسلة مواعظ "دروس مِن قصص الأنبياء -عليهم السلام-"، وأهمية تناول قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- لبيان العقيدة الإسلامية فيه، وأنها العقيدة الوسطية بيْن إفراط النصارى، وتفريط اليهود وغيرهم.

1- تمهيد: جملة مختصرة للعقيدة الإسلامية في عيسى -عليه السلام-:

- هو عبد الله الله ورسوله، المسيح عيسى ابن مريم بنت عمران، آخر أنبياء بني إسرائيل، بُعث إليهم بالإنجيل مصدقـًا للتوراة.

- الإيمان به ركن لا يصح الإسلام بغيره: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) (متفق عليه).

- تعتبر ولادة المسيح معجزة إلهية، حيث ولد بلا أب، وذلك على الله يسير.

- رفع الله المسيح -عليه السلام- إليه في حفظه، لما حاول أعداؤه قتله صلبًا، وإنما قتلوا مَن أُلقي عليه شبهه.

- ينزل المسيح في آخر الزمان، متبعًا للشريعة الإسلامية، ويقود المسلمين في حرب الدجال واليهود.

- يمكث المسيح في الأرض مدة مِن الزمان، ويحج إلى بيت الله، ثم يموت ويدفنه المسلمون، ويصلون عليه.

2- مجمل القصة في القرآن:

- تعتبر سورة آل عمران أكثر سور القرآن تناولاً للقصة، ويرجع ذلك إلى قدوم وفد نصارى نجران على النبي -صلى الله عليه وسلم- في العام التاسع، فجعلوا يذكرون ما هم عليه مِن التثليث في الأقانيم، ويدًعون بزعمهم أن الله ثالث ثلاثة، فأنزل الله صدر السورة إلى ثلاثة وثمانون آية منها في الرد عليهم، تقرر أن عيسى -عليه السلام- عبد مِن عباد الله، خلقه وصوره في رحم أمه، وأنه خلقه مِن غير أب كما خلق آدم مِن غير أب وأم، وقال له كن فكان، وبيَّن -تعالى- أصل ميلاد أمه مريم -عليها السلام-، وكيف كان مِن أمرها، وكيف حملت بولدها عيسى -عليه السلام-، بل تحداهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمباهلة على ذلك، فامتنعوا وخافوا.

3- ولادة مريم الصديقة -عليها السلام-:

قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ . ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (آل عمران:33-37).

- ملخص الآيات: يذكر -تعالى- أنه اصطفى آدم -عليه السلام-، والخُلص مِن ذريته المتبعين شرعه الملازمين لطاعته، ثم خصص فقال: (وَآلَ إِبْرَاهِيمَ)؛ فدخل فيهم بنو إسماعيل، ثم ذكر فضل هذا البيت الطيب "وهم آل عمران"، والمراد بعمران هذا والد مريم -عليها السلام- مِن سلالة داود -عليه السلام-، وكان أبوها عمران صاحب صلاة بني إسرائيل في زمانه، وكان زكريا -عليه السلام- نبي ذلك الزمان زوج أخت مريم -عليها السلام-، وكانت أم مريم لا تَحْمَل لكبر سن أو نحوه، فاشتهت الولد، فنذرت لله إن حملتْ لتجعلن ولدها محررًا، أي: حبيسًا في خدمة بيت المقدس، فحملت بمريم -عليها السلام-: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) أي: في خدمة بيت المقدس، فاستجاب الله لها في هذا كما تقبل منها نذرها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) (متفق عليه).

فقامت أمها على رعايتها حتى بلغتْ مِن العمر ما تقدر به على الخدمة في بيت المقدس، فسلمتها إلى العبَّاد الذين هم مقيمون به، وكانت ابنة إمامهم، فتنازعوا فيها أيهم يكفلها، فأراد زكريا -عليه السلام- أن يستبد بها دونهم مِن أجل أن زوجته أختها، فاقترعوا بالأقلام، فساعدته المقادير فخرجت قرعته غالبة لهم، فأتخذ لها زكريا مكانًا شريفًا مِن المسجد ليدخله سواها، فكانت تعبد الله فيه وتقوم بما عليها مِن سدانة البيت إذا جاءت نوبتها، وتقوم بالعبادة ليلها ونهارها حتى صارت يضرب بها المثل بعبادتها في بني إسرائيل، واشتهرت بما ظهر عليها مِن الأحوال الكريمة والصفات الشريفة حتى إنه كان نبي الله زكريا -عليه السلام- كلما دخل عليها موضع عبادتها، يجد عندها رزقًا غريبًا في غير أوانه، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: (أَنَّى لَكِ هَذَا) فتقول: (هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ).

4- دروس وعبر:

1- فرْقٌ كبير بيْن الأماني العالية والأماني الدنية "أمنية أم مريم - أمنيات السلف": (إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي)، وروى الحاكم في المستدرك عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لأصحابه يومًا: "تَمَنَّوْا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ ذَهَبًا فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: تَمَنَّوْا. فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ لَؤْلُؤًا أَوْ زَبَرْجَدًا أَوْ جَوَهِرًا، فَأَنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَتَصَدَّقُ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: تَمَنَّوْا، فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ عُمَرُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ رِجَالا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ". (أين هذا مِن الأماني الدنية فضلاً عن الخسيسة عند كثير مِن الناس؟! فكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده عالمًا أو داعيًا إلى الله؟ وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده طبيبًا أو مهندسًا ولو كان بعيدًا عن الدين والطاعة؟! وكم مِن الناس يتمنى أن يكون ولده لاعب كرة أو ممثلاً أو مغنيا؟!).

2- بطلان بدعة الرهبانية "زكريا كان له زوجة وولد - والد مريم كان إمام بيت المقدس - أم مريم تدعو لذرية مريم": (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) (آل عمران:38)، (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (آل عمران:36)، وقال -تعالى-: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد:27).

3- إنصاف المسلمين لمريم -عليها السلام- وقد أساء إليها مَن هي منهم نسبًا: قال الله -تعالى- عن اليهود: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا) (النساء:156)، وقال -تعالى- عن النصارى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116)، وقال: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:75)، وقال في كتاب المسلمين: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (المائدة:42)، وقال نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم-: (حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).

فاللهم صلِّ على عبدك ورسولك عيسى ابن مريم، وعلى أمه الصديقة البتول مريم، وسلِّم تسليمًا كثيرًا، واجمعنا بهم في جنات النعيم، مع نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، وسائر الأنبياء والمرسلين.