إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 09 مايو 2017 - 13 شعبان 1438هـ

دروس مِن قصة نبي الله عيسى -عليه السلام- (4) (موعظة الأسبوع)

نزول المسيح -عليه السلام-

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التذكير بما سبق مِن خلال الإشارة إلى إخبار الكتاب والسُّنة عن أن اليهود ادعوا أنهم قتلوا نبي الله عيسى ابن مريم -عليه السلام-، وأن الحقيقة أنه لم يُقتل ولم يُصلب -كما زعموا!-، ولكن ألقى الله شبهه على غيره، أما هو فقد رفعه الله إلى السماء: قال الله -تعالى-: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ?كِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا . بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (النساء:157-158).

- الإشارة إلى بعض الأدلة على نزول المسيح -عليه السلام- في آخر الزمان: قال الله -تعالى-: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَة) (الزخرف:61)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسى نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

(1) وقت نزوله -عليه السلام-:

- قبْل نزول المسيح -عليه السلام- يعاني المسلمون محنًا شديدة: "ظهور الدجال وما سبقه مِن محن ملاحم المسلمين": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ ثَلاَثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وَيَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَام-) (رواه أحمد بسندٍ صحيح).

- المسيح -عليه السلام- عند نزوله يصلي خلف إمام المسلمين تنبيهًا على اتباعه لرسالة الإسلام، ثم يقودهم في حرب الدجال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ، يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ، إِذْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّهُمْ... ) (رواه مسلم)، وفي الرواية الأخرى: (فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّي بِهِمْ الصُّبْحَ، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عليه السلام- الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ يَمْشِي الْقَهْقَرَي، لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى -عليه السلام- يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيَضَعُ -عِيسَى عليه السلام- يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إِمَامُهُمْ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

(2) قضاء عيسى -عليه السلام- على الدجال:

- إشارة مختصرة عن فتنة الدجال و أتباعه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، مُنْذُ ذَرَأَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ، أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّا حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ، وَأَنَا آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ، وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَالَةَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

- اليهود ينتظرون الدجال على أنه الملِك -المسيح داود- الذي يعيد لهم مجدهم ليحكموا العالم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أَصْبَهَانَ، سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَكْثَرُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وَذَلِكَ يَوْمُ التَّخْلِيصِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) (رواه مسلم)، (وَأَكْثَرُ مَنْ يَخْرُجُ إِلَيْهِ النِّسَاءُ، وَذَلِكَ يَوْمُ التَّخْلِيصِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- أول عمل للمسيح -عليه السلام- بعد نزوله هو مواجهة الدجال بعد حصاره لجماعةٍ مِن المسلمين في بيت المقدس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِذَا انْصَرَفَ، قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: افْتَحُوا الْبَابَ، فَيُفْتَحُ، وَوَرَاءَهُ الدَّجَّالُ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ، كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وَسَاجٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ الدَّجَّالُ ذَابَ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، وَيَنْطَلِقُ هَارِبًا، وَيَقُولُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً، لَنْ تَسْبِقَنِي بِهَا، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بَابِ اللُّدِّ الشَّرْقِيِّ، فَيَقْتُلُهُ، فَيَهْزِمُ اللَّهُ الْيَهُودَ) (رواه ابن ماجه وابن خزيمة والحاكم في المستدرك).

(3) إهلاك الله يأجوج ومأجوج في زمانه:

- يأجوج ومأجوج أمتان كثيرتا العدد، ولا طاقة لأحدٍ بمواجهتهم، يخرجون على الناس بعد هلاك الدجال: قال الله -تعالى-: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ) (الأنبياء:96)، وفي حديث النواس الطويل: (ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمْ اللَّهُ مِنْهُ فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمْ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتْنُهُمْ فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ) (رواه مسلم).

(4) مهمة عيسى -عليه السلام- بعد هلاك الدجال ويأجوج ومأجوج:

- يتفرغ عيسى -عليه السلام- للمهمة الكبرى التي نزل مِن أجلها، وهي القضاء على الأديان المحرفة، وتكذيب دعوى قتله وصلبه، وتحكيم شريعة الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) (متفق عليه). وفي رواية: قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَيُهْلِكُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ) (رواه أبو داوود، وصححه الألباني).

- طيب العيش زمن المسيح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (طُوبَى لِعَيْشٍ بَعْدَ الْمَسِيحِ يُؤْذَنُ لِلسَّمَاءِ فِي الْقَطْرِ, وَيُؤْذَنُ لِلْأَرْضِ فِي النَّبَاتِ, حَتَّى لَوْ بَذَرْتَ حَبَّكَ عَلَى الصَّفَا لَنَبَتَ, وَحَتَّى يَمُرُّ الرَّجُلُ عَلَى الْأَسَدِ فَلَا يَضُرَّهُ, وَيَطَأُ عَلَى الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرَّهُ, وَلَا تَشَاحَّ, وَلَا تَحَاسُدَ, وَلَا تَبَاغُضَ) (رواه أبو بكر الأنباري في حديثه والنقاش في فوائد العراقيين، وصححه الألباني).  

(5) بقاء عيسى -عليه السلام- في الأرض:

- بقاء عيسى -عليه السلام- في الأرض أربعون عامًا، يحج فيها إلى بيت الله، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (رواه مسلم).

(6) خلاصة العقيدة الإسلامية في المسيح -عليه السلام-:

- هو عبد الله ورسوله، بُعث بالإنجيل مصدقًا للتوراة، ومبشرًا بمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وهو آخر أنبياء بني إسرائيل.

- تعتبر ولادته معجزة إلهية، حيث وُلد بلا أب، وذلك على الله يسير.

- رفع إلى ربه في حفظه لما حاول أعداؤه قتله صلبًا، فقتلوا مَن ألقي عليه شبهه.

- ينزل في آخر الزمان، متبعًا لشريعة الإسلام، يقود المسلمين في حرب الدجال واليهود.

- يمكث المسيح في الأرض أربعون سنة، يحج إلى بيت الله، ثم يموت ويدفنه المسلمون ويصلون عليه.

- الإيمان بذلك جزءٌ مِن إيمان المسلم، لا يصح إلا به.

فاللهم صلِّ عليه وعلى نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، واجمعنا بهم في جنات النعيم.