إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 25 مارس 2017 - 26 جمادى الثانية 1438هـ

وثيقة المدينة مع اليهود (13)... معالم اجتماعية

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن صورة المجتمع المسلم الأول وأواصر الترابط بيْن أفراده مع وجود كفار ضمن هذا المجتمع لهي الصورة المثاليّة التي يحتاج المسلمون إلى دراستها والتأمل فيها لتطبيقها في مثل هذه الأحوال.

ولقد تضمنت وثيقة المدينة مبدأ وحدة المجتمع المسلم على آصرة الدين دون غيرها مِن روابط النسب أو القبيلة أو الجنس أو اللون.

ورابطة الدين هي أعظم الروابط والأواصر ثباتًا, وأوسعها انفتاحًا على شعوب العالم؛ فبإمكان أي فرد في العالم أن يصبح عضوًا في هذا المجتمع؛ له ما لأفراده السابقين، وعليه ما عليهم.

وفي نص الوثيقة: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم، هذا كتابٌ مِن محمد النبيّ الأُمَّيّ بيْن المؤمنين والمسلمين مِن قريش ويثرب ومَن تَبِعَهُم فَلَحِقَ بهم، وجَاهَدَ مَعَهُم، أنهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ دون الناسِ".

ورابطة الإيمان والإسلام هي رابطة الأُخُوَّةِ الحقيقيّةِ التي تقتضي المَحَبَّةَ والمُوالاة, ويُتَمَدَّحُ بها, قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات:10).

وأَمّا رابِطَةُ الأُخُوَّةِ في الوَطَن والقَومِيَّةِ والقَبَلِيَّةِ والقَرَابَة التي دَلَّت عليها آياتُ القرآن نحو قوله -تعالى-: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) (الأعراف:65)، (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) (الأعراف:73)؛ فإنها تَقْتَضِي مزيد النُّصْحِ والحِرْصِ على الخير والدعوة إلى الله -عزّ وجَلّ- مع بقاء رابطة الولاء على هذا الدين، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أوْثَقُ عُرَى الإِيمانِ: الموَالاةَ فِي الله والمعاداة فِي الله، والحبُّ فِي الله والبُغْضُ فِي الله) (رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني).

ومقاومة النَّعَرَاتِ الجاهليّة والعَصَبِيَّةِ العَمْيَاء كانت سِمَةَ هذا المجتمع المُسْلِم؛ قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى? وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى) (رواه أحمد، وقال الألباني: صحيح لغيره).

فإِعْلاءُ قِيمَةِ التَّقْوى والعَمَلِ الصَّالِحِ، وإِرْسَاُء فَضْلِ العِلمِ بالقُرآن والسُنّةِ، والعمل بطاعةِ اللهِ ورسولِه -صلى الله عليه وسلم- على قِيَمِ اللون والجِنْسِ، والمَنْشَأ والمالِ والوظيفةِ، والسُّلْطَةِ والجاه، هو أساسُ بِنَاِء هذا المجتمع، بخلاف القِيَم الأُخرى التي تَشْقى بها المجتمعات المُخالِفة لشريعة الإسلام في الناحية الاجتماعية.

وهذا لا يَنفي حقوقَ غير المسلمين مِن المُعاهَدين؛ فإن العلاقة معهم قائِمَة على البِرِّ والنُّصْحِ والنَّصيحة، ففي نص الوثيقة: "وإِنَّ على اليهودِ نَفَقَتهم، وعلى المسلمين نَفَقَتهم، وإن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبِرّ دون الإثم".

وفيها أيضًا: "وإن يَهُودَ الأَوْسِ مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البِرّ الحَسَن مِن أهل هذه الصحيفة، وإن البِرّ دون الإثم".

وهذا الأمر قد دَلَّت عليه آيات القرآن؛ قال الله -تعالى-: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:8-9)؛ فكان ما أُمِروا به من البِرِّ والإقساط غَيْرَ ما نُهُوا عنه مِن المَحَبَّةِ والمُوالاة، مع الحفاظ على سلامة المجتمع بالاجتماع على حمايته، والتعاون على الدفاع عنه، كما ورد في الوثيقة: "وإن يَثْرِب حَرَامٌ جَوفُها لِأَهْلِ هذه الصحيفة".

وهذا كُلّه يُؤَسِّسُ حقيقةَ التَّعايُشِ السِّلْمِيِّ الآمن مع غير المسلمين في المجتمع، مع الحِفاظِ على الدين وعَقْدِ الولاء والبراء عليه.

كما تَضَمَّنَت الوثيقةُ قيمة التعاون على نُصْرَةِ المظلوم مُسْلِمُا كان أو كافرًا، ففيها: "وإن المؤمنين المُتَّقِين على مَن بَغَى منهم أو ابتغى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ أو إثْمٍ، وأن أيديهم عليه جميعًا وإن كان وَلَدَ أحَدِهم", وفيها: "وكُلّ طائفةٍ تفدي عَانِيَها -أي أَسِيرَها- بالمعروف والقسط بيْن المؤمنين".

وفيها: "وإن مَن اعتبط مؤمنا -أي: قَتَله- قتلًا عن بَيِّنَةٍ فإنه قَوَدٌ به, إلا أن يَرضَى وَلِيُّ المقتول, وإن المؤمنين عليه كافةً, ولا يَحِلُّ لهم إلا قِيامٌ عليه, وإنه لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أقَرَّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن يَنْصُرَ مُحْدِثًا ولا يؤويه, وإنه مَن نَصَرَه أو آواه؛ فإن عليه لَعْنَةَ اللهِ وغَضَبَه يومَ القيامة، ولا يُؤخَذ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ".

وفيما بيْن المسلمين واليهود مِن نفس هذا الحق: "وإنه لن يَأثَمَ امرؤ بحَليفِه، وإن النصر للمظلوم"، وفيها: "وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالِمٍ أو آثم" (انتهى).

وهذا الأمر وردت به النصوص العامة للشريعة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمُعاذ -رضي الله عنه-: (وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) (متفق عليه)، وفي بعض الروايات: (اتَّقوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ وإنْ كانَ كافِراً فإنَّهُ لَيْسَ دُونَها حِجابٌ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

وهذا المبدأ العظيم: "مبدأ التعاون على نُصْرَةِ المظلوم، وعدم تسليمه لمن يَظْلِمه قدر الإمكان, والتعاون على فك الأسير مِن بيْن يدي الأعداء" - مَبْدأٌ عظيم قامت عليه السماوات والأرض, وهو مبدأ العدلِ وإقامةُ الحَقِّ، ورَدِّ الحُقوق إلى أهلها، ونصر المظلوم على مَن ظلمه.

وكلها مبادئ يستقيم بها المجتمع، وتتأكَّدُ الروابط بيْن أفراده عليها؛ فلا يَتَجَرَّؤ ظالِمٌ على ظُلمه؛ لأنه يعلم أن المجتمع كُلُّه سَيَقِفُ في مواجهته.

وتضمنت الوثيقة مبدأ الإحسان إلى الجار؛ ففيها: "وإن الجار كالنَّفْسِ غير مُضَاٍّر ولا آثم"، وقد دَلَّت النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على هذا المعنى، ولو كان الجار كافِرًا، قال الله -تعالى-: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) (النساء:36)، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أنه ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ فِي أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وقال الحافظ المنذري -رحمه الله-: "وقد رُوي هذا المتن مِن طرقٍ كثيرة، وعن جماعة مِن الصحابة -رضي الله عنهم-". وهذا يدلنا على أن الصحابة -رضي الله عنهم- حَمَلوا الأدلة في حق الجار على العموم -كما هو ظاهِرُها-؛ فيشمل المسلم والكافر.

ولا شَكَّ أن حُسْنَ الجِوار، والامتناع مِن أذى الجيران؛ لهو مِن أَهَمِّ الروابط الاجتماعية داخل المجتمع المُسْلِم بما فيه مِن أفرادٍ غيرِ مُسْلِمين مُعاهَدين؛ فلا بد مِن الحفاظ على هذه المعاني، للحفاظ على وحدة المجتمع وسلامته، وبقائِهِ مِثَالًا حَيًا للتطبيق الصحيح للإسلام.