إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 24 يناير 2017 - 26 ربيع الثاني 1438هـ

فصل الشتاء... فوائد وعِبَر (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تعاقب فصول السَّنة واختلافها مِن آيات الله التي تدعو إلى التفكر: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164).

- سمات فصل الشتاء تدعو للتوقف والتفكر: (المطر - البرد - طول الليل - قصر النهار - أمراض الشتاء).

1- الشتاء ربيع المؤمن:

- كثير مِن الناس لا يرى في فصل الشتاء إلا البرد ووحل الطرقات وأمراض الشتاء، وكثير مِن الناس لا يرى منه إلا النوم والكسل، وأنه مانع مِن الانطلاق في الرحلات والمتنزهات، وغيرهم يراه كذا... وهكذا، وقليل مِن الناس مَن يراه ربيعًا، روي في الحديث: "الشتاء ربيع المؤمن" (رواه أحمد، وضعفه الألباني). "قال ابن رجب -رحمه الله-: "إنما كان الشتاء ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، ويتنزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، كما البهائم في مرعى الربيع، فتسمن وتصلُح أجسادها، فكذلك يصلُح دين المؤمن في الشتاء، بما يسر الله فيه مِن الطاعات".

- الصالحون يفرحون بقدومه، ويتأهبون لتعميره، ويحزنون لفواته: كان ابن مسعود -رضي الله عنه- إذا دخل الشتاء يقول: "مرحبًا بالشتاء، تنزل فيه البركة، ويطوف فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام"، وكان عبيد بن عمير -رحمه الله- يقول إذا دخل الشتاء: "يا أهل القرآن، طال ليلكم لقراءتكم فأقرءوا، وقصر النهار لصومكم فصوموا" (لطائف المعارف ص 356). "ولما حضرت الوفاة معاذ بن جبل، جعل يبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكى لظمأ الهواجر، وقيام الليل في الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر".

2- الشتاء نعمة ونقمة:

- الأصل في مطر الشتاء أنه نعمة تتوافر بها المياه للشرب، وينبت بها الزرع، وتحيا بها الكائنات: قال الله -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء:30)، وقال: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة:68-70)، وقال: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى? ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون:18). قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي بحسب الحاجة".

- وقد يتحول المطر إلى نقمة، فيهلك به الفاجرون، ويبتلى به الغافلون، قال الله -تعالى-: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) (البقرة:19)، وقال عن قوم نوح -عليه السلام-: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) (القمر:11-14)، وقال عن قوم لوط -عليه السلام-: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ) (النمل:58)، وقال عن قوم سبأ: (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) (سبأ:16).

- أدب المسلم في الحالين: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل المطر استبشر، فعن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ) (متفق عليه)، ويقول إذا رأى المطر: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) (رواه البخاري)، وكان إذا اشتد وخاف ضرره، قال: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ، وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) (متفق عليه)، ويقول: (يَا عَائِشَةُ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ، قَدْ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) (رواه مسلم).

3- الشتاء يذكر بالنار:

- برد الشتاء يذكر بعذاب النار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ) (متفق عليه).

- أهل النار يعذبون بالبرد كما يعذبون بالحر: قال الله -تعالى-: (لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا . إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا . جَزَاءً وِفَاقًا) (النبأ:24-26)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الغساق: الزمهرير البارد الذي يحرق مِن برده"، وعنه -رضي الله عنه- قال: "يستغيث أهل النار مِن الحر، فيغاثون بريح باردة، يُصدع العظام بردها، فيسألون الحر".

- وإذا تذكر المؤمن النار؛ فلا بد أن يتذكر الجنة التي خلت مِن البرودة والرعد وأمراض الشتاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لا يَبْأَسُ، لا تَبْلَى ثِيَابُهُ، وَلا يَفْنَى شَبَابُهُ) (رواه مسلم).

4- الشتاء يذكِّر بالفقراء:

- شدة البرد والمطر وأمراض الشتاء، لا بد أن تذكِّر بالضعفاء والفقراء ومعاناتهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (رواه مسلم).

- الصالحون يتعاهدون إخوانهم أصحاب الحاجات إذا دخل الشتاء: عن ابن المبارك -رحمه الله- قال: "كان عمر إذا حضر الشتاء تعاهدهم -أهل الشام- وكتب لهم الوصية: إن الشتاء عدو قد حضر، فتأهبوا له أهبته مِن الصوف والخفاف والجوارب، وأتخذوا الصوف شعارًا ودثارًا؛ فإن البرد عدو سريع دخوله، بعيد خروجه".

- الأيام قُلَب، والنعم لا تدوم: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف:99)، (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26).

- أحذر الغفلة عن المحتاجين؛ فالأيام لكَ وعليك، فقدِّم ليومٍ عليك: قال الله -تعالى-: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة:110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه مسلم).

خاتمة: عود على بدء:

فصل الشتاء، وما له مِن سمات، آية مِن آيات الله -تعالى-؛ يتفكر فيها الصالحون، ويأخذون منها الفوائد والعِبَر في عباداتهم ومعاملاتهم، وليوم لقاء ربهم.

نسأل الله أن يجعلنا مِن أولي الألباب الذين يتفكرون في آيات الله بما ينفعهم في الدنيا والآخرة.