إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 02 يوليه 2016 - 27 رمضان 1437هـ

مواعظ رمضان... (وداعًا رمضان) (30)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).

أخي... صدق ربنا -تبارك وتعالى- لما سمَّى رمضان (أيَّامًا) وكما قالوا: كل معدود قليل.

وها هو شهر رمضان قد عزم على الرحيل، فمن كان منا فرط فيه، فليختمه بالحسنى، فإنما الأعمال بالخواتيم، وبادر -رحمك الله- أوقات الشهر الباقية، واستدرك ما مضى منه بالحسرة والندم، واختمه بالتوبة النصوح، والرجوع إلى صالح العمل.

أخي... كم أناس صلوا في هذا الشهر صلاة التراويح، وأوقدوا في المساجد طلبًا للأجر المصابيح، ونسخوا بإحسانهم كل فعل قبيح.

وكم مِن صائم يفضحه الحساب والعرض!

وكم مِن عاص في هذا الشهر تستغيث منه الأرض... !

فيا ليت شعري.. مَن المقبول منا؛ فنهنيه على توفيق الله له بحسن عمله.

ويا ليت شعري... مَن المطرود؛ فنعزيه بسوء عمله.

فيا أيها المقبول... هنيئًا لكَ بثواب الله -تعالى- ورضوانه، ورحمته وغفرانه، وقبوله وإحسانه، وعفوه وامتنانه.

أخي... لقد ظل المسلمون جميعًا شهرًا كاملاً ينالون مِن نفحات ربهم، يُرون الله مِن أنفسهم خيرًا، متقلبين في ذلك بيْن دعاء وصلاة، وذكر وصدقة، وتلاوة للقرآن، ولكن سرعان ما نقضت الأيام وتلاشت الذكريات، وكأنها أوراق الخريف عصفت بها الريح على أمر قد قدر، وإلى الله المصير.

ســـلام مـِن الـرحـمـن كـــل أوان                   على خيـر شهر قد مضى وزمـان

سـلام عـلـى شـهـر الصيام فـإنـه                    أمــان مِــن الــرحــمـن أي أمــان

فــإن فـنـيـت أيـامـك الغـر بغـتــة                    فما الخسران مِن قلبي عليك بفان

أخي... كيف لا تجري للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقي في عمره لديه رجوع؟!

أين حرقة المجتهدين في نهاره؟!

أين قلق المتهجدين في أسحاره؟!

ولكن... عزائي أنا وأنت لفراق خير الأيام وانصراف أشرف الليالي، أن الله -سبحانه وتعالى- لم يجعل للطاعة زمنًا محدودًا، وللعبادة أجلاً معدودًا، فقال -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99).

فيجب على النفوس أن تسير على نهج الهدى والرشاد بعد رمضان، فعبادة رب العالمين ليست مقصورة على رمضان، وليس للعبد منتهى مِن العبادة دون الموت، وبئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!

أخي... إن للقبول والربح في هذا الشهر علاماتٍ، وللخسارة والرد أمارات...

فمِن علامة قبول الحسنة، فعل الحسنة بعدها، ومِن علامة السيئة السيئة بعدها؛ فأتبِع الحسنات بالحسنات تكن علامة على قبولها، وأتبع السيئات بالحسنات تكن كفارة لها ووقاية مِن خطرها، قال -تعالى-: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود:114).

واعلم -رحمني الله وإياك- أن مدار السعادة في طول العمر، وحسن العمل، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

ومداومة المسلم على الطاعة مِن غير قصر على زمن معين، أو شهر مخصوص، أو مكان مخصوص، أو مكان فاضل مِن أعظم البراهين على حسن الاستقامة، وقبول العمل.

واعلم -رحمني الله وإياك-: أن يوم العيد يوم سعيد، يسعد فيه أناس، ويشقى فيه آخرون؛ فطوبى لعبد قُبِلت فيه أعماله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ) (متفق عليه)؛ فاحمد الله على بلوغ ختام الشهر الفضيل، وسله قبول الصيام والقيام والصدقات.

 كان السلف -رضي الله عنهم- يرون أن مَن مات عقب عمل صالح كصيام أو حج أو عمرة، يرجى له أن يدخل الجنة.

فيا شهر رمضان غير مودع ودعناك، وغير مقلي فارقناك.

كان نهارك صدقة وصيامًا، وليلك قراءة وقيامًا!

فعليك منا تحية وسلامًا.

يا شهر الصيام أتراك تعود بعدها علينا، أو تدركنا المنون فلا تؤول إلينا؟!

مصابيحنا فيك مشهورة، ومساجدنا فيك معمورة.

فالآن تنطفئ المصابيح، وتنقطع التراويح؛ فوداعا يا شهر التراويح!

فاللهم أعد علينا رمضان أيامًا عديدة، وشهورًا مديدة، وتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال.