إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 31 مايو 2016 - 24 شعبان 1437هـ

سقوط الدول

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد جعل الله -تعالى- للأمم والدول والحضارات آجالاً وأعمارًا كآجال الناس، فكم مِن أمم سادت ثم بادت، وكم من شعوب عزت ثم ذلت، وكم من دول قامت ثم انهارت، وكل ذلك بتقدير الحكيم العليم الذي يداول بين الناس بعدله وحكمته! (وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران:140)، وهو -عز وجل- الذي يحيي ويميت.

وقال -تعالى-: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) (الكهف:59)؛ فدلت الآية على أن الله هو الذي يحدد الموعد والأجل لهلاك القرى وسكانها، ودمار الدول وخرابها، ودلت أيضًا أن ذلك بأسباب مِن صنع أيديهم لما ظلموا؛ فالظلم من أعظم أسباب سقوط الدول، وأعظمه الشرك بالله وتكذيب رسوله؛ فإن هذا أعظم أسباب انهيار الحضارات ولو بعد سنوات، بل قرون.

وأكثر الناس يتكلمون عن المؤامرات التي يحيكها الناس أفرادًا ودولاً لبعضهم على أنه السبب الأساسي لانهيار الدول، والذي لا شك فيه أن العوامل الداخلية هي السبب الأساسي لسقوط الدول قبل العوامل الخارجية أو المؤامرات التي تحاك ضدها؛ فإنه لم يوجد في التاريخ دولة مِن الدول لا يُحاك لها المؤامرات لإسقاطها، بل هذا أمر ضروري للدول قبل وجودها تمامًا.

فحين نرى المؤامرات تُحاك ضد دولنا ومجتمعاتنا؛ نعلم أنه الأمر المعتاد الذي لو توقعنا غيره لكنا نعيش في الخيال، والواجب علينا أن ننظر في واقع مجتمعنا ودولتنا؛ لنتجنب أسباب الانهيار، وليس وجود المؤامرات الخارجية بمبرر للسكوت عن الأسباب الحقيقية التي تنخر كالسوس في المجتمع، والتي إن تركناها فنحن إذن لا نحب بلدنا وأمتنا وشعوبنا، ولا نرجو لهم الخير؛ فلا بد مِن النصح والسعي لمعرفة الأسباب الحقيقية ومعالجتها، ولا شيء أوضح مِن بيان القرآن والسنة في أسباب سقوط الدول.

1- أول هذه الأسباب -كما ذكرنا- الظلم الذي أعظمه الكفر والشرك بالله، وتكذيب الرسل: فعندما يوجد في المجتمع "ووسائل إعلامه" مَن يطعن في القرآن العظيم ويقول عنه: "إنه نص تاريخي يقبل النقد!" علنًا جهارًا، ثم لا تتحرك السلطة التنفيذية المسئولة عن تنفيذ الدستور والقانون، والنظام العام والسلام الاجتماعي، ولا السلطة القضائية التي حصر قانون الحسبة دعوى إقامتها في النيابة العامة، ولا المؤسسة الدينية التي يجب أن تبيِّن للناس صراحة حكم هذه الردة - فإن هذا مِن أعظم أسباب عقوبة الله للأمة، فإن الهلاك أقرب إلى مَن يسمح بذلك؛ ولو كان باسم الرأي والرأي الآخر!

فغضبة لله يا سيادة الرئيس...

وغضبة لله يا شيوخ الأزهر...

وغضبة لله أيها النائب العام...

حماية للدولة والمجتمع.

أما عن الناحية السياسية الواقعية، فإن مثل هذا هو مِن أعظم أسباب انحراف الشباب؛ إما نحو الإلحاد، وإما نحو التكفير للمجتمع والدولة التي تسمح بذلك مع أن دستورها يمنعه! فيجعلهم هذا يقولون: إذن أنتم تجعلون مرجعية الشريعة حبرًا على ورق؛ ومِن هنا ينشأ الصدام والعنف مع النظام، بل ومع الناس كلهم!

2- وكذلك عندما يوجد مَن يريد إقناع الناس بأن دين الإسلام لا يلزم فيه: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، خاصة الثانية؛ حيث يجعلها مسألة ذوق وهوى حسب كل شخص، وأنه يمكن أن يكون شخص مسلمًا ويدخل الجنة وهو يكذِّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويطعن في نبوته -سبحانك هذا بهتان عظيم!-، بل هذا كفر لا خفاء فيه، وهو تكذيب لله -عز وجل- الذي قال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (الفتح:29)، فهل مَن كذَّب الله يكون مؤمنًا؟! هذا مِن أعظم الظلم الذي يسبب هلاك الأمة وسقوط الدولة!

3- ثم ظلم العباد وبغي بعضهم على بعض مِن الظلم الذي يهلك الأمم ويدمرها: وعندما لا تُسمع نصائح الناصحين في معالجة صور الظلم والبغي وبأسرع ما يمكن، فإن ذلك من أعظم أسباب انقسام المجتمع؛ قال الله -تعالى-: (فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) (الجاثية:17).

فالانقسام الذي يحدث في المجتمع بسبب البغي هو مِن أكبر أسباب الانهيار، والمظلوم الذي بُغي عليه لينصرنه الله ولو بعد حين؛ هذا مقتضى عزة الله وجلاله، كما أقسم -عز وجل- بذلك، فقال -تعالى- في الحديث القدسي عن المظلوم: (اتَّقُوا دَعْوَة المَظْلُومِ فَإنَّهَا تُحْمَلُ على الغَمامِ، يَقُولُ الله: وعزَّتِي وَجَلالِي لأنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حين) (رواه الطبراني، وصححه الألباني)، فأصغر مشارك في البغي إلى أكبر مشارك كلهم متسببون في السقوط والانهيار؛ وإن زعموا أنهم يحافظون على كيان دولتهم وأمتهم.

4- مِن أعظم أسباب الهلاك والسقوط "استباحة دماء وأعراض وأموال المخالفين": وهذا أعظم مظاهر الغلو وجعل الناس شيعًا؛ فلا يرقبون في المخالف إلاً ولا ذمة، ولا حقوقًا ولا عهودًا، ولا مواثيق دولية ولا محلية، وإرادة العلو في الأرض بذلك مِن أعظم أسباب السقوط؛ ولنفس السبب نتوقع هلاك "داعش" -وأمثالها- وسقوطها؛ لأنها لا تعرف حرمة مَن خالفها، مهما كانت ديانته وقربه، بل باسم الدين تذبح الرؤوس، وتنتهك الحرمات!

5- الخيانة والغدر تنافسًا على الدنيا مِن أعظم أسباب سقوط الأمم والدول: فإن الصراع على الدنيا هو الذي يُدفع به الناس -وربما بعض القادة!- أن يبيعوا للأعداء ولاءهم وتبعيتهم؛ فتفشى الأسرار، وتنقض الأيمان بعد توكيدها، وتخان الأمانة؛ فيكونوا جندًا للأعداء! وهل سقطت الأندلس إلا بذلك؟! وهل سقطت بغداد قديمًا على يد التتار، وحديثًا على يد الأمريكان إلا بالخيانة؟! فالذين يعملون لمصلحة الأعداء ضد مصلحة أمتهم ومجتمعهم ووطنهم، ولا مانع عندهم مِن تعريض البلاد للفوضى وسفك الدماء - هم مِن أخطر أبناء أعدائنا منا!

6- الصد عن سبيل الله وعن الدعوة إليه "تحت أي مسمى كان هذا الصد" مِن أعظم أسباب السقوط: قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) (النحل:88)، وقال -تعالى-: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد:1)، وقال -تعالى-: (وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (النحل:94)؛ فمن يمنع مَن يعلم الناس دينهم وكتاب ربهم وسنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- يُساهِم بأسرع ما يمكن في سقوط الدولة والمجتمع.

7- انتشار الفساد مِن: الربا، والرشوة، والفواحش، والتخريب، والاعتداء على الناس وعلى مصالحهم العامة والخاصة، والكذب والشائعات "خاصة في وسائل الإعلام"، وتتبع عورات الناس وفضحهم - كل ذلك مِن أعظم أسباب سقوط الدول.

8- انعدام تماسك المجتمع كالجسد الواحد: فلا يشعر الغني بألم الفقير، ولا الحر بألم الأسير، ولا الصحيح بألم المريض، ولا القوي بألم الضعيف، ولا القادر بألم العاجز؛ هذا من أعظم أسباب سقوط الدولة والمجتمع، فالذين يخططون لوقوع انهيار الاقتصاد حتى لو جاع الناس وهلكوا؛ جوعًا ومرضًا وفقرًا، ويقولون: "فلتُحرق البلاد، وليمت الناس!" - يتحملون أعظم الوزر في مقدمات السقوط وأسبابه.

فهلا فكَّرنا وخططنا، وتعاونا جميعًا لعلاج أوجه الضعف التي ذكرتُ؛ لننقذ بلادنا مِن هاوية خطيرة نسأل الله أن يسلِّم بلادنا وأهلها منها؟!