إشراف الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 31 مايو 2016 - 24 شعبان 1437هـ

اللَّهُمَّ زِيِّنَا بِزِينَةِ الإِيمَانِ

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -عز وجل- حكم وعدل، قسم الأرزاق والأخلاق والأعمال بيْن عباده لما يعلم من قلوبهم، فوهب الدنيا لمَن يحب ومن لا يحب، وجعل الدين والإيمان زينة من أحب، وجعل للدنيا بنين وللآخرة بنين؛ فكونوا مِن أبناء الآخرة، واحذروا أن تكونوا من أبناء الدنيا.

والإيمان ما وقر في القلب وصدقة العمل، فهو قول وعمل، وظاهر وباطن، وليس مجرد كلمة تُقال، ولا إعلان يُعلن، بل هو حقيقة وسلوك، وعمل وعقيدة.

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "أما زينة الإيمان، فالإيمان قول وعمل ونية، فزينة الإيمان تشمل زينة القلب بتحقيق الإيمان له، وزينة اللسان بأقوال الإيمان، وزينة الجوارح بأعمال الإيمان".

فللإيمان زينة جميلة لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولن يبدو صاحبه جميلاً بدونه، وهذه الزينة يهبها الله -تعالى- لمن يشاء من عباده، ويضاعفها عليهم، ويقذفها في قلوبهم، كما قال -تعالى-: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) (الحجرات:7).

فالزينة زينتان: زينة البدن وزينة القلب "وهي أعظمها"، وإذا حصلتْ فيرد به مَن يعاملهم مِن الناس، فيعظم ما عظـَّمه الله ومَن يعظمه الله، ويحقِّر ما حقره الله ومَن حقره الله.

فهذا مِن نور القلب الذي إذا قذفه الله في قلب عبده جعله لا يحزن على فائت من الدنيا، ولا يفرح بآتٍ منها، فهي عارية مستردة، قال الله -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد:22-23).

فينظر العبد إلى القدر ويشاهد حكمة الله -عز وجل- في توزيع الأرزاق وتقسيمها، فيثمر ذلك فيه الرضا بقضاء الله وقدره، فيرى آثار ذلك في سلوكه وفي حياته عندما تصيبه المحن وتصيبه المصائب؛ فهو لا يجزع عند المصيبة، ولا يفرح عندما تأتيه الدنيا فرح الغرور والكبر، والبطر والأشر؛ لأن عند الميزان الصحيح فهو لا يحزن على فوات جناح بعوضة، ولا يفرح بوجود جدي أسك ميت عنده كما لا يفرح الناس بذلك في الدنيا.

ولكل حسنة يعملها العبد أثر وزينة يتزين بها، كما قال عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في بيان معانٍ من هذه الزينة: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق".

فمن زينة الإيمان ما يجعله الله -عز وجل- في القلب، وهي البصيرة التي يلقيها الله -عز وجل- في قلب العبد حتى يبصر حقائق الوجود، ويعرف ما تئول إليه هذه الحياة ويتعظ بمن مضى، ويتذكر ما هو مقبل عليه من الآخرة.

- ويعرف قوة الله -عز وجل- وعظمته، وقدرته وإرادته، وعلمه وحكمته، وعدله وفضله -عز وجل-، ويرى ويشاهد آثار ذلك في الكون كله.

- ويرى آثار أسماء الله -عز وجل- من صفاته في حياته في نفسه وفيمن حوله فيحصل له البصيرة والنور؛ فيدرك به ما جاءت به الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، فيقتدي بهم.

- ويهديه الله -عز وجل- ويرشده لأحسن الأخلاق ويصرف عنه سيئها، ويرشده إلى أحسن الأعمال ويصرفه عن سيئها، ويهديه الله -عز وجل- لأحسن الأقوال فيتكلم بها، فيجعله الله هاديًا مهديًا.

- وكذلك يجعله يزن الأمور كلها بميزان الشرع، فيرى ما يزن به العظيم والحقير.