إشراف الشيخ ياسر برهامي
الجمعة 20 مايو 2016 - 13 شعبان 1437هـ

تعليقًا على مناظرة "خيري - الأزهري - الجفري - البحيري"... اللقاء كشف العوار!

كتبه /عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد تابع الكثيرون اللقاء التليفزيوني الماراثوني الذي أداره الإعلامي "خيري رمضان" بين الشيخ "أسامة الأزهري" والشيخ "حبيب الجفرى"، و"الأستاذ إسلام البحيري"، وهي المناظرة التي كَشفت الكثير مِن عوار (الأستاذ) إسلام؛ فشاهد الجميع ذلك (الباحث) وهو يغير أقواله عدة مرات في المجلس الواحد مع عناده وإصراره على أن كل هذه الأقوال متطابقة؛ فهو ينقل عن مقدمة "الموطأ"، فلما بيَّن له الشيخ أسامة أن الموطأ بلا مقدمة؛ قال: إنه يعني (الورقات التي في الأول)، ثم نبهه الأزهري مرارًا إلى أنه لا يوجد للموطأ أي نوع من أنواع (الأوراق اللى في الأول!)، قال: نقلت هذا عن الطاهر بن عاشور في شرحه على الموطأ المسمى "التحرير والتنوير"؛ لأن قدامى المالكية اطلعوا على أقوال لمالك غير مطبوعة؛ فبيَّن له الأزهري أن ابن عاشور معاصر، وأن التحرير والتنوير كتاب تفسير، وليس شرحًا للموطأ، فما كان منه إلا إعادة هذا الكلام المتناقض عدة مرات!

وقد يبدو الأمر لدى البعض شكليًّا، ولكن لو تأملتَ؛ لوجدته كارثيًّا أن يَنقل مَن يسمي نفسه باحثًا عن مصدر لم يطلع عليه سواء "الموطأ" أو "التحرير والتنوير" أو غيرهما مِن المصادر التي اتضح أنه لم يرها في حياته قط، وهذا ما يؤكد أنه مجرد ناقل لأبحاث غيره دون أن يحيل إليهم؛ إما خجلاً مِن أن يحيل إلى المستشرقين وأشباههم أو خجلاً مِن تكرار شبهات مثيري الفتنة قبله كـ"أبي رية" أو غيره، مع علمه بوجود عشرات الردود عليها، أو مجرد رغبة في نسبة جهد غيره إلى نفسه وإن كان جهدًا مذمومًا! (وسنبيِّن في مقالة لاحقة -إن شاء الله- المصادر الأشهر التي نَقل عنها سن عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد تتبع الباحث "فهد محمد الغفيلي" تلك الدعوة، وبيَّن المصادر التي نقل عنها "البحيري" بحثه هذا في كتاب بعنوان: "السنا الوهاج في سن عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج").

ومن عجائب "البحيري" التي أتى بها: تباهيه بأنه يفسِّر آية من القرآن على خلاف جميع المتقدمين، وتكون هذه هي نقطة يتحدى بها مناظريه، ورغم كل هذه السقطات من حيث الإطار العام -ناهيك عن الردود التفصيلية التي أجابه بها المناظران، بل وأحيانًا الأستاذ خيري رمضان- إلا أن البحيري خرج ليعلن أنه انتصر على (عبدة التراث)، والمشكلة التي مكنته -من وجهة نظري- من ادعاء الانتصار تكمن في أن الجميع (خيري - الأزهري - الجفري) مع حفظ الألقاب كانوا يتعمدون عدم إحراج الرجل والاكتفاء بالإشارة على اعتبار أن الحر تكفيه الإشارة، ولكن الإشارة لا تصلح مع مَن يصف التراث بالقمامة! والأئمة الأربعة وغيرهم بالمجرمين! وينسب أقوالاً للإجماع ثم يصفها بعدم الإنسانية؛ يعني أن علماء الأمة قبل أن يمن الله عليهم بالبحيري -الإنسان المهذب الرقيق!- كانوا غير إنسانيين.

وبالطبع تحامل البحيري على نفسه بعض الشيء فتجمل في حواره مع مناظريه ثم انطلق لسانه فور انتهاء الحلقة على مواقع التواصل الاجتماعي ليعلن انتصاره على (عبدة التراث)، ومع طول الحلقة وعلو صوت البحيري وانتزاعه للكلمة أطول وقت ممكن، ومع الجهد الذي قام به الجميع لرده إلى الحق إلا أن بعض النقاط لم تأخذ حظها مِن البيان؛ فأردتُ أن أعلـِّق عليها على وجه الاختصار.

وهي على النحو الآتي:

1- البحيري يناور بسن عائشة -رضي الله عنها-، وبحد الردة:

بعد مناظرة البحيري مع الدكتور "عبد الله رشدي" كتبتُ مقالة بعنوان: "البحيري مع ممثلي الأزهر يناظر أم يناور؟!"، وقلتُ: إن البحيري تعمد أن يصدر قضيتي حد الردة وسن عائشة -رضي الله عنها- عند زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- لوجود شبهات لدى العامة في هاتين القضيتين، وكلما واجهه أحد باستهزائه من السنة ومِن علمائها، وبمناداته لهدم علوم الفقه والتفسير؛ فضلاً عن الحديث - يفر بسرعة إلى هاتين القضيتين مع أنهما ليستا أبرز أخطائه التي مِن أجلها تحرك "الأزهر" ضده!

وقلتُ: حيث إن هذه المناظرات جاءت عقب التحرك القانوني للأزهر ضده؛ فكان يجب أن ترتب أقواله ابتداءً مِن الأفدح إلى الذي يليه حتى نصل إلى هذه النقاط في ترتيبها، وقد حاول الدكتور "أسامة الأزهري" فعل ذلك في منتصف الحلقة، ومع تأخر المحاولة -حيث كان يجب أن تكون في بداية الحلقة- إلا أن البحيري عاد وأفلت منها إلى هاتين القضيتين، حتى إن الأستاذ "خيري رمضان" تعاطف معه في قضية سن عائشة -رضي الله عنها- عند زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- منها! "وسوف أعود لهذه القضية في نقطة مستقلة".

2- تصحيح الأحاديث "بالعقل والذوق!":

السُّنة وحي مِن عند الله -عز وجل- داخل في قوله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، فالسنة داخلة في هذا الذكر المحفوظ بدليل -قوله تعالى-: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل:44)، وإذا كنا على يقين من وعد الله -تعالى-؛ فلا بد وأن نثق أن السنة محفوظة، فلما رجعنا إلى واقع ما نُسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وجدنا أن فيه ما هو مِن رواية الكذابين، ومن رواية صالحين مختلطي الحفظ، ووجدنا أن علماء الحديث قد وضعوا الضوابط التي نفرِّق بها بين ما نثق بنسبته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين ما لا نثق به؛ فنعمل بالأول، ونهمل الثاني، وبهذا نكون قد عملنا بقوله -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7)، وبقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات:6).

وبهذه الحالة يكون الشرع حاكمًا على المؤمنين به؛ امتثالاً لقوله -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (الأحزاب:36)، وكمزيدٍ مِن التثبت ولوجود احتمال أن يَهِمَ الثقاتُ -على ندرة هذا-؛ فقد قرر العلماء أن المتن وإن ثبت مِن رواية الثقات فإنه لا يُقبل إن خالف القرآن أو القطعيات العقلية أو السنة الآكد ثبوتًا، ومِن هذا الباب ولج كثير من المنبهرين بالفلسفة الوافدة في زمن الجهمية والمعتزلة، والمنبهرين بالحضارة الغربية الحديثة في زماننا، وأرادوا أن يمرروا عقائد وأحكامًا تخالف الشرع مدعين أنها وردت في أحاديث تخالف العقل أو تخالف القرآن، وهي دعوى تصدر مِن غير منصف، ويتعامل معها بغير الطريقة التي بيَّنها الله -تعالى- بقوله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) (آل عمران:7).

والآية تأمر برد مثل هذه النصوص القرآنية وهي مما لا ينازع أحد في ثبوتها، ولكن عند تشابه معناها ترد إلى الراسخين في العلم، الذين يفسرون كل نص على ضوء النصوص الأخرى ولا يردون شيئًا مِن النصوص كتابًا كانت أو سنة، فإذا استحكمتِ المخالفة حَكَموا أن النص المخالِف لما هو أوثق منه مِن كل وجه هو وهمٌ مِن قائله وإن كان ثقة.

ومِن أمثلة ذلك: القضية التي شغـَّب بها "البحيري" كثيرًا، وهي زواج الصغيرة، فقد اعتبر العلماء قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) (متفق عليه)، ولكنهم لما ثبتَ لديهم تزويج أبي بكر عائشة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهي صغيرة، بعضهم بالغ في تضييقه وقال: هذا استثناء، "ومنهم ابن شبرمة مِن تابعي التابعين، وابن حزم مِن الأئمة، وعبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وابن عثيمين من المعاصرين -وهما ممن يوصفوا عند البحيري بأنهم وهابية!-".

وأما الجمهور فتوسعوا في الرخصة -وهذا هو واقع توصيفها الأصولي- فمنحوها كل أب كما هو مذهب مالك، وتوسع الشافعي أكثر فألحق به الجد، وانفرد أبو حنيفة بإعطاء هذا الحق لكل ولي للمرأة، ومع هذا نبَّه النووي بخطاب موجَّه إلى الولي -وليس إلى القاضي- بأن الأصل ما لم توجد حاجة أن ينتظر بلوغها، ومِن ثَمَّ إذنها.

وهذا هو بيت القصيد في الخلاف بين المذاهب الفقهية التي أبقتْ على ولاية الأب مصونة وغير منقوصة، وبين الاتجاه المعاصِر الذي يتجه إلى سحب كثير من صلاحيات الآباء وإحالتها للبرلمان كتشريع أو للقضاة في الأمور التقديرية، ولا شك أن الأب أكثر شفقة، وأن ترك الأمور التقديرية له أكثر مرونة ليبقى التشريع العام على أعلى درجة مِن المرونة واليسر.

على أن كثيرًا مِن المعاصرين يوافقون مِن حيث المبدأ على تقييد صلاحيات الولي متى شاع الفساد وُوجد التقصير مِن الآباء في رعاية مصالح البنات، ومِن ذلك: تقييد صلاحيتهم في نكاح الصغيرة، ولكن الذي نخلص به من هذا العرض أن العلماء أعملوا جميع النصوص على خلاف طريقة "البحيري"، ومَن نقلوا عنهم فإنهم يتسرعون في العدوان على نصوص صحيحة بدعوى وجود مصادمة متوهمة بينها وبين العقل أو بينها وبين القرآن أو بينها وبين سنة آكد!

وإننا متى فتحنا الباب ليكون التصحيح والتضعيف للعقل؛ فسوف يجرنا إلى الذوق، وهي من "المواطن النادرة" التي كان فيها "البحيري" صادقًا مِن أنه يريد التحاكم إلى "الذوق"؛ ومِن ثَمَّ تسقط كل قيمة ملزمة للشريعة، ويكون اتباع الهوى الذي ذم الله أصحابه فقال: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد:14).

ومما يدل على اتباع الهوى في ذات القضية التي اعتبرها البحيري "قضيته الأم": محاولة "تزييف" التاريخ، وتغيير سن زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- من عائشة ليوافق عادة عصور أخرى، كما اتبع "العقاد" صاحب أول محاولة لهذا التزييف طريقة اللجوء لطرح تواريخ بعضها مِن بعض ليصل بنا إلى سن كان مقبولاً -في زمن العقاد- وهو 12 سنة، بينما أعاد البحيري -ومَن نَقلَ عنه البحيري- الكرَّة، ومع ذات التاريخ ليصل به إلى 18 سنة؛ ليوافق آخر ما استقرت عليه الأمم المتحدة!

فإذا كان هذا هو فعل الأهواء في التاريخ الذي لا يَملك أي أحد حياله إلا روايته كما هو؛ فماذا سيفعلون بنا في التشريع متى رجعنا فيه إلى أهوائهم؟!

وبالإضافة إلى هذا؛ فإن دعوى اعتبار "العقل" و"الذوق" معيارًا للحكم على ما نُسب للنبي -صلى الله عليه وسلم- لن يَنتج عنه فقط استبعاد نصوص ثبتت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبالتالي انطبق عليها قوله -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر:7)، بل هذا المنهج سوف يفتح الباب أمام مرور الأحاديث الضعيفة "بل والموضوعة"؛ لأن البحيري ينادي بإسقاط قواعد القبول والرد التي اتفقت الأمة عليها، وينادي باعتبار الذوق وحده هو المعيار! ومِن ثَمَّ فلا عجب حينئذٍ أن يمر جمع كبير من الأخبار المكذوبة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم إن البحيري في دعوته تلك قد توهم أنه من جيل الصحابة أو التابعين -على الأكثر!-؛ فأخذ يقرر قواعد لقبول الحديث ورده، وكأن الأخبار ما زالت غضة طرية، والعهد ما زال قريبًا بزمان النبوة، وأما أن يأتي أحد بعد 1400 سنة، ويخترع لنا معيارًا جديدًا؛ فهو إما أن يبني على جهود أنكرها وسفهها، وإما أنه سوف يقضي على السنة بالضياع -والعياذ بالله-، وليضع لنا البحيري وغيره دينًا جديدًا يرضونه لنا.

3- هل السُّنة كُتُب تاريخ؟

دخل البحيري مع مناظريه في جدل في غاية الخطورة حول "البخاري" وغيره مِن كُتُب السُّنة: هل هي كتب تاريخ أم لا؟ وكم أشفقت على المشاهد المسكين حينما يتناظر الطرفان في قضية دون أن يوضحا للمعنيين بالمناظرة ما يسميه أهل العلم بـ"ثمرة الخلاف"، وهو ما أريد أن أوضحه للقارئ: فالسنة في اصطلاح أهل العلم هي: كل ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن قول أو فعل أو تقرير؛ فيدخل فيها سيرته ومغازيه -صلى الله عليه وسلم-، ولكن عمل الأمة منذ عصر الصحابة فمَن بعدهم قد استقر على الاهتمام بكل ما له جانب تشريعي؛ فاعتنى الصحابة بتحديث التابعين به، واعتنى التابعون بنقله إلى تابعيهم إلى أن دُونت سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، بينما لم يعتنِ الصحابة والتابعون في بداية الأمر ذات العناية بالسِّير؛ فتجد تواريخ الغزوات والوقائع المهمة يُروى فيها عدة تواريخ؛ لعدم ترتب تشريع عليها.

ثم جاء المحدِّثون فتركوا السير تعالَج بمنهج المؤرخين في التنقيح، وهو مدى منطقية الأحداث المروية، ومن النواحي الزمانية والمكانية، ومجمل الأحوال المعروفة عند كل شخصية، بخلاف السنة التشريعية والتي لم يقبلوا فيها إلا ما كان مِن رواية العدل الضابط عن مثله مِن غير شذوذ، ولا علة.

وكانت إحدى الثغرات حيث تسربت الروايات التي لا سند لها إلى كتب السيرة، ثم تسربت الإسرائيليات وتهاون العلماء معها مِن باب أنها من جملة التاريخ الذي لا حرج مِن التوسع في روايته، ثم جاء الزنادقة، وجاء المستشرقون، وجاء "البحيري"... وتعمدوا تصدير روايات كتب التفسير والسيرة غير المسندة وغير المنقحة مِن باب الطعن تارة -كما في قصة الغرانيق-، أو تقديمًا لها على الروايات المسندة المنقحة في بعض الأبواب التي لهم فيها هوى، ومنها: "صنيع البحيري في سن عائشة -رضي الله عنها-".

والخلاصة: أن كل معلومة يترتب على إثباتها عقيدة أو خطاب تكليفي فيجب أن يُطبَّق بشأنها قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات:6)، وما كان مما لا يترتب عليه عمل فيطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) (رواه البخاري)، وقوله: (لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلا تُكَذِّبُوهُمْ) (رواه البخاري)، وتطبيق هذا على عجائز المسلمين الذين بدأ ابن إسحاق جمعه للسيرة منهم مِن باب أولى، ذلك أن ابن إسحاق رأى أن جلَّ اهتمام التابعين وتابعيهم متجه إلى الأخبار التي يترتب عليها تشريع؛ فعمد إلى جمع الأخبار التي تمثـِّل تفاصيل السياق التاريخي للسيرة النبوية منهم، وتعامل العلماء معها بالطريقة المشار إليها آنفًا.

ثم إنه لما قلـَّتْ معرفة كثير مِن المثقفين "فضلاً عن العوام" بمثل هذه الأمور؛ توجهتْ همة كثير مِن العلماء للتنبيه عليها، وعلى رأسهم: الدكتور "محمد محمد أبو شهبة"، كما تفضل الدكتور أسامة الأزهري ببيان هذا في المناظرة، وبيَّن أن كتابات العلامة "أبو شهبة" في هذا الباب كانت بتكليف من "شيخ الأزهر" الأسبق الشيخ "عبد الحليم محمود" -رحمه الله-، كما توجهت همَّة بعض الباحثين إلى تأليف كتب للسيرة تجعل الروايات المروية بالأسانيد الصحيحة -لا سيما تلك الواردة في كتب الحديث- أصلاً، وتستكمل التفاصيل بباقي الأخبار الواردة في كتب السيرة، وممن اعتنى بذلك الدكتور "أكرم ضياء العمري" -حفظه الله-.

4- "هم رجال ونحن رجال":

"هم رجال ونحن رجال" قالها الإمام "أبو حنيفة" لينسف بها شبهة وجود كهنوت في الإسلام، وهي الشبهة التي يدندن حولها البحيري كثيرًا، والعجيب أن البحيري وأستاذته وموافقيه يُجمعون على أن الكهنوت موجود في النصرانية "حيث ادعاء العصمة للبابا وللمجمع المقدس-عندهم-، واحتكار تفسير الكتاب المقدس -عندهم-! بل واشتراط أداء عباداتٍ معينة عن طريق فئة محدودة في الكنيسة"؛ كل هذا ولا تتوافر همتهم إلى نقد تلك الفكرة أو مناقشتها في حين أنهم يرمون الأئمة بأنهم ابتدعوا كهنوتًا منذ القرن الثاني الهجري على حد وصف البحيري، وأن الأمة تواطأت على هذا نحوًا من 1200 سنة، حتى جاءنا هؤلاء الأشاوس لكي يهدموا لنا هذا الكهنوت، مع أنهم إذا أرادوا أن يستدلوا على أن الإسلام ليس فيه كهنوت فلا يجدون أوضح دلالة من قول الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- عن التابعين: "هم رجال ونحن رجال"، وقول الإمام مالك -رحمه الله-: "كل يؤخذ مِن قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، يعني النبي -صلى الله عليه وسلم-"، وقول الإمام الشافعي -رحمه الله-: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"، وقول الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ مِن حيث أخذوا".

على أن أبا حنيفة -رحمه الله- قال هذا الكلام في مواجهة مَن أراد أن يمنعه مِن الاجتهاد أمام اجتهاد التابعين، ولكنه لم ينكِر ضرورة أن يحمل هذا العلم كل جيل عن الذي قبله كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني)، أي العلماء الأثبات الذين تَرضى الأمة عدالتهم.

كما أن أبا حنيفة -رحمه الله- شأنه شأن كل أهل السنة يرى الإجماع حجة، كما أنه يرى أن هناك أدواتٍ للفهم لا بد وأن يحصِّلها الإنسان حتى يكون مجتهدًا، وقد أحسن الدكتور أسامة الأزهري حينما قارن بينه وبيْن أُطروحات عانى منها المجتمع كله وأنَّ، وذكر منها نموذج "سيد قطب"، على أن استعمال قاعدة: "هم رجال ونحن رجال" جاءت في أفدح صورها على يد "شكري مصطفى" مؤسس جماعة التكفير والهجرة في جانب، و"جمال البنا، والبحيري" ومَن وافقهم في جانب؛ ولذلك أصاب الشيخ "الجفري" حينما قال: "إن فكر البحيري وداعش وجهان لعملة واحدة، ومع التضاد الذي بينهما إلا أنهما انطلقا من آفة واحدة!".

وبصفة عامة فإن هذه المناقشة التي جرت مع إسلام البحيري تدل على أمرين:

1- أنه لا بد لهذا العلم مِن أدوات.

2- أنه لا يوجد كهنوت في الإسلام، فالعالِم الذي حصَّل هذه الأدوات سوف يشرح لنا فهمه وفق الأدلة والقواعد والأصول؛ حتى إنه يمكن لعالِم أن يتحمل مناقشة مَن هم على طريقة البحيري في "البحث" التي هي أقرب إلى "العبث!".

5- هل البحث العلمي الشرعي حكر على "الأزهر"؟

دائمًا ما نسمع خطابًا متشددًا جدًّا في هذا الباب مِن أنصار البحيري، ومِن ضرورة منع غير الأزهريين من الدروس والخطابة "وكل صور الدعوة إلى الله!"؛ إلا أنهم فجأة وجدناهم يتحدثون عن الباحث الإسلامي "المستنير!" إسلام البحيري الذي صحَّح للأمة خطأ ألف عام كما وصفه "جمال البنا" قبل وفاته!

ولكن الذي مثـَّل مفاجأة لي أن يسأل الأستاذ "خيري رمضان" -بصورة بدت لي استنكارية-: "هل نحن نبحث عن ختم الأزهر"؟!

ومع أن الإجابة -في هذه المرة- جاءت منضبطة مِن أن العلوم الشرعية علوم لها منهجية معينة؛ مَن درسها اُعتبر وإن لم يكن معه "الختم"، لكننا نود أن يثبت الجميع على هذا الطرح الوسطي.

على أننا نضيف إليه أمرين مهمين:

الأول: أنه إذا اقتضت الضرورة تطبيق مذهب بعينه في الشأن العام؛ فالمرجع فيه إلى "هيئة كبار العلماء" في الأزهر كما نص على ذلك الدستور ومضابطه، وهذا يختلف عن منع أي باحث مِن طرح بحوثه ومنهجه المنضبط بالمنهجية العلمية.

الثاني: أن الدعاة غير الأزهريين يجب أن يتعاونوا مع الأزهر ويكملوا دوره، كما يجب على الأزهر أن يحتضنهم بصفة المؤسسة الأم طالما التزموا بالمنهجية العامة وتجنبوا العنف والتكفير، وما أحسن ما يردده الإمام الأكبر "أحمد الطيب" مِن أن أهل السنة عنده تشمل الأشاعرة والماتريدية وأهل الحديث، وهذه درجة انفتاح مقارنة بطرح الكثير مِن الأزهريين مع أن هذه المناهج الثلاث تتنازع فيما بينها في مَن أحق بوصف السُّنة والجماعة "وبطيعة الحال ومِن وجهة نظري أن أهل الحديث هم مَن يملكون أسانيد صحيحة بتفاصيل منهجهم إلى القرون الثلاثة الفاضلة: الصحابة والتابعين وتابعيهم"، إلا أن هذه الدرجة مِن الانفتاح لتلك الجامعة العريقة قد تضع كثيرًا مِن الأمور في نصابها.

على أن أحد أبرز مجددي المنهج السلفي وهو شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- سبق ووقف مِن الأشاعرة -رغم خلافه معهم- وكذلك معتدلي الصوفية موقفًا في غاية الإنصاف؛ فأثنى على الأشعري والبقلاني والغزالي وغيرهم مِن أئمة الفقه الذي لم يمنعه خلافه معهم في الاعتراف بإمامتهم في الفقه.

6- "ابن تيمية" غصة في حلق أعداء السُّنة، وثناء الشيخ "محمد عبده" عليه:

ابن تيمية رجل رحل عن عالمنا منذ سبعة قرون تقريبًا، ومع هذا فالجميع يظنه حاضرًا معنا؛ لكثرة ما ترك مِن تراث، ولا يكاد يوجد مِن العلماء الصادقين مَن يجحد فضله حتى ممن يخالفه في مسائل كثيرة كالشيخ "محمد عبده" -رحمه الله-، ومِن عجيب أمر "البحيري" و"إبراهيم عيسى" ومَن على شاكلتهم أنهم دائمًا ما يحاولون نسبة أنفسهم إلى الشيخ "محمد عبده" -رحمه الله- ظنـًّا منهم أن أفكاره متطابقة مع باطلهم!

ولا أظنهم يعلمون كل تراث الرجل؛ وإلا فهو يخالفهم في أكثر مواقفهم "ومنها موقفه مِن شيخ الإسلام ابن تيمية"، وانظر إليه ماذا قال عن هؤلاء الذين يقعون في ابن تيمية -رحمه الله-؟

قال الشيخ "محمد عبده": "قال قوم يعدون أنفسهم مسلمين في ابن تيمية -وهو أعلم الناس بالسُّنة وأشدهم غيرة على الدين-: إنه ضال مضل! ثم جاء على إثر هؤلاء مقلدون يملئون أفواههم بهذه الشتائم وعليهم إثمها وإثم مَن يقفوهم بها إلى يوم الدين" (كتاب الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية للشيخ محمد عبده، ط مؤسسة هنداوي ص132).

استطراد: "إبراهيم عيسى يسب الأزهر مِن أجل الثناء على ابن تيمية!":

مِن النقل السابق تَعلم أن تقدير الأزهر لشيخ الإسلام ابن تيمية ليس وليد العشرين سنة الأخيرة، ولم يكن ممن تكلم به مِن العلماء الأزهريين -وهم كثر- بسبب "إنه بيجيب فلوس كتير!" على حد ما تفوه به "إبراهيم عيسى"، بل كان إقرارًا للرجل بعلمه وفضله.

وقد كتب له العلامة "أبو زهرة" ترجمة حافلة تمم بها سلسلة تراجمه للأئمة الخمسة الكبار "الأربعة وابن حزم"، ومِن قبله كانت هذه هي شهادة العلامة "محمد عبده" له.

ولا أدري: مَن يوقف هذه البذاءات التي تجمع بيْن شذوذ الفكر وبذاءة اللسان، وكلاهما ممنوع شرعًا وقانونًا؟!

فائدة: "الشيخ "محمد عبده" يدافِع عن تطبيق حد الردة على الحلاج":

وهذا الدفاع في ذات الكتاب الذي يمثـِّل مساجلة بيْن الشيخ "محمد عبده" وبين "هاناتو" -وزير خارجية فرنسا آنذاك- في ذات القضايا التي أثارها المستشرقون والمحتلون -وما زال أفراخهم يثيرونها إلى الآن- مِن الادعاء بأن في الإسلام أحكامًا تعارِض حرية العقيدة! وهذا ما قاله "هاناتو" واستشهد بقتل "الحلاج"، ورغم أن الشيخ "محمد عبده" كان في موقف المدافِع؛ إلا أنه لم يَفعل ما يفعله هؤلاء المنتسبون إليه زورًا، وإنما أقر في الجملة بتطبيق حد الردة على مثل الحلاج، وإن كان قد برره بضره على العامة، وهو أمر لا يكاد ينفك عنه مجاهِر بردته.

فقال الشيخ محمد عبده -رحمه الله-: "يقول آخرون: إن في التاريخ المروي لنا أن بعض أرباب الأفكار قد أخذه السيف لغلوه في فكره، فلم يترك له من الحرية ما يتمتع به إلى منتهى ما يبلغ به! وليس يصح أن يُنكَر ما صنع الخليفة المنصور وغيره بالزنادقة. وأقول: إن كثيرًا مِن الغلو إذا انتشر بيْن العامة أفسد نظامها واضطرب أمنها، كما كان مِن آراء الحلاج وأمثاله، فتضطر السياسة للدخول في الأمر لحفظ أمن العامة، فتأخذ صاحب الفكر، لا لأنه تفكر، ولكن لأنه لم يُرِد أن يقصِر حق الحرية على شخصه، بل أن يقيد غيره بما رآه مِن الحرية لنفسه، مع أن غيره في غنى عما يراه هو حقـًّا له، وتُخشى الفتنة إذا استمر مدعي الحرية في غلوه؛ فلهذا يرى حفاظ النظام أن أمثال هؤلاء يجب أن ينقـَّى منهم المجتمع؛ صونًا له عما يزعزع أركانه.

ونحن نرى الفلسفة اليوم تضطهد الدين هذا الضرب من الاضطهاد؛ ألم تقضِ الحكومة الفرنسية على الراهبين والراهبات أن تكون جمعياتهم ومدارسهم تحت سيطرة الحكومة، وألا ينشأ شيء منها إلا بإذن مِن الحكومة؟! ومن لم يخضع لذلك تنحل جمعيته، وتقفل مدارسه بقوة السلاح، وقد ينفَى مِن البلاد كما نُفي كثيرون في سنين سابقة.

ولكن هل يسمى هذا اضطهادًا؟!

كلا، إنما الاضطهاد حق الاضطهاد هو اضطهاد محكمة التفتيش، واضطهاد رؤساء الإصلاح بعدها في أول نشأتهم!" (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية للشيخ محمد عبده).

فائدة: "الشيخ الجفري وابن تيمية":

وكأني بالشيخ محمد عبده -رحمه الله- يعني "البحيري وإبراهيم عيسى" حينما يتحدث عن هؤلاء المقلدين الذين يرددون شتائم لابن تيمية والذي وصفه بأنه أعلم الناس بالكتاب والسنة وأكثرهم غيرة على الدين.

وقد أحسن الشيخ "الجفري" في دفاعه عن ابن تيمية ردًّا على "بذاءات البحيري"، فقال كلامًا قريبًا مِن هذا؛ إلا أنه استثنى موضوعات لم يكن موفـَّقـًا فيها -فيما نرى-، منها:

- "أبواب القتال": ولعل الذي ينكرونه على "ابن تيمية" تأصيله لقتال الطائفة الممتنعة؛ فإن كان كذلك فتحت أي مبرر شرعي قاتلت الدول العربية الحوثيين في اليمن؟!

أم تراهم ينكِرون عليه فتواه في لزوم القتال مع المماليك -مع ما فيهم مِن ظلم- أمام التتار؟! وهي الفتوى التي تؤصِّل لمسألة الحفاظ على الجيوش المدافعة عن الحدود وإن وُجد ظلمٌ مِن الحكومات، وبسببها يَتهمُ الثوريون الجدد تلاميذَ مدرسة ابن تيمية بالتخاذل!

- كما استثنى الجفري "أبواب الإيمان!": ومِن المعلوم أن ابن تيمية لم يكفـِّر إلا الكفار الأصليين -وهذا إجماع-، ولم يكفر مِن المنتسبين إلى الإسلام إلا الطوائف المصرِّحة بعقائد مضادة صراحة للشهادتين: كالعلوية، والنصيرية الذين يقولون بأن الإله يحل في حاكم الزمان!

وكنا نتمنى أن يرد "الجفري" على "البحيري" تكراره أن مِن أخطاء ابن تيمية تكفير النصيرية، وأن يعتذر كل مَن خالف ابن تيمية في شأن هؤلاء بعد ما رأى مذابح النصيرية في شعب سوريا الذي يحكمونه، والكفريات التي أتى بها الشبيحة علنًا وعلى الهواء!

- وأما الشيعة الاثنى عشرية: فإن "ابن تيمية" على الرغم مِن حملته عليهم؛ إلا أنه لم يكفـِّر إلا مَن تمسك بعقيدة كفرية كالقول بأن القرآن محرف وغيرها، وأما مَن لم يظهر ذلك فلم يكفره.

- وأما الصوفية: فقد دافع عن أبي اليزيد والجنيد وغيرهما، ولم يكفر إلا مَن قال بالحلول والاتحاد، وبالمعنى الشركي الصريح حتى قال قائلهم: "وما الكلب والخنزير إلا إلهنا!"، وقد تقدَّم تأييد الشيخ "محمد عبده" -رحمه الله- لقتل الحلاج.

- وأما الأشاعرة: فمع أن مَن عاصر "ابن تيمية" منهم سعى في سجنه، ومَن تأخر منهم كالجفري نسب إليه التجسيم وهو منه بريء؛ إلا أنه دافع عنهم، ووقف في وجه السلطان حينما أراد قتلهم! وملأ كتبه نقولاً عن أئمة الفقه منهم.

وقد سبق أن ذكرنا أن الشيخ "أحمد الطيب" لا يرى أن مذهب أهل الحديث الذي نصره "ابن تيمية" تجسيمًا، وإنما يرى أنه داخل في الجملة ضمن مذاهب السنة، ويبقى الحوار بيْن أهل الحديث والأشاعرة والمناظرة العلمية قائمة دون أن نحابي هادمي السنن ومفسدي الشرائع.

- وختامًا نقول: ليت أن شيخ الإسلام "ابن تيمية" قد نال مِن "الجفري" عشر سعة الصدر التي أعطاها لمخرفٍ كالبحيري!

7- متفرقات:

- في المقاطع التي سمعتها للبحيري دائمًا ما يقول: "الرسول"، ولا يصلي عليه -صلى الله عليه وسلم-؛ فضلاً عن تركه الترضي على الصحابة -رضي الله عنهم-، وأما العلماء؛ فهم عنده على ما عرفتم، وهذا مِن محق البركة وسوء الأدب؛ فإن سوء الأدب مع العلماء فرع على سوء الأدب مع الصحابة، وكلاهما فرع على سوء الأدب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!

- في محاولة منه لتعميم سبّه لكل التراث؛ فإن البحيري يدَّعي في كل المسائل التي ينتقدها أنها مجمع عليها، ومنها: "جواز نكاح الصغيرة"، وربما يكون معذورًا في هذه، ولكنه لو اطلع لوجد أن هذا الادعاء لم يمنع مَن ترجح لديهم خصوصية هذا الحكم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتمسكوا بمذهب "ابن شبرمة"، وقد سمينا منهم: ابن حزم، والمعلمي اليماني، وابن عثيمين مِن المعاصرين -وهما ممن يلصقهما البحيري بالوهابية المتشددة بزعمه!-.

- وفي سبيل ذلك: ادعى الإجماع على أن مَن ترك صلاة واحدة قد كفر، ومر هذا القول على الشيخين في زحمة أقواله، وفي الواقع أن الأئمة الثلاثة "عدا أحمد" لا يكفـِّرون تارك الصلاة، وأن للإمام أحمد روايتين، والمختار عند ابن قدامة -رحمه الله- الراوية الموافقة للجمهور، وإن كان متأخرو المذهب يختارون الأخرى، وأما ابن تيمية -رحمه الله-؛ فله مذهب وسط هو أقرب لمذهب الجمهور -فيما نرى-، وليس هذا مقام تفصيله، والشاهد أن أكثر العلماء على عدم تكفير تارك الصلاة كفرًا مخرجًا مِن الملة.

- ينادي البحيري بفتح باب الاجتهاد ثم يرتدي غاية ثوب التشدد مِن باب تهييج الحكام على الإسلاميين مِن أنهم لا يرون الحكام المعاصرين ولاة أمور! وقد ردَّ عليه الشيخ الجفري بأن أهل السنة يرون إمامة المتغلب، وهذا صحيح، ولكن القضية التي استجدت هو أن واجبات الإمام التي كانت منوطة به كتب السياسة الشريعة قد أصبحت اليوم موزعة بيْن مؤسسات وسلطات ثلاث وفق الدساتير المعاصرة؛ فلا يجوز لحاكم أن يتجاوز صلاحياته الدستورية استنادًا إلى صلاحيات الإمام في كتب السياسة الشرعية، حيث أصبحت الدساتير عقدًا بينه وبين الأمة؛ ومِن هنا يتضح مَن الذي ينادى بالجمود؟! ومَن الذي يدعم الاستبداد؟! ومَن الذي يتعامل مع النصوص بانتقائية؟!

- عتاب أخير للأستاذ "خيري رمضان": تحمَّل الأستاذ "خيري رمضان" عناء إدارة مثل هذه المناظرة، وعبَّر بدرجة جيدة عما يمكن أن يكون رأي رجل الشارع، ولكنه وبعد أن بيَّن له الشيخ "الجفري" الأسباب التي من أجلها أعطى الشرع للأب استثناء زواج أبنائه الصغار، قال: إذن هذا يختلف عما كان الإخوان والسلفيون يريدون فعله في دستور 2012م، وكأن السلفيين كانوا يريدون جعل نكاح الصغيرة أصلاً يُدعى إليه ويُنافح عنه! وهذا غير صحيح، وإنما كان المقصود إبقاء الرخصة في يد الأب تيسيرًا على مَن احتاج إليها.

على أن قضية زواج الصغيرة "نظرًا للتغيرات البدنية والنفسية في هذا الزمان" تقريبًا لم يعد لها حاجة، وإنما المشكلة في تحديد سن يمثـِّل الحد الأدنى للزواج، مع العلم أن البلوغ يحدث عادة في بلادنا قبله، ومع هذا مررنا هذا الأمر لوجود وجه له في الشريعة.

وقد ثار هذا الأمر حينما حاولت الدولة العثمانية وضع حد أدنى لسن الزواج؛ فأيده بعض علماء الأزهر، ومنهم الشيخ "الخضري" -رحمه الله-، وعارضه -وبقوة- معظم علماء الأزهر، وعلى رأسهم: العلامة "محمد بخيت المطيعي" شيخ الأحناف في زمانه، وممثل الأزهر الوحيد في لجنة دستور 1923م، وصاحب اقتراح مادة: "الإسلام دين الدولة" التي تضمنها هذا الدستور.

وأنا أدعو الأستاذ "خيري رمضان" إلى أن يجرى تحقيقًا ميدانيًا في الريف المصري حول الآثار الاجتماعية المدمِّرة لرفع سن زواج الفتيات من 16 إلى 18.

بل إننا نتساءل: هل مِن حقوق الإنسان أن تمنع إنسانًا نضج بدنيًّا واستقل ماليًّا "ويحدث هذا في البادية المصرية قبل سن الـ 18 أحيانًا" مِن تلبية حاجاته الطبيعية؟! وأهم مِن ذلك: إذا كان خالقه -عز وجل- قد أذِن له؛ فبأي حق تمنعه؟!

علمًا بأن الدول التي نقلنا عنها هذا التشريع تمنح الحرية الجنسية في سن مبكرة، وتؤجِّل حق تكوين الأسرة لسن الـ18، وأما في الإسلام فلا يمكن قضاء الشهوة إلا مِن خلال هذا الزواج؛ إذن فالقضية الأكثر إلحاحًا هي إلزام الجميع أن ينتظروا الحد الأعلى للبلوغ حتى وإن وُجدت لديهم دواعي الزواج وتيسرت أسبابه!

وقد استندت اللجان التشريعية المتعاقبة على سن مثل هذه القوانين على وجه في مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، وقد ذكرنا اعتراض شيخ الأحناف في عصره على هذا المبدأ وردَّه على المخالفين كما دونه العلامة "محمد رشيد رضا" -رحمه الله- في "مجلة المنار".

نسأل الله أن يهدينا إلى ما اُختلِف فيه مِن الحق بإذنه.