إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 14 يوليه 2013 - 6 رمضان 1434هـ

لـعـبـة رمـضـان

كتبه/ إيهاب الشريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي زحمة الروتين والانشغال عن فهم وتعلم الدين قد تغيب بعض المعاني التربوية عن الكثيرين، وتتحول إلى عادات في كثير من الأحايين، ومِن ذلك ما أعنيه بـ"لعبة رمضان"، ففي هذه الأيام تنتشر فوانيس رمضان في الأسواق، ونحن نعلم مدى تعلق الأطفال بها -لستُ أعني الفوانيس بعينها، بل كل لعبة مباحة تصلح لهذا الغرض، مع الانتباه لخلوها مِن المخالفات الشرعية: كالموسيقى-... فهل لها أصل شرعي؟ وهل من الممكن توظيفها تربويًّا؟

لعل حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ -رضي الله عنها- يصلح ليكون أصلاًَ لذلك، تقول -رضي الله عنها-: "أَرْسَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: (مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ). قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ" (متفق عليه)، وفي لفظ: "فَإِذَا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أَعْطَيْنَاهُمْ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ" (رواه مسلم).

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله- معلِّقًا: "وفي الحديث حجة على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام؛ لأن مَن كان في مثل السن التي ذكر في الحديث فهو غير مكلف، وإنما صنع لهم ذلك للتمرين".

وبداية لابد أن نعلم أن الصيام ليس بواجب على الصبيان -من دون البلوغ-، ولكن يستحب تمرينهم عليه إذا أطاقوه ليعتادوه، وقاسه العلماء على الصلاة فيؤمر به الصبي المطيق لسبع، ويضرب عليه لعشر، وكلاهما عبادة بدنية، ولكن لأن الصوم أشق اعتبرت فيه الإطاقة.

يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "صيام الصبي ليس بواجب عليه، ولكن على ولي أمره أن يأمره به ليعتاده، وهو في حقه سنة وله أجر الصوم، وليس عليه وزر إذا تركه".

ونلحظ في حديث الرُّبَيِّعِ -رضي الله عنها- شيئًا من فقه الصحابة ومعرفتهم بطرائق التربية: فهم يرغِّبون الأبناء في الصيام بأخذهم معهم أولاً؛ ليكون لهم نوع من التلهي عن الطعام، فإذا تذكره الصبي وبكى كانت ثَمَّ وسيلة أخرى، وهي: "لعبة رمضان"؛ تلك اللعبة التي كانوا يصنعونها من الصوف، ثُم لا يعطونها له ابتداءً، بل عندما يبكي على الطعام أو يسأل الطعام.

تقول: "حَتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُمْ"! إنها قمة الرحمة وحسن التربية للصبيان؛ إذ يحببهم ذلك في العبادة ويعودهم إياها، فينشئون على التعلق بها والمداومة عليها، فيكون ذلك وقاية لهم مِن النار، يحققون بذلك قوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم:6)، قال علي -رضي الله عنه-: "علموهم وأدبوهم".

فليس كما يظن البعض أن الرحمة في منع الصبيان الصيام شفقة عليهم ولما يُدرَّبون على الصيام، وحينها ينشأ الفتيان على التهاون بالطاعات، ينشأ الفتيان على دنو الهمة، على داء الاستسهال وضعف الإرادة والعزيمة.

إن البعض ربما رأى بكاء الصبي فسارع إلى تفطيره، وهذه ليست طريقة الصحابة، بل يبكي الصبي الطعام فتكون اللعبة وسيلة الإلهاء والإشغال حتى يتم الصيام إن استطاع، ومن البديهي أن نقول إن ضابط ذلك عدم المشقة ولحوق الضرر بهم، فإن كان فحينها لا يُلزمون به.

يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "ولكن إذا كان يشق عليهم أو يضرهم فإنهم لا يلزمون بذلك، وإني أنبِّه هنا على مسألة يفعلها بعض الآباء أو الأمهات، وهي: منع صبيانهم من الصيام على خلاف ما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يفعلون، يدَّعون أنهم يمنعون هؤلاء الصبيان رحمة بهم وإشفاقًا عليهم! والحقيقة أن رحمة الصبيان أمرهم بشرائع الإسلام وتعويدهم عليها وتأليفهم لها، فإن هذا بلا شك من حسن التربية وتمام الرعاية" اهـ.

إن مدرسة رمضان مدرسة تربوية، وفرصة عظيمة وفريدة لتعويد الأبناء على أداء الصيام خاصة، وتعاليم الإسلام عامة: كالصلاة، وقراءة القرآن، وحسن الخلق، واحترام الوقت، والنظام.. وكلها لها ارتباط ظاهر بالصيام وبرمضان، فالفرصة مواتية لغرسها في نفوس وقلوب الأبناء؛ سيما والنفوس مقبلة على الطاعة محبة لها، فلعل "قصة قبل النوم" تكون هذه الأيام أهم وأولى من غيرها، مع وضع جدول وبرنامج لغرس هذه القيم وغيرها... ولأن حديثنا يتركز على الصيام فلن نتوسع فيما سواه، فنقول:

الصوم عبادة روحية جسدية يستفيد الطفل منها الكثير مِن الفوائد، منها:

1- يتعلم منه الإخلاص لله -تعالى-، ويتدرب على مراقبته في السر والعلن.

2- بالصوم تقوى عزيمة الطفل وإرادته بحيث يتحكم في نفسه فيبعدها عما يضرها؛ إذ أنه يمتنع عن الطعام والشراب طواعية وبغير رقيب.

3- بالصيام يتخلص الطفل مِن الأنانية والأثرة، ويتعود الصبر والإيثار.

4- بالصيام تتضح معاني أمة الجسد الواحد إذ معًا نصوم، ومعًا نُعيِّد إلا ما كان في اختلاف في الرؤية، لكن الأمة إجمالاً تجتمع على طاعة واحدة في وقت واحد كل عام.

5- بالصيام يترقى شعور الأطفال فيشعرون بألم الجوع والعطش الذي يشعر به أطفال المسلمين في كثير مِن بقاع الدنيا: كـ"بورما"، وغيرها... (فليستغل الآباء هذه المناسبة لبيان نعم الله علينا في تيسير الطعام والشراب، وأهمية التكافل فيما بيننا ولو بجمع اليسير من المصروف اليومي؛ لإيصاله لإخوانه هناك).

6- يتعود الطفل احترام الوقت وحب النظام ودقة المواعيد، فالفطر له وقت محدد، وكذا الإمساك.

7- يتعلم أحكام وآداب الصيام وسننه بطريقة عملية، وهي أفضل طرق التعليم.

8- يغرس الصيام في نفس الطفل معالم منهج الثواب والعقاب فهو يعلم أنه إذا صام يثاب؛ لأنه أطاع الله، وإن كنا لا نصرح له بالعقوبة طالما لم يكن من أهلها، بل نركز على الإثابة، أما مع الكبير فنجمع بينهما.

9- يتدرب الأطفال على الكثير من الأعمال الدعوية في موسم رمضان: كتجهيز إفطارات الصائمين، وتوزيع المساعدات على المحتاجين، وغير ذلك... مما ينمي فيهم الحس الدعوي، وحب البذل، وينبغي على أئمة المساجد الانتباه لهذا المعنى.

10- الصوم مع كونه عبادة وقربى فهو وقاية وشفاء للكثير مِن الأمراض، وفيه من أوجه الإعجاز الشيء الكثير، ولا مانع من لفت أنظار الأطفال لشيء من ذلك مع التركيز على جانب التعبد.

من هنا رأينا الإسلام يحرص على تدريب الأطفال على الصيام حتى يعتادوه ويحبوه -كما رأينا في حديث الرُّبَيِّعِ-، وهم وإن كانت وسائلهم قليلة، لكنهم ربوا جيلاً فريدًا قلَّ أن يجود الزمان بمثله.

أما نحن ففي أيامنا الكثير من الوسائل التي تيسر علينا تعويد الأطفال على الصيام؛ ذلك لانتشار وتطور وسائل الترفيه والترويح، مِن ألعاب، وقصص مصورة "كرتون"، ومطبوعات جذابة، ودورات تعليمية مفيدة، وغير ذلك الكثير... والكثير.

ولو أردنا أن نذكر عدة وسائل لتعويد الأطفال وتحبيبهم في الصيام فنقول:

1- استخدام أسلوب الترغيب ببيان فضائل الصيام وثوابه، وما أعده الله -تعالى- للصائمين في الجنة؛ مما يجعل الطفل يحب الصيام ويتعلق به.

2- قد يكون المنع سببًا للتعلق والحب، بمعنى أن الطفل ربما يطلب من والديه الصيام عندما يسمع بفضله ويعلم بقرب شهر رمضان، فقد ينفع أحيانًا أن يصرح له الآباء بأنه ما زال صغيرًا، ولا يستطيع الصيام؛ فيتمسك الطفل به، ويريد أن يثبت لهم أنه قادر على الصيام -هذا في حالات خاصة-.

3- ربط الطفل بأقرانه في المسجد ودار التحفيظ والجيران الذين يصومون، وتحديثه عنهم، وكيف أن آباءهم كافئوهم على الصيام.

4- لا مانع من رصد هدية كبيرة للطفل إذا صام؛ خصوصًا في المراحل الأولى التي ربما لا تكون واضحة لديه معاني الاحتساب، سواء كانت هدية يومية أو شهرية في عيد الفطر.

5- تنظيم مواعيد الطفل مع إتاحة الفرصة له لينام نهارًا مع المحافظة على الصلاة حتى يخف عليه الشعور بمشقة الصيام.

6- حسن الإعداد لاستقبال شهر رمضان، وكثرة الحديث عنه قبل قدومه وذكر ما فيه من مظاهر الفرحة والسعادة -والتي منها لعبة رمضان-؛ كي يترقب الأطفال قدومه ويتلهفون على صيامه.

7- شغل أوقات الطفل نهارًا بالبرامج المفيدة والأعمال النافعة حتى يمر الوقت سريعًا دون أن يشعر بالجوع.

8- عدم التضييق على الطفل وإلزامه بما لا يجب عليه: ككثرة تلاوة القرآن، وإنما يرغب ويحفز ويشجع على ذلك، ولو بالمنافسة والمسابقة بينه وبين أقرانه أو إخوانه، ورصد هدية لمن يتم المصحف كله أو الأكثر قراءة، وبغير إلزام ولو كان بالاستماع لبعض القُراء -إن كانت القراءة تصعب عليه-.

9- تنظيم وقت الطفل نهارًا بين النوم والألعاب عند الحاجة كما رأينا في حديث الرُّبَيِّعِ: "وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ"، أو الأنشطة الأخرى حتى لا يشعر بمرور الوقت.

10- قد يستطيع الطفل صيام نصف النهار فينبغي أن يثاب على ذلك ولا يلام، طالما لم يكن الصوم واجبًا عليه ولم يستطع إكمال اليوم، بل يقال له: غدًا تزيد وتكمل -إن شاء الله-، أو السنة القادمة، وهكذا...

ومِن المفيد أن يوضع للطفل برنامج ينظم وقته في رمضان، ومِن ذلك:

1- تعويد الأطفال الصلاة في المسجد وتعليمهم آداب المساجد، مع التنسيق مع إمام المسجد أو غيره؛ للترحيب بهم وتشجيعهم على ذلك.

2- مسابقة رمضانية لحفظ سورة مِن القرآن أو أكثر.

3- مسابقة رمضانية يومية تتناسب مع سن الأطفال، مع ذكر ما يشجعهم على الصيام.

4- حفظ حديث نبوي كل يوم أو عدة أحاديث حسب حال الطفل.

5- "حدث في رمضان" سلسلة بطولية وتاريخية ينبغي أن تُلقى على مسامع الأطفال في رمضان، في المنزل أو في المسجد، وكيف ارتبط رمضان بالنصر والفتوحات؟ وغير ذلك... فينتظرها الأولاد يومًا بعد يوم، مع الثناء على الصوّام دومًا.

6- إشراك الأطفال في أنشطة المسجد الدعوية: كالمجلة، أو إفطار الصائمين، وغير ذلك... ولربما استغرق ذلك من العصر إلى المغرب مثلاً فلم يشعرواً بالجوع.

7- جمع الأطفال على مقرأة قرآنية للحفظ أو التلاوة أو لتدريس بعض المعاني الإيمانية، أو لتعليم بعض أحكام التجويد وحسب سنهم.

8- إشراك البنات في إعداد طعام الإفطار، وتحديثهم عن النية في ذلك، وأن مَن فطر صائمًا كان له مثل أجره.

9- إعداد وجبات لتفطير الصائمين وإرسال الأطفال بها إلى المساجد أو بعض مناطق مرور الناس قُبيل المغرب، وتحديثهم عن فضل ذلك، فإن لم يتيسر فبعض التمر أو العصائر.

10- الاعتناء والاهتمام بـ"لعبة رمضان"؛ لكسر حدة الجوع، وعند الحاجة.

11- الاهتمام بوجبة السحور وتأخيرها، مع ذكر ما ورد في الشرع حول فضل السحور، وتكراره على مسامع الأطفال يومًا بعد يوم، وسؤالهم وإثابتهم على ذلك.

12- مسابقة الطفل المثالي في رمضان... في الصيام، في التلاوة، في عمل الخير، ومِن الممكن أن ينظم ذلك مسجد الحي.

13- لا مانع من تعليق بعض الزينات فرحًا بقدوم رمضان وابتهاجًا به.

14- متابعة الأطفال في صلاة القيام -للمستطيع منهم- بجعل مكان خاص لهم في المسجد وبعض الشباب يتابعونهم في ذلك، وتربيتهم على ما ورد في فضلها "وبدون إلزام".

15- تيسير الاعتكاف للمريدين منهم وبرفقة مأمونة -ويفضل أن يكون ممن لهم أبناء-، وفي مكان مناسب أو خاص بهم في المسجد؛ كي لا يشوشوا على الكبار في اعتكافهم، وإلا فالأفضل أن يسمح لهم بالاعتكاف الجزئي فقط، وقد تكون هناك برامج أخرى يراها الآباء أو المربون حسب واقعهم وحالهم.

وختامًا:

أيها الآباء... أيها الدعاة... إن الأبناء أمانة في أعناقكم، وهم قادة المستقبل وأئمته ودعاته، فاحفظوا أمانتكم ولا تضيعوها، فما من راع يسترعيه الله رعية لا يحطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة، ولنتذكر دومًا أننا في التربية والتعليم والمتابعة، والسهر على ذلك في عبادة، وعلى طريق إقامة العبودية لله -تعالى- في قلوب الأبناء، وخيرهم يعود علينا أولاً ثم على الأمة، ولنتذكر أيضًا الخطر البالغ في إهمالهم.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: "فمن أهمل في تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم مِن قِبَل الآباء وإهمالهم إياهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوا آباءهم كبارًا".

ولا تنسى: (أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم).

نسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وأن يصلح أبناءنا وأبناء المسلمين.