إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 22 نوفمبر 2012 - 8 محرم 1434هـ

فوائد من حديث عاشوراء

كتبه/ عبد القادر عمر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي الصحيحين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟)، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) (متفق عليه).

وفي هذا الحديث العظيم فوائد وعبر نستخرج بعضًا منها -بإذن الله-:

1- أرسل الله رسوله موسى -عليه السلام- إلى فرعون بعد ما طغى وتجبر وادعى الألوهية فقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص:38)، بل وادعى الربوبية فقال: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) (النازعات:24)، فدعاه موسى -عليه السلام- فقال: (هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) (النازعات:18-19)، وأراه موسى -عليه السلام- المعجزات الباهرات من تحول العصا إلى حية عظيمة وإدخال اليد في الجيب تخرج بيضاء من غير سوء، وغير ذلك من الآيات، ولكن ظل فرعون على كفره وعناده وتجبره، بل وأعد العدة لإخراج موسى وبني إسرائيل من مصر فحدث ما حدث وأغرق الله فرعون وقومه وأنجى موسى وقومه، فصام موسى -عليه السلام- هذا اليوم شكرًا لله -تعالى- وهذا يدل على أن شكر الله -سبحانه وتعالى- يكون بطاعته، قال الله -عز وجل-: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ:13).

وها هو نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه أي تتشقق من طول القيام، فتسأله أمنا عائشة -رضي الله عنها-: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: (أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا) (متفق عليه)، فدل هذا على أن الشكر يكون بالعمل.

2- هلاك الطواغيت نعمة ومنة عظيمة من الله -تبارك وتعالى- تحتاج إلى شكر، فهلا شكرنا ربنا -سبحانه وتعالى- أن أزاح عنا هذا النظام الغاشم فطبقنا شرع الله -تعالى- اقتداءً بموسى -عليه السلام- عندما صام يوم عاشوراء شكرًا لله -عز وجل- على أن أهلك فرعون قومه وأنجى موسى -عليه السلام- وقومه.

3- فيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأتِ شرعنا بخلافه.

4- أن الله شرع لأهل الكتاب قبلنا الصيام كما شرعه لنا، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).

5- فيه أن المسلمين أولى الناس بالأنبياء، وذلك لأن هؤلاء اليهود والنصارى حرفوا العقائد والشرائع التي جاء بها الأنبياء من عند الله -عز وجل-، بل وخالفوا أنبياءهم وعادوهم؛ فكان المسلمون أولى بموسى من اليهود وأولى بعيسى من النصارى.

6- فيه تأكيد على عقيدة الولاء والبراء، فنحن نحب موسى وقومه وإن كانوا غير مصريين ونفرح بنجاتهم لإيمانهم بالله، ونبغض فرعون وقومه لكفرهم بالله وإن كانوا مصريين.

7- فيه أيضًا مخالفة أهل الكتاب فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما قيل له: إن اليهود تصوم هذا اليوم وتعظمه خالفهم، فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ)، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (رواه مسلم).

وقد حثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على صيام ذلك اليوم -عاشوراء- وبيَّن أن فيه أجرًا عظيمًا لمن صامه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ) (رواه مسلم).

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.