إشراف الشيخ ياسر برهامي
الأحد 13 نوفمبر 2011 - 17 ذو الحجة 1432هـ

ماذا تعلمنا من الحج؟

كتبه/ إيهاب الشريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فحدث جليل عظيم يمر بالأمة كل عام في مثل الأيام التي مضت، بل لا يدانيه حدث مثله كل عام، ولكن ومع بالغ الأسى والأسف كثيرون لا ينتبهون لهذا الحدث الجلل، والكثير ممن يشهد الحدث نفسه لا يعي ولا يفهم منه شيئًا فلا يتغير عما كان، وتمر الأحداث تلو الأحداث بالأمة والثمرة منها ضعيفة، وعند البعض معدومة -والله المستعان-؛ ذلكم الحدث هو: "الحج إلى بيت الله الحرام".

هل انتبهتم لأكبر تجمع مناهض للشرك والمشركين ثائر عليهم وعلى معتقداتهم، إنهم حجاج بيت الله الحرام.. ما فتئوا يتجمعون جماعات جماعات، يجأرون بذلك الشعار المناهض للشرك وأهله منذ اللحظات الأولى في رحلتهم وقبل دخولهم حرم مكة وقل من يدخل مُحرِم بغير أن يعلن، بل يصرخ بهذا الشعار.. إنه شعار التوحيد.. عنوان الحج: "لبيك اللهم لبيك"، كلمات كلها توحيد وإيمان.. كلمات تفيض حبًا لله وإذعانًا.. كلمات تدل على الاستسلام التام للرحمن الرحيم.. حدود معينة، مواقيت محددة.. يمنع مرورهم عليها إلا محرمين معلنين واضعين ذلك الشعار.

وكل يوم وليلة تفد جماعات وجماعات؛ لتطوف بالبيت معظمة للرب -عز وجل-، مناهضة للشرك وأهله، محاربة لعقائد الجاهلية الخربة، مظهرة توحيدها في كل لحظات المناسك وأماكن المشاعر.

تخرج هذه الجماعات متجردة من الدنيا ومعانيها الشهوانية والمادية، متوجهة لرب البرية -جلَّ في علاه- طالبة رضاه، منضبطة في سلوكها ولفظها وحالها لتحصل ثمرة سعيها.

حتى إذا اجتمعوا هناك في أقدس بقعة على وجه الأرض وأحب بقعة إلى الله -عز وجل-، وجاء اليوم الثامن من شهر ذي الحجة كانت الانتفاضة الكبرى والثورة العظمى على الشرك وأهله، وعادات الجاهلية وطباعها وسيء أخلاقها، خرجوا جميعًا بالملايين يصرخون ويهلون بالتوحيد، منددين بالشرك وحال المشركين.. معلنين الاستجابة لرب العالمين والكون في طاعته وخدمة دينه ورفعته، متبعين لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- في مناسكه وهديه وسننه، خرجوا بزي واحد.. ونسك واحد.. ومكان واحد.. ولفظ واحد، وأيام واحدة، وظلوا.. فظلت على ذلك طيلة خمسة أيام أو ستة مرسلة تلك التحذيرات للشرك والمشركين، عازمة على تغيير وجه الأرض ورفعة الدين.

إنه أكبر تجمع تشهده الأرض كل عام ضد الشرك والمشركين.. ضد الجاهلية وأخلاقها وعاداتها.. ضد العنصريات، والتي فرقت الأمة ومزقتها، ضد الطبقية.. ضد الفرقة.. ضد الهزيمة والذل والهوان.. إنه مؤتمر الحج الأكبر.. ذلك التجمع العظيم الذي احتوى على الكثير من الدروس والعبر.

جدير بنا أيها الأحبة وبالحجيج أيضًا أن يعوها ويفهموها ننقلب بها في حياتنا نتغير فيغير الله -عز وجل- ما بنا.

ودروس الحج أعظم من أن نحصيها ونستقصيها في درس واحد، لكن نشير إلى أعظمها وأهمها:

أولاً: تحقيق التوحيد ونبذ الشرك وبغض أهله:

والمتأمل في مناسك الحج وشعائره يلحظ ذلك الدرس واضحًا جليًا منذ البداية، بل وعند الشروع في النسك يقول الحاج: "اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة"، وهذه دعوة للإخلاص ونبذ الشرك الأصغر، ثم يصرخ الحاج مهلاً بقوله: "لبيك اللهم.. ".

وفيها ما فيها من الاستسلام لله -عز وجل-، والانقياد له، وإعلان التوحيد له -سبحانه- فالاستجابة له وحده، وكذا الانقياد والطاعة، والحب والرغبة والرهبة؛ لأن الملك له والنعمة له -سبحانه-، فكما أن الله متفرد بالنعمة والعطاء لا شريك له، فهو متفرد بالتوحيد لا ند له، فلا يدعى إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يُستغاث إلا به، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا له، وكما أن العبد مطالب بقصد الله وحده في الحج، فهو مطالب بقصده وحده في كل عبادة يأتيها، وكل طاعة يتقرب بها، فمن صرف شيئًا من العبادة لغير الله أشرك بالله العظيم، وخسر الخسران المبين، وحبط عمله، ولم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً.

لقد جاء الإسلام بهذا الإهلال العظيم، الإهلال بتوحيد الله وإخلاص الدين له والبعد عن الشرك كله صغيره وكله، دقيقه وجله، بينما كان المشركون عباد الأصنام والأوثان، يُهلون في إحرامهم بالشرك والتنديد، فكانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، فيدخلون مع الله في التلبية آلهتهم الباطلة، ويجعلون ملكها بيده، وهذا هو معنى قول الله عنهم في القرآن الكريم: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (يوسف:106)، أي: ما يؤمن أكثرهم بالله بأنه الخالق الرازق المدبر إلا وهم مشركون معه في العبادة أوثانًا لا تملك شيئًا، وأصنامًا لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، بل لا تملك من ذلك شيئًا لنفسها فضلاً عن أن تملكه لغيرها ، كما قال عكرمة : "تسألهم من خلقهم، ومن خلق السماوات والأرض فيقولون: الله، فذلك إيمانهم بالله وهم يعبدون غيره"، وعن ابن زيد قال: "ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله ويعرف أن الله ربه، وأن الله خالقه ورازقه وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: (أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأَقْدَمُون َ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ) (الشعراء:75-77). قد عرف أنهم يعبدون رب العالمين مع ما يعبدون، فليس أحد يشرك إلا وهو مؤمن به، ألا ترى كيف كانت العرب تلبّي تقول: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك".

لقد كان المشركون زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرّون بأن خالقهم ورازقهم ومدبر شئونهم هو الله، ثم هم مع هذا الإقرار لا يخلصون الدين له، بل يشركون معه غيره في العبادة، من الأشجار والأحجار والأصنام وغيرهم. وقد جلَّى الله هذا الأمر وبيَّنه في مواطن كثيرة من "القرآن الكريم" كقوله -سبحانه-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت:61)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- مقررًا أنه لا إله إلا هو، لأن المشركين الذين يعبدون معه غيره معترفون بأنه المستقل بخلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار، وأنه الخالق الرازق لعباده ومقدر آجالهم، واختلافها واختلاف أرزاقهم، ففاوت بينهم فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كلاً منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستقل بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها.

 فإذا كان الأمر كذلك، فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر -تعالى- مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركون يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك" انتهى.

وهذا المعنى يكثر في القرآن الكريم والاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبية الله -جلَّ وعلا- على وجوب توحيده في عبادته وإخلاص الدين له، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية والتقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق؛ لأن يعبد وحده، ووبّخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه الرب وحده، لزمه أن يخلص العبادة كلها له، وبهذا يتبين أن الاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق المنعم المتصرف المدبر لشئون الخلق، لا يكفي في التوحيد ولا ينجي من عذاب الله يوم القيامة، ما لم تخلص العبادة كلها لله وحده.

فالله لا يقبل من عباده توحيدهم له في الربوبية إلا إذا أفردوه بتوحيد العبادة، فلا يتخذون له ندًا ولا يدعون معه أحدًا، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يصرفون شيئًا من العبادة إلا له -سبحانه-، فكما أنه -سبحانه- المتفرّد بالخلق فهو -سبحانه- المتفرّد بجميع أنواع العبادة؛ ولهذا قال -تعالى- للذين صرفوا العبادة لغيره مع أنهم يعلمون أنه خالقهم ورازقهم (فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:22)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أي: لا تشركون بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه".

إن الواجب على كل مَن أهلَّ بهذه الكلمات العظيمة أن يستحضر ما دلت عليه من معنى، وأن يعرف ما تضمنته من دلالة؛ ليكون صادقـًا في إهلاله، موافقًا كلامه حقيقة حاله، بحيث يكون مستمسكًا بالتوحيد، محافظًا عليه، مراعيًا لحقوقه، مجانبًا تمام المجانبة لنواقضه، وما يضاده من الشرك، فلا يسأل إلا الله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يحتكم إلا إلى الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يطلب المدد والعون والنصر إلا من الله، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا لله وحده، الذي بيده -سبحانه- العطاء والمنع، والقبض والبسط، والنفع والضر، (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل:62).

والمسلم عندما يقول في تلبيته: "لا شريك لك" يجب أن يكون عالمًا بحقيقة الشرك، مدركًا لخطره، حذرًا تمام الحذر من الوقوع فيه، أو في شيء من أسبابه ووسائله وطرقه؛ إذ هو أعظم ذنب عُصي الله به، ولهذا رتب عليه من العقوبة في الدنيا والآخرة ما لم يُرتَّب على غيره من الذنوب، من إباحة دماء أهله وأموالهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء:48)، وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا) (النساء:116)، وقال -تعالى-: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة:72)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الزمر:65-66)، والآيات في هذا المعنى في القرآن الكريم كثيرة جدًا، يحذّر فيها الربُّ -سبحانه- عبادَه من الشرك به، ويبيِّن شدَّة خطره وعظم مغبَّته، وسوء عاقبته على فاعله في الدنيا والآخرة.

فالشرك عاقبته وخيمة، ونهايته أليمة، وأخطاره جسيمة، ولا يربح فاعلُه من ورائه شيئًا إلا الخيبة والحرمان، والمذلة والخسران، وهو أعظم ذنب عُصي الله به؛ لأنه أظلم الظلم؛ إذ مضمونه تنقّصُ رب العالمين، وصرف خالصِ حقّه لغيره، وعدلُ غيره به؛ ولأنه مناقضٌ للمقصود بالخلق والأمر، ومنافٍ له من كلِّ وجه، وفيه غاية المعاندة لربِّ العالمين والاستكبار عن طاعته والذلِّ له؛ ولأن فيه تشبيهًا للمخلوق بالخالق -تعالى- وتقدس، وكيف يُجعَلُ مَن لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلاً عن غيره شبيهًا بمن له الخلقُ كلُّه، وله الملك كلّه، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله؟! فأزمة الأمور بيده -سبحانه-، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده.

إنَّ الواجب على كل مسلم أن يحذر الشرك أشدَّ الحذر، وأن يخاف الوقوع فيه أشد الخوف، فهذا نبيُّ الله وخليله إبراهيم -عليه السلام- يقول في دعائه: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) (إبراهيم:35-36)، فخاف -عليه السلام- من ذلك ودعا ربَّه أن يعافيه وبنيه من عبادتها، فإذا كان إبراهيم -عليه السلام- يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام، فما ظنّك بغيره؟! كما قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "ومن يأمنُ البلاء بعد إبراهيم؟!" (رواه ابن جرير في تفسيره 8-228).

فهذا ولا ريب يوجب للقلب الحي الخوفَ من الشرك وشدّة الاحتراز منه، وسؤالَ الله دومًا وأبدًا العافية من الوقوع فيه، وهذا أيضًا يتطلب من العبد المؤمن أن يكون عالمًا بحقيقة الشرك وأسبابه، ومبادئه وأنواعه؛ لئلا يقع فيه، ولهذا قال حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه­-: "كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي" (رواه البخاري ومسلم).

وذلك أنَّ من لم يعرف إلاَّ الخير قد يأتيه الشر ولا يعرف أنَّه شرٌّ، فإما أن يقع فيه، وإمَّا أن لا ينكره كما ينكره الذي عرفه؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام مَن لم يعرف الجاهلية".

إن البعد عن الشرك كله وإخلاص التوحيد لله أصل يجب أن تُبنى عليه كلُّ طاعة يتقرّب العبد بها إلى الله -تعالى-، الحجُّ وغيرُه، وقد قال الله -تعالى- في سورة الحج: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ . ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ . حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) (الحج:27-31).

فحذّر -سبحانه- في هذا السياق الكريم المتعلّق بالحج من الشرك، وأمر باجتنابه، وبيّن قبحَه وسوءَ عاقبته، وأن فاعله بفعله له كأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق، كما أنه -سبحانه- قد أمر نبيه إبراهيم -عليه السلام- في الآية التي قبل هذه الآيات بتطهير البيت بعد أن بوَّأه مكانه، ونهاه عن الإشراك بالله، وذلك في قوله -سبحانه-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج:26)، فكانت بذلك الآيات المتعلّقة بالحج محفوفة بالتحذير من الشرك، والنهي عنه، وبيان سوء عاقبته، مما يدلُّ أعظم دلالة على شناعة الشرك وعظم خطورته، حمانا الله وإياكم منه، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل.

وهل تعلمنا أيضًا إفراد الله -عز وجل- بالحكم والتشريع؟!

أما آن لنا أن نرفض تلك القوانين المستوردة الدنسة التي تعذب بسببها البلاد والعباد سنين طويلة؟!

أما آن لنا نحكم شرع الله -عز وجل- في العباد والبلاد؟!

وهل وصلتنا أيضًا رسالة الولاء لله -عز وجل- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين، والبغض للكفار والمشركين؟!

أما فهمنا هذا الدرس من الرابطة التي جمعت هذا العدد الهائل في هذا المكان؟! وهل هي اللون أم الجنس أو الوطن أم الراية أم.. أم.. ؟! كلا إنها رابطة الإيمان.. والإيمان فحسب.. ترى المسلم الروسي والصيني والأمريكي والكندي والأفريقي والعربي.. الكل لبى النداء وجاء لأداء نفس الشعيرة.. ما ترى أبدًا فيهم يهوديًا ولا نصرانيًا وإنما موحدون فقط؟ فليتنا نعي هذا الدرس وننطلق به في حياتنا، فنعلن ولاءنا لله.. فالمسلم أخو المسلم.. ليس أخًا لكافر يهودي أو نصراني، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران:28)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة:51).

فأين الحجيج من هذا الدرس العميق؟!

إن دروس العقيدة والتوحيد في الحج لمن أبرز ما يكون.

ثانيًا: ومِن دروس الحج (الاتباع):

الحرص البالغ من الحجيج على اتباع الحبيب -صلى الله عليه وسلم- لما سمعوا قوله: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) (رواه مسلم)، فتراهم حريصين أشد الحرص على السنن، وعلى اتباع الهدي النبوي، ولربما ومن غير العرب مَن يقاتل أو يزاحم على بعض السنن وإن أدى ذلك إلى هلاكه: كتقبيل الحجر، والركن، وغير ذلك..

هذا والحج لا يكون مقبولاً عند الله إلا إذا أخذ المسلم فيه بطريقة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولزم فيه هديه، واقتدى بفيه بسنته دون إفراط أو تفريط، ودون غلو أو جفاء، ودون زيادة أو تقصير، فإذا ألزم المسلم نفسه في حجه بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وقيدها بهديه أفاد من ذلك أن لزوم السنة واتباع الهدي مأمور به في كل طاعة كما أنه متحتم في الحج على كل أحد الأخذ بهديه في كل طاعة، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- في شأن الصلاة: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) (رواه البخاري)، وقال عمومًا في شأن كل طاعة: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (رواه مسلم)، وفي رواية: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) (متفق عليه).

فكل عمل لا يكون على هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن الله لا يقبله كما دل على ذلك منطوق قوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)، فإنه يدل على أن كل بدعة أحدثت في الدين ليس لها أصل في الكتاب ولا في السنة، سواء كانت من البدع العلمية القولية أو من البدع العملية التعبدية، فمن أخبر بغير ما أخبر الله به ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أو تعبد بشيء لم يأذن الله به ولا رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولم يشرعه، فإنه يكون  مردودًا على صاحبه غير مقبول، كما أن الحديث يدل بمفهومه أن من عمل عملاً عليه أمر الله ورسوله، وهو التعبد لله بالعقائد الصحيحة والأعمال الصالحة واجب ومستحب، فعمله مقبول وسعيه مشكور.

وعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

فقوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: (وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) هو من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرع إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وهو مردود على صاحبه غير مقبول منه.

فدين الله مبني على أصلين عظيمين، وأساسين متينين:

أحدهما: ألا نعبد إلا الله وحده لا شريك له.

والثاني: أن لا نعبده إلا بما شرعه على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، لا نعبده بالأهواء والبدع، قال الله -تعالى-: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ . إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (الجاثية:18-19)، وقال الله -تعالى-: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) (الشورى:21)، فليس لأحد أن يعبد الله إلا بما شرعه رسوله -صلى الله عليه وسلم- من واجب ومستحب، لا نعبده بالأمور المحدثة والمبتدعة التي لا أصل لها في الدين، ولا أساس لها من الشرع، وليس لأحد أن يعبد إلا الله وحده، فلا يُصلى إلا لله ولا يُصام إلا لله، ولا يُحج إلا إلى بيته، ولا يُتوكل إلا عليه، ولا يصرف شيء من العبادة إلا له، وقد جمع الله بين هذين الأصلين العظيمين في قوله -سبحانه-: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف:110).

فالعمل الصالح هو الموافق للشرع المطهر، والخالص هو الذي لم يرد به إلا وجه الله، وهما ركنا العمل المتقبل، فإن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة.

فالواجب على كل مسلم يرجو لنفسه الفوز والسعادة في الدنيا والآخرة أن يلزم نفسه بهدي الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن يقيد عمله بسنته، وأن يحذر تمام الحذر من مفارقة هديه، ومخالفة سنته واتباع غير سبيله؛ إذ هو -صلوات الله وسلامه عليه- القدوة والأسوة لامته، كما قال الله -تعالى- في شأنه: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21)، وقال الله -تعالى-: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) (الأحزاب:6)، أي: "هو أحق بهم في كل أمور الدين والدنيا، وأولى بهم من أنفسهم فضلاً عن أن يكون أولى بهم من غيرهم، فيجب عليهم أن يؤثروه بما أراده من أموالهم وإن كانوا محتاجين إليها، ويجب عليهم أن يحبوه زيادة على حبهم لأنفسهم، ويجب عليهم أن يقدموا حكمه عليهم على حكمهم لأنفسهم، وبالجملة فإذا دعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعتهم أنفسهم إلى غيره وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليه ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم، ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم وتطلبه خواطرهم" فتح القدير.

ولا ريب أن هذا يتطلب من المسلم اجتهادًا في معرفة السنة، وبذلاً للوقت في سبيل معرفة هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذلك عن طريق سؤال أهل العلم والجلوس في حلق الذكر التي يبين فيها الحلال والحرام، وقراءة الكتب النافعة والمؤلفات المفيدة المشتملة على بيان ذلك؛ ليتسنى للمسلم بعد ذلك القيام بالعبادة على وجه الصحيح ونهج سليم، موافق لهدي الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-.

وكما قلنا عقب (التوحيد) نقول هنا: هل يعرض الحجيج حياتهم على حياة صحاب خير الهدي -صلى الله عليه وسلم- رجاء التصحيح؟

هل ننقلب من حجنا حريصين على سنته -صلى الله عليه وسلم-؟

هل ننقلب من حجنا مدافعين عنها نفديها بأرواحنا ونفوسنا وأبنائنا إن كنا نفرح بأننا نحبه -صلى الله عليه وسلم- أكثر من هؤلاء جميعًا؟

هل نرجع حريصين على تعلم سنته -صلى الله عليه وسلم- مقبلين على حلق العلم لتدارسها، ومقتنين لكتبها في بيوتنا، معلمين إياها لأهلينا وأبنائنا؟

هل تنصبغ حياتنا بسنته وهديه وأخلاقه وسمته -صلى الله عليه وسلم-؟ تلك علامة من علامات الحج المبرور.

ثالثـًا: التربية على الأخلاق الحسنة والعادات الجميلة، ومِن ذلك:

1- العفة والبعد عن الخنا: قال الله -تعالى-: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ)، والرفث: هو الجماع ودواعيه من القول والفعل.

2- كظم الغيظ وترك الجدال والمخاصمة: قال الله -عز وجل-: (وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة:197)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "والجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه ويغضبك"، والمنهي عنه هنا هو: النزاع والمخاصمة في غير فائدة شرعية.

3- الرفق واللين والسكينة: إذ قال -صلى الله عليه وسلم- عندما سمع زجرًا شديدًا وضربًا وصوتًا للإبل في الدفع من مزدلفة: (أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ) (رواه البخاري). يعني: الإسراع.

4- الشعور بالجماعة: فينبغي أن يتعلم العبد المسلم في الحج الإيثار، ويتجرد من الأنانية ومحبة النفس، ويندمج مع إخوانه الحجيج في اللباس والهتاف والتنقل والعمل والتآزر.

5- التربية على تحمل تبعة الخطأ: ويظهر ذلك جليًا في الفدية الواجبة على من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام عمدًا، أو أخل بشيء من واجبات الحج.

6- التربية على التواضع: إذ يتساوى المسلمون وتزول آثار التميز المادي بينهم، وقد كان من خطبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

7- التربية على الصبر بأنواعه: حيث يلجم العبد نفسه عن الشهوات، ويعرضها للمشقة والتعب في سبيل امتثال أوامره بأداء النسك وإتمامه، فيكون ذلك دافعًا إلى ترك المعاصي، وامتثال الطاعات، وتحمل الأذى في سبيل ذلك بعد الحج.

8- البذل والسخاء: وهذا واضح في تحمل العبد نفقات الحج، والإحسان إلى المنقطعين فيه.

9- التعود على النظام والانضباط: ففي الحج قيود وحدود والتزامات لا يجوز للحاج الإخلال بها، فهي تعوده المحافظة على النظام، وتربيه على الانضباط، وفي الحج منافع أخرى دنيوية وأخروية، فردية وجماعية، تجل عن الحصر، يدل عليها تنكير المنافع وإبهامها في قوله -عز وجل-: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج:28).

وبعد -أحبتي في الله-:

ما أحوجنا إلى تفهم عبادة الحج وتعلم دروسها واستصحابها في حياتنا؛ حتى يكون حجنا مبرورًا، فإن من علامات بر الحج أن يكون الحاج بعد أفضل مما كان قبله.