إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 16 ديسمبر 2010 - 10 محرم 1432هـ

فريضة الحج.. دروس وعبر

كتبه/ محمد سرحان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما من مسلم إلا وتهفو نفسه إلى البيت الحرام، ويشتاق إلى أداء فريضة الحج، وإن القلب ليطير فرحًا حينما يُبشر الإنسان بأدائها؛ حتى إن القلب ليسابق الراحلة، ويود لو دفعها بنفسه حتى يصل إلى البيت الحرام، ومسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ ليروي ظمأه منهما، ويستريح قلبه وبدنه بين جوانبهما، ولا يملك العبد عينيه إذا رأى الكعبة، ويتملكه شعور من الفرح والسعادة لا يستطيع وصفه، بل إنه في كل مرة، بل في كل صلاة ليجد من الأحاسيس والشعور ما لا يعبر عنه قلم، ولا يصفه واصف.

ورحم الله من قال:

وحيٌ من الروح لا وحي من القلم       هـز المشاعر من رأسي إلـى قــدمـي

لـمـا رأيـت حجـيـج البيت يدفعهـم       شوق إلى الله من عُرب ومـن عـجـم

لبوا الــنـداء فما قـرت رواحـلـهـم      حتى أنـاخـوا قـُبيل الصبـح بـالـحـرم

لبيـك الـلهــم يــا ربـًـا نـلــوذ بــه        سَجْعَ الحـناجـر تحـدُوها بـلا ســَئـَـم

لما رأوا البـيـت حـقــًا قـال قائلهم       مزجتُ دمعًا جرى من مـُقـلـتي بــدم

وصَفـَّقـَت من أريـج الفـرح أفـئـدة      كـمـا تـراقـص جــذلان مـن الـنـغــم

سـرى إلى الروح روحـانية عـذب       فـزال عـنهم سـواد الـهـم والـسـقــم

فــي ســـاحـة الـبـيـت والأبـصــار       شاخصة كأنما هي أطياف من الحلم

والطـائـفون كأمـواج البحـار وهم       مـا بـيـن باكٍ عـلى ذنب ومبـتسـم

الـلـه أكـبـر.. كـم مُـدَّت هـنـاك يـدٌ       وكـم عـلـيـهـا أريــقـت أدْمـُعُ الـنـدم

وكــم تــوســل مــحــروم فـبـلـغـه        رب الحجـيج أماني الروح والـنـعــم

وكـم تـنـفـس مـظـلـوم بـحـرقــته         وكـم أقـيـل عـظـيـم الـذنـب والـلـمـم

إن الحرمين حقًا لجنة على الأرض.

وفي هذه الفريضة يجد الإنسان من معاني الإيمان الكثير والكثير، ويربي نفسه تربية إيمانية عظيمة حتى إنه ليود أن يكون طوال عمره على الحال التي عاش فيها هناك، وإنه ليصدق قول القائل: "إنه لتمر بي أوقات أقول: لو أن أهل الجنة فيما أنا فيه إنهم لفي عيش رغيد".

ومما يخرج به الإنسان من معاني الحج:

الاستسلام والخضوع والانقياد: فإنه في الحج يقيل حجرًا "الحجر الأسود"، ويرمي حجرًا بحجر "في رمي الجمار"، ويطوف حول الكعبة، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف بعرفة، ويبيت بمزدلفة؛ لا يبيت في مكان آخر، ولا يقف في غير عرفة، ولا يسعى في مسعى آخر، وقد يجهل الكثير من الناس الحكمة من ذلك، والكل يفعل ذلك؛ لأن الله أمره بذلك ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أمر بذلك، استجابة لأمر الله واتباعًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما قال عمر -رضي الله عنه-: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (متفق عليه).

فيعوِّد الإنسان نفسه وقلبه على الاستسلام والانقياد والخضوع لأمر الله؛ فيسهل عليه بعد ذلك فعل كل أمر جاء به الشرع، والانتهاء عن كل نهي نهى عنه الشرع، وإنه ليجد حلاوة الاستسلام والانقياد والخضوع كعبادة من أجل العبوديات لله -تعالى-.

ويُمرِّن العبد نفسه على ذلك طوال أيام الحج حتى يكون ذلك له ديدنًا وعادة، ويعود إلى بلده عازمًا على الاستمرار على هذا.

ومن ذلك أيضًا: ذلك الحرص الشديد على الطاعة وعدم المعصية؛ لأنه يذكر دائمًا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (متفق عليه)، وفي رواية: (مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، ويتمنى لو استمر على هذا الاجتهاد بعد أن ذاق حلاوة الإيمان وحلاوة الطاعة، وحلاوة البعد عن المعصية وتركها لله -تعالى-.

ويعلم الإنسان أن هذا الاجتهاد ليس ببعيد عنه ولا هو مستحيل، وإنما يحتاج إلى صدق كصدقه في البيت الحرام، وعزيمة كعزيمته هناك، وقبل ذلك توفيق الله له؛ فيجتهد في الدعاء أن يبقيه الله على هذا الحال، بل يزيد في طاعته وفي قربه، وفي اجتهاده، فيعلم العبد قيمة الإخلاص والصدق والعزيمة.

ومن ذلك أيضًا: ذلك البذل من الجهد والمال والوقت الذي بذله الحاج، وقد كان سهلاً هينًا عليه في طلب رضا الله -تبارك وتعالى-، فنجد الحاج يسير من منى إلى عرفات على قدميه ثم يعود بعد ذلك يحدوه الشوق إلى الله، وإلى دعائه، وإلى مناجاته؛ كي يغفر الله له في يوم عرفة، ويستعذب التعب والألم، ويهُون من ذلك عليه لما يطلبه من رضوان الله؛ يطوف ويسعى ويجد التعب، ولكنه في الحقيقة نعيم ولذة وسعادة؛ لأنه في طاعة الله، وفي طلب رضاه، لقد وجد بنفسه استعذاب الألم في الله -تعالى-.

ويجد لذة المناجاة والتضرع إلى الله -تعالى- حتى إنه ليتمنى ألا تنتهي مناجاته، وألا يجيء الوقت الذي يفرغ فيه من ذلك، ثم إنه ليجد بجواره من جاوز الستين والسبعين، بل من انحنى ظهره حتى قربت رأسه على الالتصاق بركبتيه؛ فيستصغر نفسه، ويستقل عمله، ويعلم أن هناك من يبذل ويجتهد أكثر منه، فيكون أشد حرصًا واجتهادًا، ويهون عليه التعب، ويقر في قلبه عظمة ربه -تبارك وتعالى- التي جعلت كل هذه الجموع وكل هذه الملايين تبذل كل هذا البذل، وتضحي كل هذه التضحيات.

فما أحوج الحاج وأحوجنا إلى الاستمرار على هذا البذل في سبيل الله، وفي سبيل دينه، تضحية بالمال والجهد والوقت، والغالي والثمين في سبيل الله -تعالى-.

ومن هذه الفوائد: أن كثيرًا مما كان يستصعبه الإنسان يجده سهلاً يسيرًا، فقد كان يبحث عن قلبه ليخشع في ركعتين أو في صلاة فرض، وقد يستصعب قيام الليل في غير رمضان، ويستصعب أن يديم الصلاة والقيام طوال الليل، فها هو يجد ذلك سهلاً، لقد وجد قلبه ووجد الخشوع، ووجد ما أسهل قيام الركعات الطوال، بل استدامة ووصل الصلاة طوال اليوم.

إنما هو توفيق الله وتفريغ القلب من المشاغل لينهل من حلاوة الطاعة، ليس بعسير أن يفرغ القلب، وكما كان يذكر للإنسان في الدروس والمحاضرات: ألقِ الدنيا ومشاغلها وراءك ظهريًا، وأقبِل على الله فيقول: أنى هذا؟ فها هو قد وجده.

فيحتاج إلى الإنسان بعد ذلك أن يفرغ قلبه من هذه المشاغل والمشاكل كما فعل في الحرمين الشريفين، ويحتاج إلى همته وعزيمته التي فعل بها ما فعل، فما أحوجنا في أيامنا وليالينا إلى هذا الإقبال وهذا الخشوع، وهذا الفراغ للقلب للإقبال على الله -تعالى-.

وما أحوج الإنسان إلى الاهتمام بقلبه وعبادات القلب.

ومن هذه الفوائد:

قيمة العلم: فإن العالم بالمناسك وغيرها من أمور دينه لينعم بتطبيق السنة، ويبتعد عما يفسد حجه أو ينقص من ثوابه قدر استطاعته، ويعلم متى يستخدم الرخصة ومواضع ذلك؛ فإن كثيرًا من الناس يفعل المخالفات للسنة في الحج على رأيه وتأويله.

وصدق الإمام أحمد -رحمه الله- حين قال: "الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب، فحاجتهم إلى الطعام والشراب مرة أو مرتين، وحاجتهم إلى العلم بعدد أنفاسهم".

ومن الفوائد التي يخرج بها المسلم أيضًا من هذه الفريضة: تلك الرابطة الإيمانية بينه وبين المؤمنين في أقطار الأرض، بل على مر الدهور وكر العصور، تلك الرابطة التي يتقاصر دونها الزمان والمكان فهو يستحضر إبراهيم وإسماعيل وهاجر -عليهم السلام-، في بناء البيت، وفي سعي هاجر بين الصفا والمروة، وما وقع من إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- هناك، ونداء إبراهيم -عليه السلام- بالحج، ودعائه الذي يجد كل مسلم أثره في قلبه تجاه البيت العتيق.

ويستحضر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في موسى -عليه السلام-: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام هَابِطًا مِنْ الثَّنِيَّةِ وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ) (رواه مسلم)، فكأنه يرى الأنبياء وأتباعهم قد سبقوه بالتلبية والطواف؛ فتكون هناك الرابطة الإيمانية بينه وبين المؤمنين في كل عصر ومصر، ويزداد حبه للأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-، وحبه للمؤمنين في كل زمان ومكان، وخاصة وحوله في كل المناسك والأماكن يرى من إخوانه في الإسلام على  اختلاف الأشكال والألوان والأجناس واللهجات واللغات فيحبهم رغم أنه لم يكلمهم، ويحادثهم ويحبهم؛ لأنهم مسلمون.

ويشعر بعظمة هذا الدين الذي جمع كل هؤلاء في مكان واحد على مناسك واحدة، ويحس بعظمة دينه، وأنه وحده الحق وما سواه باطل، ويشعر بالمسلمين في كل مكان على هذه الأرض فإنه ما تنظر عيناه إلا لمسلم من بلد أوروبية أو آسيوية أو أفريقية أو غيرها، فيستشعر آلام المسلمين في كل مكان؛ فيجأر إلى الله -تعالى- بالدعاء أن يعز الله الإسلام وينصر المسلمين، ويفرج هموم المسلمين في كل مكان، وينصر المسلمين في كل بلد من بلاد الدنيا.

ويرى كذلك هذه الاستجابة العجيبة، والاستسلام القوي للشرع من تلك الجاليات التي لا تتحدث العربية؛ فيزداد حبه لهم، ويزداد تمسكه بالشرع، وتزداد الرابطة التي تضم جميع المسلمين والمؤمنين من آدم -عليه السلام- إلى قيام الساعة.

ومن ذلك أيضًا: رؤية الأمل في عز المسلمين وانتصارهم وأنه قريب بإذن الله -تعالى-؛ لما يرى من هذه الجموع شبابًا وشيوخًا وأطفالاً رجالاً ونساءً على اختلاف الأشكال والألوان، فيستبشر بهذه العودة إلى الله -تعالى-، وبهذه الجموع التي أملها رضا الله -تبارك وتعالى-.

فتحتاج أمتنا إلى جهد الدعاة إلى الله -تعالى- وعلماء الأمة في توجيه هذه الجموع -وغيرها من جموع الأمة- وفي بذل الجهد في الأمة التي فيها الخير إلى يوم القيامة لتخرج من كبوتها، وتستفيق من غفلتها، وتحمل راية الله -تبارك وتعالى- لإعلاء كلمته، ونصرة دينه، فحاجة الأمة إلى بذل أبنائها وجهدهم لدين الله -تعالى- في هذه الآونة أكثر من حاجتها في أي وقت مضى، ويجد كل باذل -بإذن الله تعالى- ثمرات كثيرة لبذله وجهده، وهذا من عاجل بشراه في الدنيا، وكفاه ما يجد من النعمة في البذل للدين ونصرته، وما يجد من بركات في رزقه ووقته، وما له وعياله، وفضلاً عما يجده عند الله -تبارك وتعالى- في الآخرة.

فنسأل الله -تعالى- أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.