كتبه/ عصام حسنين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق: أن الرؤية الممكنة له -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته إنما تقع في المنام لا في اليقظة، ولو كانت ممكنة يقظة لبَيَّنها -صلى الله عليه وسلم- لأمته.
رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- في المنام:
ومما أكرم الله -تعالى- به نبيه أنه لا يتمثل الشيطان في صورته التي هي صورته -صلى الله عليه وسلم-، وقد وصفها الصحابة -رضي الله عنهم-، فمن قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، يسأل عن صفته؛ فإن وصفه بصفته المعروفة فقد رآه حقًا، ومن وصفه بغير صفته المعروفة فلا يجزم له بأنه رآه، كما جاء عن محمد بن سيرين -رحمه الله-.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي) (رواه البخاري). وفي رواية لمسلم: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي). وفي رواية عند الإمام أحمد -رحمه الله-: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَشَبَّهُ بِي).
وقد جاء هذا الحديث عن جمع من الصحابة -رضي الله عنهم-، منهم: أبو هريرة، وأنس، وجابر، وأبو سعيد، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو قتادة -رضي الله عنهم أجمعين-.
توجيه رواية "فسيراني في اليقظة":
هناك رواية عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي) (رواه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري). وفي لفظ مسلم: (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ، لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي).
وهذه رواية مشكلة أجاب عنها العلماء بعدة توجيهات:
1- البشارة بالهجرة: المقصود به: من آمن به -صلى الله عليه وسلم- في حياته ولم يهاجر إليه، أن الله -تعالى- سيوفقه للهجرة والتشرف بلقائه -صلى الله عليه وسلم- في حياته، وتكون هذه الرؤية علامة على رؤيته في اليقظة. قاله ابن التين -رحمه الله-.
2- الرؤية يوم القيامة: وقيل: إنه يراه يقظة يوم القيامة بمزيد خصوصية وقرب، وفي هذا بشارة لرائيه بأنه يموت على الإسلام؛ لأنه لا يراه تلك الرؤية الخاصة باعتبار القرب إلا من تحقق موته على الإسلام.
وهذا من أقوى الأجوبة وأحسنها (انظر فتح الباري: 12/385).
وهذا جواب جماعة من أهل العلم للرد على من استدل بهذه الرواية ليقول برؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- يقظة، مثل ابن حجر المكي، والسيوطي، وابن أبي جمرة -رحمهم الله-.
والجواب عليهم: أن كل إنسان يؤخذ من قوله ويترك، لا سيما في باب العقائد، إلا المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.
كما أن كلام العلماء يستدل له ولا يستدل به؛ أي: ليس بحجة في ذاته ما لم يبن على دليل صحيح من الكتاب والسنة.
ومدار الاستدلال في العقائد على الكتاب، والسنة، والإجماع، وما صح عن الصحابة مما لا يعرف له مخالف، أو كان له حكم الرفع، أو دل على إجماعهم.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.