الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 10 أغسطس 2026 - 27 صفر 1448هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (268) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (8)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -عز وجل-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ . وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ . قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: 16-35).

الفائدة السابعة:

قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ): دليل على وجوب طلب الرزق من الله وحده دون مَن سواه؛ لأنه خالق الأرزاق في السماء والأرض، فدلَّ على أن طلب الرزق عبادة، ومن صرفها لغير الله كالذين يطلبون الأرزاق من الأولياء والأموات الغائبين فقد أشرك، وأما الأخذ بالأسباب في طلب الرزق فأمر مشروع، وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء قبله، وهو ما بين الواجب والمستحب والمباح؛ فالواجب هو: ما كَفَى به نفسه عن السؤال، ولم يترك مَن يقوت ويعول مِن أهله وعياله وقراباته كوالديه دون نفقة، وكفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح.

والمستحب من ذلك: أن يطلب ما يكفيه وعياله، وأن يذرهم بعده أغنياء، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لسعد: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) (متفق عليه)، وأما المباح فهو: طلب ما زاد على الكفاية، ولا شك أن ذلك مباح ما لم يشغل عن واجب؛ كطلب العلم المتعين، أو فرض الكفاية، أو الطاعات الأخرى.

وطلب الرزق لا ينافي التوكل على الله، بل التوكل على الله في أمر الرزق وغيره ركن في الإيمان، والعمل بالجوارح في طلب الرزق مشروع، فتوكلوا على الله -تعالى-، فمن ترك التوكل على الله فقد فقد الإيمان، قال الله -تعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 23)، ومن ترك الأخذ بالأسباب تعبُّدًا فهو ضال مبتدع، وقد عمل موسى -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين أجيرًا عند الرجل الصالح في رعي الغنم، وعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتجارة في مال خديجة سنين قبل بعثته -عليه الصلاة والسلام-، كما عمل في رعي الغنم صغيرًا، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ)، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ، فَقَالَ: (نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) (رواه البخاري).

ونحن هنا بين ثلاثة أطراف: فطرف يشغله طلب الرزق ليل نهار، ولا عمل له في الحياة إلا طلب المال والطعام والشرب والشهوة، وقد حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذلك، فقال: (مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي، أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ، مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وليس المقصود تفرغ العبد في المسجد بالليل والنهار أو الصلاة بالليل والنهار دون طلب الرزق، وإنما المقصود تفريغ الهم والإرادة والقصد، فيصبح العمل الدنيوي عبادة لله -سبحانه وتعالى- كما بيَّنا من قبل.

ومن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

ولا شك أن هذا فيمن شغله العمل عن الواجبات من العبادات الواجبة وطلب العلم والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والجهاد من الدعوة إلى الله، وإلا فالزراعة من أفضل الأعمال؛ لما فيها من ثواب الزرع والغرس، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ) (متفق عليه)، ومع ذلك إذا كان سببًا للانشغال عن الواجبات كان محرمًا، وعقوبة ينتظرها من الله -عز وجل-.

والطرف الثاني: مَن يتكاسل عن طلب الرزق ويتواكل على الناس، ولا يتوكل على الله في الحقيقة وإن زعم التوكل، ويطلب أنواع الأعمال التي لا مشقة فيها وإلا ترك العمل، وهذا من أكبر أسباب الفقر في كثيرٍ من الشعوب، وعدم الجدية في البحث عن العمل مع قضاء الساعات الطويلة مع الهواتف الذكية ووسائل التواصل، أو أصدقاء السوء على المقاهي في لعب النرد المحرم والشطرنج والورق، وما هو أسوأ من ذلك من أماكن المعاصي: كالنوادي الليلية، وصالات الرقص، وحفلات الغناء، وشرب الخمر والمخدرات، أو صالات القمار التي تقضي على إنسانية الإنسان قبل أن تقضي على ماله وخلقه، بل في الحقيقة تقضي على دينه وتهدم بنيان قلبه، وهذا من أعظم أسباب الفقر والحاجة، ومحق البركة، وقد ذَمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- تركَ العمل الجاد، وقال للرجلين الجَلْدَين اللذين سألاه من الزكاة: (إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ) (متفق عليه).

وأما الطرف الثالث: فهو الذي يترك العمل تعبدًا بزعم التوكل، فيدخل الصحارى بغير زادٍ ويعيش في الخربة، يزعم أنه يطلب الرزق من السماء، وكان هذا في الصوفية القدماء؛ أما صوفية زماننا: فيعيشون في القصور، ويأكلون أفخر الأطعمة، ويلبسون أفخر الثياب، ويركبون أفخم السيارات! ولا شك أن ترك العمل تعبدًا مِن البدع ومخالفة هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنبياء قبله -صلى الله عليهم وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم-، وأهل العِلْم والصلاح عبر الزمان.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.