كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما لا شك فيه أن النساء مكلفات في حياتهن كالرجال بلا فرق، وأنهن بالتالي يُجْزَيْنَ في الآخرة على ما قدَّمْنَ في الدنيا من خير أو شر. ومن فازت منهن بدخول الجنة تنال كل ما يناله أصحاب الجنة من النعيم إلى جانب ما تختص به نساء الجنة من الكرامة والفضل في أنفسهن وفي مرافقاتهن وفي علاقاتهن بأزواجهن، ممَّا لا رأته عين ولا يخطر على قلب بشر.
وقد وردت في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في بيان أنواع من النعيم الخاص بالنساء في الجنة ممَّا يُحتاج إلى أن يُذكر ويُنشر، وهو ما نحاول أن نشير إليه في هذه العجالة.
آيات قرآنية واردة في نيل المؤمنات للثواب في الآخرة ودخولهن الجنة:
ممَّا لا شك فيه أن النساء المؤمنات يدخلن في عموم كل الآيات الدالة على نيل أهل الإيمان للثواب في الآخرة ودخولهم الجنة؛ إذ إن هذه الآيات تشمل الرجال والنساء على السواء في نيل الثواب على الإيمان والأعمال الصالحة بلا تفريق بينهما، كما في قول الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (يونس: 9- 10)، فهي عامة في الرجال والنساء.
وقوله -تعالى-: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) (آل عمران: 198)، فهي عامة أيضًا في الرجال والنساء. وقوله -تعالى-: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد: 21). فهي عامة كذلك، وفي غير ذلك من الآيات الكثيرة في عموم نيل أهل الإيمان والعمل الصالح من الرجال والنساء للثواب في الآخرة ودخول الجنة، وهذا المعنى ممَّا لا خلاف فيه قطعًا.
ومع ذلك فقد وردت في القرآن الكريم آيات عديدة تنص صراحة على نيل النساء المؤمنات الثواب الجزيل يوم القيامة ودخولهن الجنة، فمن ذلك:
- قوله -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء: 124).
- وقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13).
- وقوله -تعالى-: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 35).
- وقوله -تعالى-: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (الحديد: 18).
- وقوله -تعالى-: (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) (الفتح: 5).
- وقوله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 71- 72).
- وقوله -تعالى-: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ . فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (آل عمران: 193- 195).
- وقوله -تعالى-: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (الحديد: 12).
- وقوله -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب: 72- 73).
- وقد وردت مضاعفة الثواب والأجر في حق أمهات المؤمنين خاصة لعلو مكانتهن ومسئوليتهن، وفي ذلك أيضًا إثبات الثواب والأجر للنساء لكن مع مضاعفة الثواب والأجر، قال -تعالى-: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا) (الأحزاب: 30- 31).
طهارة نساء الجنة:
خُلِقَت النساء وفيهن من الجمال ما فيهن، لكونهن أنيسات لأزواجهن من الرجال، يأنس بهن الرجال، ويسعدون في جوارهن، ويسكنون إليهن، ويملأ قلوبهم المحبة والود لهن، ولهذا كانت النساء من جنس الرجال لا من جنس آخر، ومن ضلع آدم خُلِقَت حواء، قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21).
ونساء الجنة آية في الجمال والبهاء، ومن تمام جمالهن أنه لا يكدِّره ما يكدِّر جمال نساء الدنيا ممَّا يصيبهن من الحيض والنفاس، وما يكون من تغوط وتبول، أو يصيبهن من تمخط وبزاق ونحو ذلك، وممَّا يصيبهن من نصب وتعب ووهن، ما يلحقهن من هرم وشيخوخة وضعف بدن ونقص في الجمال والحلاوة مع تقدم العمر، فهن طاهرات منزَّهات عن كل ذلك وما يشابهه. فللنساء في الجنة جمال لا يقاربه ويدانيه جمال غيرهن.
- قال -تعالى-: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 25).
- وقال -تعالى-: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران: 15).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة آل عمران: "(وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ): أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك ممَّا يعتري نساء الدنيا.
- وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا) (النساء: 57).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة النساء: "(لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ): أي من الحيض والنفاس والأذى، والأخلاق الرذيلة والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي -رحمهم الله-. وقال مجاهد -رحمه الله-: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قتادة -رحمه الله-: مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كلف. قلتُ: وقوله: "إنها (مطهرة من المني)؛ لأن الجماع في الجنة يكون بلا مني كما سيأتي. وقوله إنها (مطهرة من الولد)؛ لأن المرأة في الجنة لن تحتاج إلى الولد ولا الولادة كما سيأتي" والله -تعالى- أعلم.
قال الراغب الأصفهاني -رحمه الله- في (مفردات ألفاظ القرآن): "(لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) (النساء: 57) أي: مطهرات من درن الدنيا وأنجاسها. وقيل: من الأخلاق السيئة، بدلالة قوله: (عُرُبًا أَتْرَابًا) (الواقعة: 37).
قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "وقال -تعالى-: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: من الحيض والنفاس والبول والغائط والبصاق والمخاط، لا يصدر منهن شيء من ذلك، وكذلك طهرت أخلاقها ولحاظها ولباسها وسجيتها" (جزء الفتن والملاحم من البداية والنهاية لابن كثير).
وقد روى أحمد بسنده عن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- قال: أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل من اليهود فقال: يا أبا القاسم ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ -وقال لأصحابه إن أقر لي بهذه خصمته- قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بَلْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالشَّهْوَةِ وَالْجِمَاعِ)، فقال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (حَاجَةُ أَحَدِهِمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ، فَإِذَا الْبَطْنُ قَدْ ضَمُرَ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني). وفي رواية أخرى للحديث قال اليهودي: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَكُونُ حَاجَةُ أَحَدِهِمْ رَشْحًا يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ كَرَشْحِ الْمِسْكِ فَيَضْمُرُ بَطْنُهُ).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "قال الحافظ الضياء -رحمه الله-: وهذا عندي على شرط مسلم؛ لأن ثمامة -رحمه الله- ثقة، وقد صرَّح بسماعه من زيد بن أرقم -رضي الله عنه-.
وروى أحمد بسنده عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَمَخَّطُونَ وَلَا يَبْزُقُونَ، طَعَامُهُمْ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ)، وفيه: (قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ) (رواه مسلم). وعند أحمد عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- أيأكل أهل الجنة؟ فقال: (نَعَمْ، وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَبُولُونَ فِيهَا وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتَنَخَّمُونَ، إِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ جُشَاءً وَرَشْحًا كَرَشْحِ الْمِسْكِ، وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ) (رواه مسلم).
قلتُ: وقد يُقال طعام الدنيا وشرابها ليس كله مفيد، ففيه ما يفيد البدن وفيه ما لا يفيده، فيستفيد البدن ممَّا يفيده منه، ويتخلص ممَّا لا فائدة للبدن فيه على شكل فضلات سائلة أو غير سائلة، فذلك بول المرء في الدنيا وبرازه. أمَّا طعام وشراب الجنة فكله مفيد للبدن، والفائض منه عن حاجة البدن يخرج من مسام الجلد كريح المسك. والله -تعالى- أعلم.
جمال نساء الجنة:
وردت العديد من الآيات القرآنية في بيان بعض صفات نساء الجنة الدالة على ما هُنَّ عليه من شدة الجمال والحسن والروعة، فمن تلك الآيات:
- قوله -تعالى-: (إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ . يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ . بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ . لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) (الصافات: 40- 49).
- وقوله -تعالى-: (وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ . جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ . مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ . هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ) (ص: 49- 53).
- وقوله -تعالى-: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . ذَوَاتَا أَفْنَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: 46- 61).
- وقوله -تعالى-: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُدْهَامَّتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن: 62- 77).
- وقوله -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ . لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) (الواقعة: 10- 26).
- وقوله -تعالى-: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ . فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ . وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ . وَظِلٍّ مَمْدُودٍ . وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ . وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ . لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ . وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ . إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ . ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ . وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) (الواقعة: 27- 40).
فمن صفات نساء الجنة الدالة على الحسن والجمال في الخِلْقة والخُلُق كما جاء في تلك الآيات أنهن:
- حُورِ العِين:
(الحور): شدة بياض بياض العين مع شدة سواد سوادها. مع سعة وضخامة في العين، مع شَفْر بمنزلة جناح النسر (الشفر: حرف كل شيء، وشفر الجفن: حرفه الذي ينبت عليه الهُدب (بضم الهاء)، والجمع: أشفار). والحوراء من النساء: البيضاء، لا يقصد بذلك حور عينيها. والحورية: الحسناء (راجع المعجم الوجيز). وذلك هو النهاية في الحسن.
و(حور): جمع أَحْوَر (بسكون الحاء وفتح الواو)، وحَوْرَاء. وقيل: حورت الشيء: بيضته ودورته. (مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني).
- خَيْرَاتٌ حِسَان:
خيرات جمع خيرة، وهي المرأة الصالحة الحسنة الخُلُق الحسنة الوجه. وقد ورد في الحديث -كما سيأتي إن شاء الله- أن الحور العين في الجنة يغنين: (نَحْنُ الْخَيْرَاتُ الْحِسَانُ خُلِقْنَا لِأَزْوَاجٍ كِرَامٍ). وقرأ البعض في سورة الرحمن (خيِّرات) بتشديد حرف الياء.
- كأنهن الياقوت والمرجان:
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الرحمن: "قال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم -رحمهم الله- في صفاء الياقوت وبياض المرجان، فجعلوا المرجان هاهنا اللؤلؤ. والياقوت حجر كريم لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه. وعند مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى ضَوْءِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ، وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ) (متفق عليه).
- كأمثال اللؤلؤ المكنون:
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الواقعة: "وقوله -تعالى-: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه."
- كأنهن بيض مكنون:
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الصافات: "وقوله جل جلاله: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان. قال علي بن أبي طلحة -رحمه الله- عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يقول: اللؤلؤ المكنون... وقال الحسن -رحمه الله-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يعني محصون لم تمسه الأيدي. وقال السدي -رحمه الله-: يعني بطن البيض. وقال عطاء الخراساني -رحمه الله-: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا (أي قشرة البيض) ولباب البيضة. وقال السدي -رحمه الله-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ) يقول: بياض البيض حين ينزع قشره. واختاره ابن جرير -رحمه الله- لقوله: (مَكْنُونٌ)، قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها الأيدي بخلاف داخلها. والله أعلم".
قال ابن كثير -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ): "قيل: إنه بيض النعام المكنون في الرمل، وهو عند العرب أحسن أنواع البياض. وقيل: المراد به اللؤلؤ قبل أن يبرز من صدفه" (الفتن والملاحم).
- أبكارًا لم يغشهن أحد من قبل:
قال -تعالى-: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) (الرحمن: 56). وقال -تعالى-: (فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) (الرحمن: 70- 74). وقال -تعالى-: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ) (الواقعة: 35- 38).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الرحمن: "(لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) أي: بل هن أبكار لم يطأهن أحد قبل أزواجهن من الإنس. وهذه أيضًا من الأدلة على دخول مؤمني الجِنَّة الجنة، أي: سيدخل مؤمنو الجن الجنة ينكح الجن جنيات، ويدخل مؤمنو الإنس الجنة ينكح الإنس إنسيات".
وقال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير آية سورة الواقعة: "(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ) أي: أعدناهن في النشأة الأخرى بعد ما كن عجائز رمصًا صرن أبكارًا (عُرُبًا) أي بعد الثيوبة عدن أبكارًا عُرُبًا متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة. والرَّمَص (بفتح الراء وتشديدها مع ميم مفتوحة): وسخ أبيض جامد يجتمع في موق العين. يقال (رمصت) العين رمصًا: اجتمع في موقها وسخ أبيض، فهو أرمص وهي رمصاء. والجمع: رمص (بضم الراء وسكون الميم) (راجع المعجم الوجيز).
وروى ابن أبي شيبة بسنده عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتته عجوز من الأنصار فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: (إِنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا عَجُوزٌ) فذهب فصلى، ثم رجع إلى عائشة -رضي الله عنها-، فقالت: لقد لقيت من كلمتك مشقة وشدة، قال: (إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَدْخَلَهُنَّ الْجَنَّةَ حَوَّلَهُنَّ أَبْكَارًا) (رواه ابن أبي شيبة عن عائشة -رضي الله عنها-، والترمذي عن الحسن مرسلًا، وحسنه الألباني).
والأبكار: جمع بكر، والبكر هنا: العذراء. وأصل الكلمة هي البكرة التي هي أول النهار، واشتق منها لفظ الفعل، فيقال: بكر فلان بكورًا: إذا خرج بكرة. ففيه معنى التعجيل والتقدم على سائر الأوقات. وسميت التي لم تفتض بكرًا اعتبارًا بالثيب، لتقدمها (أي: البكر) عليها (أي: الثيب) فيما يراد له النساء (مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني). والطمث لغة: دم الحيض، وأيضًا الافتضاض. فالطامث: الحائض، وطمث المرأة: إذا افتضها. ومنها استعير: ما طمث هذه الروضة أحد قبلنا، أي: ما افتضها (مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني).
وجاء في الأثر أن المؤمن في الجنة ما يأتي زوجته من مرة إلا ووجدها عذراء، يُعطى قوة كذا وكذا في النساء، ما يفتر ذكره ولا يشتكي قُبُلُهَا، يُعطى قوة مائة، لا يمل منها ولا تمل منه، إلا أنه لا مني ولا منية (لا موت)، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا كما كانت من قبل.
- محبات متحببات لأزواجهن:
وهذا من كمال الجمال في المرأة، فهو جمال في خُلُقها تهنأ به حياتها وحياة من يكون زوجًا لها، وتحلو به حياتهما معًا فيسعدان. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بوصف نساء الجنة بكونهن (عُرُبًا). عن ابن عباس -رضي الله عنهما- (عُرُبًا): يعني متحببات إلى أزواجهن. وعنه (العُرُب بضم العين): العواشق لأزواجهن وأزواجهن لهن عاشقون. وكذا قال عبد الله بن سرجس -رضي الله عنه- ومجاهد وعكرمة وأبو العالية ويحيى بن أبي كثير وعطية وقتادة والحسن والضحاك وغيرهم -رحمهم الله-. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: هي الملقة لزوجها. والملق لغة: التودد والتضرع. يقال ملق فلانا أو ملق له ملقًا: تودد بكلام لطيف وتضرع فوق ما ينبغي، فهو ملق. وتملق الرجل: تودد وتضرع فوق ما ينبغي (المعجم الوجيز). وعن عكرمة -رحمه الله-: هي الغنجة. وعنه: الشكلة. وعن عبد الله بن بريدة -رحمه الله-: الشكلة بلغة أهل مكة والغنجة بلغة أهل المدينة. وقال تميم بن حدلم -رحمه الله-: هي حسن التبعل (والتبعل: حسن طاعة الزوجة لزوجها، والبعل: الزوج). وقال زيد بن أسلم -رحمه الله- وابنه عبد الرحمن -رحمه الله-: (العُرُب) حسنات الكلام. (تفسير ابن كثير سورة الواقعة).
- محتفظات بشباب دائم لا ينتهي:
فأجمل ما تكون عليه المرأة ما تكون عليه في عنفوان شبابها، والنساء في الجنة كلهن شابات متساويات في السن، يجمعن بين سن الشباب والعذرية، لا تتأثر أبدانهن بالزمان وإن طال وطال، حيث يحتفظن في الجنة بجمال الشباب وحلاوته، لا ينقطع عنهن، ولا يتأثرن بمرور السنين والقرون والأحقاب مهما طالت عليهن، وكذلك يكون الرجال في الجنة أيضًا. وهو ما ذكره المفسرون للقرآن الكريم في قوله -تعالى- عن نساء الجنة أنهن (أترابًا) أي على ميلاد واحد. ففي معنى (الأتراب) عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: يعني في سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة.
وقال مجاهد -رحمه الله-: الأتراب المستويات، وفي رواية عنه: الأمثال. وقال عطية -رحمه الله-: الأقران. وقال السدي -رحمه الله-: (أترابًا) أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني لا كما كن ضرائر متعاديات. وعن الحسن -رحمه الله-: المستويات الأسنان يأتلفن جميعًا ويلعبن جميعًا. (راجع المصدر السابق).
وجاء في الأثر أن هناك في الجنة مجتمعًا للحور العين يرفعن أصواتًا لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن: "نحن الخالداتُ، فلا نَبِيدُ، ونحن الناعمات، فلا نبأَسُ، ونحن الراضياتُ، فلا نسْخَطُ، طَوبَى لمن كان لنا وكُنَّا له". وذكر من غنائهن في الجنة: "نحن خيرات حسان خبئنا لأزواج كرام".