الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 13 مايو 2026 - 26 ذو القعدة 1447هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (16) اسما الله "القاهر" و"القهَّار" (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).

- ورد اسمه -سبحانه- "القَاهِر" في القرآن مرتين، وورد اسمه "القَهَّار" ست مرات، ومن أقوى هذه المواضع دلالةً: قوله -تعالى-: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 18)، وقوله -تعالى-: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر: 16). وورد في السنة في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا تضوَّر -تقلب- من الليل: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (رواه النسائي، وصححه الألباني)(1).

دلالة اسمي الله "القاهر - القهار" في حقِّ الله -تعالى-:

- قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه". وقال الحليمي -رحمه الله-: "الذي يَقْهَر ولا يُقْهَر بحال".

- مدخل وعظي بالوقوف على علة اختيار نبي الله يوسف -عليه السلام- اسمي الله (الواحد والقهار) في مخاطبة السجناء: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)(2).

الوقفة الأولى: "القهار" لا يخرج شيء عن إرادته:

- القهار قريب من اسمه "القدير والجبار": فهو -سبحانه- قادر على أن يفعل ما شاء، وإذا شاء شيئًا وقع ولا بد، وإن لم يشأ لم يكن (الموت والبعث والنشور، وقسمة الأرزاق، والقوة والضعف، والفقر والغنى، والنصر والهزيمة، وغير ذلك من القضاء الكوني) لا يرد قضاءه رادٌّ، ولا غالب لأمره؛ لأنه القهار، قال -تعالى-: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد: 41)، وقال: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32).

- انظر إلى الذين ظنوا أنهم كانوا على الناس قادرين، ولرقابهم قاهرين، وعلى مصائرهم مستعلين، بعد ما ملكوا الدنيا، واستقووا بالجند والعتاد... أين هم؟! كلهم قد فَنِي وباد؛ لأنَّ من فوقهم "قهار" مَن تجبر مِن العباد؛ قال الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: 6- 14). وقال السعدي -رحمه الله- في التفسير: "كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره، ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر للواحد القهار. فالقهر والتوحيد متلازمان متعينان لله وحده".

فكيف يغتر البعض بقوة بعض الأمم -اليوم- وجبروتها، إلى درجة الظن بأنهم لا يُغلبون من قوة، ولا يُقهرون من عتاد وعدد؟ وينسى أن الله -عز وجل- هو صاحب الكبرياء الحقيقي، والجبروت الحقيقي؛ قال -تعالى-: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) (فصلت: 15)، وقال -تعالى-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) (ق: 36).

- لما زعم فرعون أنه على كل شيء قادر، وأنه لجميع الخلائق قاهر: (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: 127)، قابله تعبد المؤمنين بالاستعانة بالواحد القهار: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128)، فكانت النتيجة أن قهره القهار، وجعله وقومه نكال الآخرة والأولى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) (الزخرف: 55- 56).

الوقفة الثانية: من آثار التعبد باسم الله (القاهر) (القهار):

أولًا: زيادة التوحيد في قلب العبد، فكونه -تعالى- "القهار" لغيره فهذا دليل على الوحدانية (تأمل وتدبر.. لم ترد "القهار" في القرآن إلا مسبوقة بـ"الواحد"): قال -تعالى-: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16)، وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (ص: 65)، وقال: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (إبراهيم: 48)، وقال: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر: 16)، وقال: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الزمر: 4)، وقال: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)(3).

ثانيًا: التعلق بالله وحده والتوكل عليه سبحانه، وقطع العلائق بالأسباب المقهورة مع فعلها؛ لأنَّ حقيقة التوكل هي تمام الاعتماد على الله -تعالى- مع تمام الثقة بكفايته وإعانته، وهذا لا يُصرف إلا للواحد القهار، أمَّا المقهور فلا يُتوكل عليه لعدم قدرته على الإعانة استقلالاً، وتعرضه للفناء والقهر حالاً: قال -تعالى-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) (الفرقان: 58).

ثالثًا: تعظيم الله -عز وجل- والخوف منه وحده، وسقوط الخوف من المخلوقات الضعاف المقهورين المغلوبين من القلب، سواء كان ذلك خوفًا على الرزق أو خوفًا على الأجل: قال -تعالى-: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 18).

رابعًا: شعور العبد بضعفه وذلته أمام قهر الله -عز وجل- وجبروته مما يكون له الأثر في تواضع العبد واستكانته لربه: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الزمر: 13).

خامسًا: إذا علم العبد أنَّ اسم (القهار) خاص بالله -تعالى-، وأنه لا يصلح أن يسمى به المخلوق أو يوصف به، وأنه صفة ذم للمخلوق -لأنها في الغالب لا تكون إلا مصحوبة بالظلم والعدوان وخاصةً مع الضعفاء- اجتنب الظلم والعدوان لغيره.

فاللهم يا واحد يا قهار، اقهر أعداء الإسلام والمسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (القهار) فعَّال، مبالغة من (القاهر) فيقتضي تكثير القهر.

(2) مجمل كلام العلماء في ذلك: أنَّ السجين يشعر بالقهر ممن قهره، ويظل هذا الشعور لا يفارقه، لا سيما إن كان مظلومًا، فإذا استحضر أنَّ له ربًّا يقهر الجبارين والظالمين توجه إليه ورجاه في تخليصه من قهر المخلوقين.

(3) قال ابن القيم -رحمه الله-: "القهار لا يكون إلا واحدًا، ويستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان". وقال: "لا يكون القهار إلا واحدًا؛ إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، فكان القهار واحدًا".