الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 20 أبريل 2026 - 3 ذو القعدة 1447هـ

عكرمة -رضي الله عنه- وقصة السفينة (3)

كتبه/ عصام حسنين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا مع الفوائد والعِبَر في قصة إسلام عكرمة -رضي الله عنه-: 

2- الهداية والإضلال بيد الله وحده: في يوم أُحُد شُجَّ -صلى الله عليه وسلم-، وكسرت رباعيته الشريفة، وجعل يقول: (‌كَيْفَ ‌يُفْلِحُ ‌قَوْمٌ ‌شَجُّوا ‌نَبِيَّهُمْ؟!)، فنزل قوله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 128-129) (رواه مسلم).

روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر: (اللَّهُمَّ ‌الْعَنْ ‌فُلَانًا ‌وَفُلَانًا وَفُلَانًا) وفي رواية الإمام أحمد -رحمه الله-: (‌اللهُمَّ ‌الْعَنْ ‌سُهَيْلَ ‌بْنَ ‌عَمْرٍو، ‌اللهُمَّ ‌الْعَنْ ‌صَفْوَانَ ‌بْنَ ‌أُمَيَّةَ)، فنزلت الآية. وهداهم الله للإسلام.

وفي هذا أبلغ ردٌّ على من تعلّق بالأنبياء وغيرهم، فعجبًا لهم! أين عقولهم؟ أيتركون مَن الأمر كله له، ويدْعُون مَن لا يملك من الأمر مثقال ذرة؟ وفيها أيضاً أبلغ ردّ على من ينسب للرسول -صلى الله عليه وسلم- التصرف في الدنيا والآخرة، كقول جاهلهم: "إن الأكوان خُلقت بسببه -صلى الله عليه وسلم- وتعود إليه، ومِن ثَمَّ فهو مالكها، والمتصرف فيها، بل ومتصرف في الدنيا، ويوم القيامة له تصرف في الجنة وفي كل الأحوال". وهذا شرك في الربوبية؛ لأن الرب -تعالى- هو الخالق الرزاق، المالك لكل شيء، المحيي المميت، المدبر -سبحانه وتعالى-. فالملك والأمر والتدبير والتصريف له وحده -سبحانه وتعالى-.

قال سبحانه وتعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ) في أربعة مواضع: (يونس: 3، 31)، و(الرعد: 2)، و(السجدة: 5). وقال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) (الأعراف: 54)؛ فالأمر كله لله -تعالى- وحده، وله الحكم في الدنيا والآخرة وحده لا شريك له؛ إن اقتضت حكمته ورحمته أن يتوب على من يشاء، ويمنّ عليه بالإسلام فعل، وإن اقتضت حكمته إبقاءه على كفره وعدم هدايته فعل؛ لأنهم هم الذين ظلموا أنفسهم.

وانظر لقول مشركي قريش لما أمر الله -تعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يوجه لهم هذا السؤال كيف كان ردهم؟ (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (يونس: 31). فمن يدبر الأمر من العالم العلوي والسفلي؟ فسيعترفون قائلين: يفعل ذلك رب العالمين لا شريك له في شيء من المذكورات. (فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) أي: قل لهم إلزامًا بالحجة: أفلا تتقون الله فتخلصون له العبادة وحده لا شريك له، وتخلعون ما تعبدون من دونه من الأنداد والأوثان؟! (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 32). (فَذَلِكُمُ) الذي وصف نفسه بما وصفها به (اللَّهُ رَبُّكُم) أي: المألوه المعبود المحمود، المربي جميع الخلق بالنعم وهو: (الْحَقُّ).

(فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ): فإنه تعالى المنفرد بالخلق والتدبير لجميع الأشياء، الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العظيمة والجلال والإكرام (ينظر تفسير السعدي).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.