الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 20 أبريل 2026 - 3 ذو القعدة 1447هـ

هل تسمعني.. ؟! (1)

كتبه/ أشرف فراج

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فكثيرة هي مَشاغل الحياة، ومُتتالية هي صُروف الزَّمان، أحداث تتلوها أحداث، وخُطوب تتبعها خُطوب، والإنسان هو الإنسان، تغُرُّه الدنيا وقد علم دُنُوَّها، ويلهو عن الآخرة وقد أَيْقَن ببقائها، صبره على الطاعة قليل، وتطلُّعُه إلى الهوى كثير، يكابِد الحياة بمرِّها وحلوها، ويغفل عن أسمى غاية خُلق من أجلها، وربُّه يُنبِّهُه إلى ساحلها، فيقول -سبحانه-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56). فسبحان الله! وجد من الإنس من لهث وراء الدرهم والدينار حتى عبده، ووجد منهم من عبد الزهو والفخر، وُجد منهم من عبد زينة الدنيا الزائلة، فتعسًا لكل من رضي بغير الله ربًّا؛ قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ) (رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-).

إن عبادة الدرهم والدينار والخميصة والقطيفة ليست ناتجة من عقل صحيح، ولا من قلب سليم، بل من غفلة أعمتهم، حتى غدا الإنسان في زماننا يتخبط في مكابدته لهذه الحياة، يتجاهل أنه خُلِق من أجل غاية، وغاية واحدة فقط، وهي عبادة الله وحده.

وهل أحد منا يعبد غير الله؟!

سؤال يُفترض أن يُطرح وإن لم تتفوَّه به الألسنة، ماذا فهمنا من معنى العبادة؟ أهي مُسَمَّى الإيمان، أم هي رَسْم الإسلام، أم هي أن يفعل المسلم ما يحلو له من العبادات ويترك ما يخالف هواه منها؟! فيصلي وينظر إلى الحرام، ويصوم ويفطر على الحرام، ويتصدَّق ولكن من الربا، ويتزوَّج ويزني، ويصلي العشاء في وقتها، ويصلي الفجر في رابعة النهار، ويقوم بحقوق زوجته وذريته ويعُقُّ والديه، ويقرأ القرآن ويسمع الغناء؛ تلك هي صفة من صفات بني إسرائيل حينما أنكر الله عليهم ذلك فقال: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة: 85).

أخي الحبيب.. كُرِّمت بعبادة ربك، فارعَ حقوقه، وفُضِّلت برسالة نبيك محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- فأدِّ أوامره: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65). فهل أخضعتَ قلبك وعقلَك لخالقك، فلم تجعل لنفسك رأيًا بعد أمر الله، ولا قضاءً بعد قضائه، ولم تجد في صدرك كراهية لما شرع، وسلَّمت بعد ذلك تسليماً؟!

نعم، إننا نسمع الموعظة، ونحضر الجُمَع، ونصلِّي مع الجماعات، ونتلو القرآن، وننصت للحديث، لكن ما حظُّ جوارحنا من العمل بما سمعته آذننا وامتلأت به قلوبنا؟! إنني أعلم وتعلمون أنَّ النصيحة فيها ثقل على النفوس إلا على نفوس تربَّت على محبة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وحرصت على النجاة بأنفسها وأهليها في يوم عظيم الكروب جسيم الخطوب، لكن ما فائدة السماع إن لم تصحبه الطاعة؟!

وللحديث بقية -إن شاء الله-.