الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتتقدَّم "الدعوة السلفية بمصر" لشعبنا المصري الكريم، ولأمتنا الإسلامية بأحر التهاني بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك؛ فتقبَّل الله منَّا ومنكم صالح الأعمال، وأعاده علينا جميعًا بالخير واليمن والبركات.
فالحمد لله أن بلَّغنا رمضان، والحمد لله أن أعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته فيه، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبله منَّا كما يتقبَّل صالح الأعمال من عباده المتقين.
فقد جاء رمضان ورأينا كيف يغرس التقوى في قلوب المسلمين، وكيف تساءل الناس عن المفطرات خشية أن يأتوها، ورأينا كيف كان المسلم يخشى أن يتسرب إلى جوفه شيءٌ بسيطٌ من الطعام والشراب أو حتى الدواء، أو تصدر منه الهفوات خوفًا من أن يبطل صومه أو ينتقص أجره.
ورأينا كيف امتلأت المساجد بالمصلين بين راكعين وساجدين ومعتكفين، وكيف تسابق المسلمون للإنفاق في سبيل الله؛ فحرصوا على إخراج زكاة أموالهم ثم صدقاتهم لإعانة إخوانهم من الفقراء والمساكين، وكيف عمد المسلمون إلى كتاب الله -سبحانه وتعالى- يقرؤونه حال صيامهم وقيامهم متأسين برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ" (متفق عليه).
وحريٌّ بِمَنْ ذاق حلاوة الطاعة والإقبال على الله -سبحانه وتعالى- أن يداوم عليها، وحريٌّ بالمسلم الصالح أن يستقيم على طاعة الله -سبحانه وتعالى-؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ وَإِنْ قَلَّ) (متفق عليه).
العبودية وظيفة العمر ومحور الدِّين:
فالعبودية وظيفة العمر، وهي محور الدين، وهي القضية الكبرى، وهي ما خلقنا الله من أجله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56). والعبادة هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال؛ فالمسلم يعبد الله على كل حال في رمضان وسائر العام؛ في مسجده وبيته وعمله، قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162)، فتراه محافظًا على صلاة الفريضة، ولا يحول بينه وبينها إلا عذرٌ من نوم أو نسيان، ثم إذا استيقظ أو انتبه بادر إلى قضائها، وتراه مع الفريضة لا يغفل عن السنن الرواتب؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) (رواه مسلم). ولا يغفل عن صلاة الضحى ولا الوتر؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: (أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَنَوْمٍ عَلَى وِتْرٍ) (متفق عليه).
المسلم يذكر الله في كل حين:
والمسلم لسانه رطبٌ بذكر الله؛ فيجلس في مصلاه للشروق يذكر الله بالمأثور عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيكتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة، وفي المساء يذكر الله، وبعد الصلوات، وعند النوم، وعلى كل حال؛ قال -تعالى-: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: 191).
والمسلم بارٌّ بوالديه؛ يمتثل لأمرهم، ويعطف عليهم، ويخفض لهما جناح الذل من الرحمة، خاصة إذا بلغا الكبر عنده، فَرَقَّ عظمهما أو انحنى ظهرهما.
والمسلم يصل رحمه؛ لأنه يعلم أنَّ الله قال في الحديث القدسي: (أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي؛ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
المسارعة إلى الدعوة إلى الله:
وإنَّ من أعظم الطاعات التي ينبغي أن يبادر إليها المسلم: أن يكون داعيًا إلى الله بلسانه وبفعله؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33)؛ فبالدعوة إلى الله ينتشر الخير ويُقمع الشر، ويُثقل ميزان العبد يوم القيامة، والدال على الهدى له مثل أجر فاعله، فبالدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- تنهض المجتمعات، وتقاوم الشبهات والشهوات، وتعلو الهمم وتخنس الشياطين.
أثر النية في تحويل المباحات إلى طاعات:
ومن عجيب الأمر في الطاعات: أنَّ المباحات تتحول لطاعات إذا دخلت عليها النية الصالحة؛ فقد كان السلف -رضي الله عنهم- يحتسبون نومتهم كما يحتسبون قومتهم؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) (متفق عليه). فاحرص أن تنتوي الخير في مأكلك ومشربك، وملبسك، ومنامك؛ فبالنيات يضيف المسلم أعمارًا إلى عمره.
قبول الله لتوبة عبده وفرحه برجوعه إليه:
والأعجب من ذلك: أنَّ التائب إذا عاد إلى ربِّه الكريم، فإنَّ الله -سبحانه وتعالى- يقبله ويفرح به، ويبدِّل له سيئاته حسنات؛ فقد جاء رجلٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا أَتَاهَا؛ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: (فَهَلْ أَسْلَمْتَ؟) قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: (تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ، وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ، فَيَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ). قَالَ: وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟ قَالَ: (نَعَمْ). قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ؛ فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى. (رواه الطبراني، وصححه الألباني).
وباب التوبة مفتوحٌ حتى تطلع الشمس من مغربها، وفي حق العبد حتى يأتيه الموت، بل يفرح الله بتوبة العبد إذا أقبل عليه؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) (رواه مسلم).
التحذير من الذنوب والموبقات:
تلك المعاصي التي يئن كاهل مجتمعنا منها، والتي إن تُرِكت في مجتمع دون أن تعالج ويتصدى لها المصلحون، توشك أن تقضي عليه، وتستجلب غضب الرب -سبحانه وتعالى-؛ قال -تعالى-: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال: 25)، فأكل الربا أضعافًا مضاعفة، والسحر، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، والاستهانة بالدماء، وغيرها؛ هي من الموبقات التي تهلك صاحبها في الآخرة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: (الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ) (متفق عليه).
تلك الموبقات تجعل العبد أيضًا في الدنيا يحيا معيشة ضنكًا؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) (طه: 124).
التبرُّج وترك الحجاب من أسباب شيوع الفاحشة والانحراف:
ومن المعاصي التي يئن منها مجتمعنا: التبرج وترك الحجاب الذي أمر الله به المُسلِمات العفيفات، والذي ما فُرض عليها إلا للحفاظ عليها، والحفاظ على المجتمع؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) (الأحزاب: 59).
فكيف لمسلمة أن ترضى بدلًا من أن تكون مسارعةً في الخيرات أن تكون سببًا لفتنة غيرها من شباب المسلمين المأمورين بغض البصر كما هي مأمورةٌ أيضًا به؛ قال -تعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30- 31).
خطر الشائعات ووسائل التواصل الحديثة:
ومع انتشار وسائل التواصل الحديثة وسهولة نشر الأخبار والصور، نجد العديد من مستخدميها يسارعون في نشر الأخبار الكاذبة والشائعات التي من الممكن أن تمس أعراض غيرهم، والإسلام دين تثبت وحسن ظن بالمسلمين؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)، فربَّ شائعة مخترعة مكذوبة أدَّت إلى خراب بيوت وتشويه سمعة، بل ربما دفعت بالبعض لقتل نفسه خوفًا من الفضيحة أو تشويه السمعة، فحين تبلغ الكذبة الآفاق ويصعب نفيها، يصبح الحليم حيرانًا!
فكيف بِمَنْ جَعَل رزقه أن يقوم باختراع الشائعات ونشرها -يريد بذلك النيل من عباد الله المؤمنين وتتبع عوراتهم-؟! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
غزة ونقض اليهود للعهود:
يأتي العيد ونيران الحروب لا تكاد تخبو في منطقتنا؛ نيران يشعلها اليهود في كل مرة كعادتهم، فلم يكد جرح غزة يتوقف عن نزف الدماء والذي قتل فيه الكيان الصهيوني عشرات الآلاف من الأبرياء على مشهد ومرأى من العالم الغربي المتحضر، بل وبمساعدة العديد من الدول التي لم تفتأ تتدخل في شئون دولنا تحت ذريعة حقوق الإنسان ثم لم يطرف لها جفن وهي ترى أنهار الدماء تسيل في غزة على مدار عامين.
ولا يزال إخواننا في غزة يبيتون في الخيام التي لا تقيهم حرًّا ولا قرًّا، ولا يكاد يصل لهم من المساعدات ما يقيم أصلابهم، بينما يماطل اليهود في تنفيذ ما تمَّ من اتفاق كعادتهم في نقض العهود ويعرقلون بدء إعادة الإعمار؛ فاللهم عليك باليهود وبِمَنْ عاونهم على الظلم والبغي.
الصراع الإيراني الصهيوأمريكي وأبعاده الإستراتيجية:
لم تكد آلة الحرب تتوقف في غزة حتى أدارها الكيان الصهيوني في إيران؛ فالكيان الصهيوني يسعى لاستعادة معادلته الأمنية -بأنه مكانٌ للأمن والرخاء وأنَّ كل الحروب التي خاضها إنما خاضها على أرض خصومه وأنه بيئةٌ آمنةٌ للعمل والاستثمار والاستقرار-؛ تلك الدعاية التي استجلب بها اليهود من بقاع العالم.
لقد كان لسعي إيران لامتلاك السلاح النووي ثم إطلاق بعض الصواريخ في حرب الاثني عشر يومًا على قلب الكيان أثر كبير في اهتزاز المعادلة الأمنية التي بنى الكيان دعايته وترغيبه ليهود العالم ليهاجروا إلى أرضنا المحتلة؛ لذا توجه لإشعال الحرب مع إيران ليقضي على الخطر النووي والصاروخي القادم منها، والذي يجعل غالبية شعب الكيان يبات في الملاجئ.
يريد الكيان الغاصب أن يتخلص من خطر الصواريخ الإيرانية ومن النظام الإيراني نفسه إن أصرَّ على الاحتفاظ بهذه الصواريخ، ومن خلفه أمريكا بإدارتها الحالية التي تسعى لتحقيق نبوءات دينية مخترعة على حساب استقرار دول المنطقة، بل ربما بما يهدد وجود تلك الدول من الأساس، فأمريكا الحامي الأول للكيان الصهيوني. وقد تلاقت رغبة الكيان في التخلص من إيران مع رغبة الرئيس الأمريكي في السيطرة على موارد النفط والتحكم فيها ليضيق الخناق على غريمه الصيني.
جرائم الشيعة في حق أهل السنة وخطورة العقائد المنحرفة والبدع:
لم تنسَ أمتنا الإسلامية -ومنطقتنا خاصة- ما فعلته إيران بها وبحواضرها السنية؛ فلم تدخل أمريكا أفغانستان ولا العراق إلا بمساعدة إيران، ولم تدخل روسيا سوريا إلا باستدعاء إيران لها، ولم تتمدد إيران وتتباهى بالسيطرة على أربع عواصم عربية إلا تحت سمع وبصر أمريكا، ولم ترتكب إيران ما ارتكبت من مجازر في حقِّ أهل السُّنة في دولنا العربية إلا وأمريكا تصور وتوثق وتبارك.
وحتى في حربها مع أمريكا والكيان الصهيوني قصفت إيران الدول العربية التي أعلنت مرارًا وتكرارًا أنها لا تشارك في تلك المعارك، ولكن إيران قصفتها بخمسة عشر ضعف ما قصفت به الكيان! إنَّ ما يحدث في منطقتنا المشتعلة والتي لا تخمد فيها نيران حرب حتى تشتعل أخرى لرسالة لنا لندرك خطورة البدع والعقائد المنحرفة -التي إن انتشرت جلبت معها الخراب-.
فقد عاثت داعش التي كفَّرت المسلمين ثم استحلت دماءهم وأموالهم وأعراضهم؛ بالأمس القريب عاثت بالعديد من الدول الإسلامية، ودمَّرت حواضرها وقتلت علماءها ثم سلمتها لأعداء الأمة، وفعلت إيران التي تعتقد عقيدة الرفض ببلادنا العربية والإسلامية أعظم وأعمق مِمَّا فعلته داعش!
تمدد أصحاب تلك الأفكار المنحرفة بمباركة الدول الغربية؛ لأنهم يدركون خطرها الجسيم على المسلمين، ثم حين ينتهي دورها وتؤدي ما عليها، يحين موعد القضاء عليها؛ فحين قصفت إيران الكيان وحين سعت لامتلاك السلاح النووي، رأى الغرب أنَّ إيران تجاوزت الحد الذي رُسِم لها وأصبحت تشكل خطرًا يتعدى تخريبها بلادنا العربية للإضرار بمصالح الكيان ومِن خلفه أمريكا؛ لذا حان موعد تقليم أظافرها وربما التخلص منها.
موقف أهل العِلْم من الخوارج والروافض:
ورغم ما أصاب عالمنا الإسلامي من مصائب وآلام على يد الخوارج والروافض؛ إلا أنَّ عامة أهل العِلْم لم يكفِّروا الخوارج والروافض لتأويلهم، فلكلمة لا إله إلا الله شأنٌ عظيمٌ، فبها تعصم الدماء، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) (رواه البخاري ومسلم وأحمد واللفظ له).
وبها ينجو الناس يوم القيامة؛ فإيران رغم ما ارتكبته بمباركة أمريكا والغرب يبقى لها ولاء الإسلام العام الذي يجعلنا نتمنى لها الصمود في وجه الهجمة الصهيونية والأمريكية، ولِمَا لصمودها أيضًا من تعطيل سيناريو الشرق الأوسط الجديد الذي يبشر به قادة الكيان الصهيوني؛ لأننا نعلم أنَّه سيكون على حساب دولنا واستقرارها وعقيدتها في ظل هرولة البعض نحو الاتفاقات الإبراهيمية المشبوهة.
التماسك المجتمعي في ظلِّ الأزمات:
إنَّ صوت المعارك على ضفاف الخليج لا يجعلنا أبدًا ننسى إخواننا في فلسطين والسودان وسائر بلاد المسلمين؛ الذين يعانون القتل والتجويع والإبادة، ويتعرضون لمؤامرات لتفتيت بلادهم أو للتهجير منها؛ فاللهم كفَّ عنهم بأس الذين ظلموا فأنت أشد بأسًا وأشد تنكيلًا.
إنَّ صوت المعارك على ضفاف الخليج العربي ليجعلنا نحافظ على بلادنا، ونحافظ على مقدراتها، ونحافظ على تماسك المجتمع داخلها، وألا نصغى لأي مخرب يسعى للنيل من أمنها أو يريد الوقيعة بين أبنائها.
خطر الصوفية الخرافية ودعم الغرب لها:
إننا حين نرى كيف استغل الغرب أصحاب الأفكار المنحرفة من بني جلدتنا لا تستغرب حين ترى الغرب يدعم الصوفية الخرافية اليوم ويفسح لها المجال، والتي تصرف الناس عن التوحيد الخالص الذي يقر لله وحده بالربوبية والألوهية إلى الالتفاف حول القبور والأموات وطلب الغوث والعون والمدد من الأموات، واعتقاد أنهم يملكون للأحياء الضر والنفع؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) (الأحقاف: 5).
التوحيد الخالص هو أساس الدين:
والتوحيد الخالص هو الإيمان بالله ربًّا؛ فهو وحده الخالق الرازق البارئ المالك وهو وحده الحاكم الآمر المطاع. التوحيد الخالص هو صرف العبادة لله وحده؛ فلا يُسجد إلا له، ولا يُطلب المدد إلا منه، ولا ترفع أكف الضراعة إلا له، ولا يُذبح ولا يُنذر إلا له -سبحانه وتعالى-.
والتوحيد الخالص هو الإيمان بأسماء الله وصفاته -كما هي- من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل؛ فهو سبحانه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: 11)، والتعبد له بها -سبحانه وتعالى-؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). أي: مَنْ أحصاها فحفظها في صدره وعرفها وتعبد لله بمقتضاها؛ فإذا علمت أنَّه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنَّه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنَّه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمت أنَّه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه.
الأمة الإسلامية والوحدة والاعتصام:
- إنَّ أمتنا الإسلامية تمرض، لكنها لا تموت.
- إنَّ أمتنا الإسلامية خير الأمم حين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: 110).
- إنَّ أمتنا الإسلامية منصورة حين تنصر الله -سبحانه وتعالى-، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: 7).
- إنَّ ما تمر به أمتنا الإسلامية -ومنطقتنا على وجه الخصوص- يدفع المخلصين من أبناء هذه الأمة إلى الوحدة والتكاتف، والتآزر والتعاضد والاعتصام بحبل الله، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103). وحبل الله هو القرآن الكريم؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَمْدُودُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ) (رواه ابن أبي شيبة، وصححه الألباني).
وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرُّق، والأمر بالاجتماع والائتلاف؛ كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا: يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ) (متفق عليه). فاللَّهُمَّ أبرم لهذه الأمة أمرًا رشيدًا، تُعِزُّ فيه وليك، وتُذِلُّ فيه عدوك، ويُعمل فيه بطاعتك.
العيد يوم فرح وتوسعة وصلة:
عباد الله، إنَّ العيد يوم فرح وسرور، وشكر لنعمة الله -سبحانه وتعالى-، والتوسعة على الأهل والأولاد؛ كلٌّ على قدر سعته وطاقته؛ فَصِلُوا أرحامكم، وتفقَّدوا جيرانكم، وأدخلوا السرور على إخوانكم المسلمين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- سُرُورٌ يُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ يَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ يَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ يَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).
تقبل الله منَّا ومنكم صالح العمل، وأعاد علينا عيد الفطر بالخير واليمن والبركات.