الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 01 مارس 2026 - 12 رمضان 1447هـ

نعمة الإيمان (3)

كتبه/ أحمد مسعود الفقي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن الفرد بلا إيمان لا قيمة له ولا جذور، ريشة في مهَبِّ الريح، لا تستقر على حال، ولا تسكن إلى قرار، قلق، حائر، متردد لا يعرف حقيقة نفسه ولا سر وجوده، لا يدري من أوجده في هذه الحياة؟ ولماذا أوجده؟ ومتى يخرجه منها؟ وإلى أين سيذهب بعد ذلك؟

يقول أحد هؤلاء:

جئت لا أعلم من أين ولكنى أتيتُ!

ولقد أبصرتُ قدامي طريقًا فمشيتُ!

وسأبقى سائرًا إن شئتُ هذا أم أبيتُ!

كيف جئتُ؟ كيف أبصرتُ طريقي؟

لستُ أدري!

وباختصار: الفرد بلا إيمان: (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (البقرة: 171)، بقلب لا يفقه، بعين لا تبصر، بأذن لا تسمع، فيكون كالبهيمة، بل هو أضل من البهيمة؛ قال -تعالى-: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف: 179).

وكذلك المجتمع بلا إيمان مجتمع تافه مهين رخيص، غايات أهله لا تتجاوز شهوات بطونهم وفروجهم؛ قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) (محمد: 12).

أما المؤمن الواثق بربه فعلى يقين تام بأنه ما خلق إلا لعبادة الله -عز وجل-، وأنه إلى الله راجع، وأمره إليه صائر، وأنه محاسب على ما قدم من الأعمال، صغيرها وكبيرها، إما خيرًا فخير، وإما شرًا فشر، فعمل بطاعة الله، وانتهى عن معصية الله؛ إنه الإيمان، وما أدراك ما الإيمان؟!

الإيمان يعني الانقيادَ التام والتسليمَ المطلق لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، ونبذ كل ما كان من أمر الجاهلية وقيمها وأخلاقها وأعرافها وتشريعاتها وراءه ظهريًّا، ويعني أيضًا: الولاء المطلق لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، والبراء من الكفار، ولو كانوا آباءً أو إخوانًا أو أزواجًا أو عشيرةً، ويعني أيضًا الصبر على الأذى في الله الذي لا تطيقه إلا نفوسٌ سمت إلى قمة تحمل الفرائض والواجبات، حتى إن الواحد ليكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يلقى في النار.

والإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فلا يمكن للعبد أن يتخلى عن دينه أو أن يرتد عنه مهما كانت الأسباب، ومهما بلغت المغريات، ومهما تنوعت طرق الإغراء أو الإغواء؛ ولذلك قال هرقل لأبي سفيان كما في البخاري -رحمه الله-: "وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطًا على دينه بعد أن يدخل فيه؟ فأجبت: لا. وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب".

وإذا صحَّ الإيمان ووقر في القلبِ جعل الحياة نعيمًا وأنسًا، وسعادةً، وأمنًا وأمانًا واطمئنانًا، ورضًا، فإذا مشَى المؤمن على الأرضِ مشى سويًّا، وإذا سار سار تقيًّا وسدد الله سمعَه وبصرَه وجميعَ جوارحه، فكانت حركاتُه وسكناتُه كلُها إيمانيّة، وصدق فيه قول الله في الحديث القدسي: (فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) (رواه البخاري).

وللحديث بقية -بمشيئة الله-.


مواد ذات صلة