إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 11 أكتوبر 2007 - 29 رمضان 1428هـ

حوار موقع الإسلام اليوم مع فضيلة الشيخ/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

هذا حوار قام "موقع الإسلام اليوم" مع فضيلة الشيخ/ ياسر برهامي "مشرف موقع صوت السلف". وهذا نص الحوار:

 

الشيخ برهامي: لقائي بالشيخين نقطة تحول في حياتي

القاهرة/ محمد مرسي     26/9/1428         08/10/2007

 

الشيخ ياسر برهامي.. داعية من طراز فريد، وعالم لديه قدرة عجيبة على مزج القواعد الفقهية بالواقع في أسلوب تشعر معه أن الإسلام حقًا دين جاء ليبقى، وبقي ليسود، ما إن تطرح عيه سؤالاً حتى تسمع إجابة تنهال على مسامعك، وتتراكم مثل كرات الثلج التي يصعب الوقوف في طريقها.
ويعد الشيخ أحد رموز المنهج السلفي، وواحدًا من أنشط العلماء في الجانب الدعوي في مصر..
ولد في محافظة الإسكندرية في 25 صفر 1378 هـ الموافق 9/9/1958م، وحصل على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1982م، كما حصل على ماجستير طب الأطفال عام 1992م من جامعة الإسكندرية، ثم حصل على ليسانس الشريعة الإسلامية عام 1999م من جامعة الأزهر.
بدأ الشيخ العمل الدعوي وطلب العلم في المرحلة الثانوية، وشارك في العديد من المجالات الدعوية بداية من تأسيس معهد إعداد الدعاة للمدرسة السلفية بالإسكندرية والتدريس فيه، حيث قام بتدريس مادتي التوحيد وأصول الدعوة إلى حين إيقافه سنة 1994م.
التقت "الإسلام اليوم" الشيخ قبل رمضان بأيام وحاورته عن أهم ذكرياته وأعماله في الشهر الكريم:

من المعلوم لدى كل مسلم أن رمضان موسم الخيرات، فكيف يستقبل المسلمون-وخاصة الشباب منهم- الشهر الكريم؟
نسأل الله- تعالى- أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه وإياكم والمسلمين على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعله شهر خير وبركة على أمة الإسلام في كل مكان، وأن ينصر المجاهدين والدعاة فيه في كل مكان، وأن ينجي المستضعفين من المسلمين في كل مكان، وأن يجعلنا فيه من عتقائه من النار، ومن المقبولين.
إذا علم الإنسان أن حياته الحقيقية هي حياة قلبه، وأن عمره الحقيقي هو ما قضاه في طاعة الله-عز وجل- والتقرب إليه، وعلم فضل شهر رمضان، ومضاعفة الخير فيه، وفتح أبواب العبادات كلها من صلاة وصيام وصدقة، وعمرة فيه- تعدل حجة- ودعوة إلى الله، وجهاد في سبيله، وهي كلها تؤدي إلى أبواب الجنة التي تفتح من أجل المسلمين في رمضان، وعلم أن الله يأمر مناديًا يناديه هو وإخوانه:"يا باغي الخير أقبل".
إذا علم المسلم كل ذلك عَلَت هِمَّته، وارتقى قلبه إلى المراتب العالية والمنازل السامية التي لا تنال إلا بطاعة الله، فَضَنَّ بوقته أن ينفقه في غير طاعة؛ فالمؤمن جوَّاد بماله وجاهه، بخيلٌ بزمانه، فعلى المسلم أن يستغل كل وقته في رمضان، ثم في غيره في عبادة الله عز وجل. وفي الحديث القدسي: (يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأملأ يديك رزقًا، يا بن آدم، لا تباعد مني أملأ قلبك فقرًا وأملأ يديك شغلاً(.
والشباب خصوصًا عليهم أن يستغلوا هذا الشهر في أخذ ما آتاهم الله بقوة، قوة علمية وقوة عملية؛ حتى يتحقق لهم البعد عن الضلال، والسلامة من الغَيِّ، فيكونوا من الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (وشاب نشأ في عبادة الله)،
فلابد من برنامج لتلاوة القرآن وتدبره، وحفظه ومراجعته، ومعرفة تفسيره، وكذلك لمعرفة السنة، وأنصح برياض الصالحين والترغيب والترهيب، حتى ولو سبق قراءتها.
وأنصح نفسي وإياهم بالاهتمام بسلامة الصوم من اللغو والغيبة، والرفث والنميمة، وتضييع الوقت وراء مباريات الكرة، أو أخبار الفنانين والإعلاميين، وأن يكون صومًا من المواقع الفاسدة، والمجالس المنكرة التي يعلم الجميع ما فيها.
وأنصح أخواتي المسلمات بعدم تضيع الوقت في إعداد أصناف الطعام، وعلى أزواجهن معاونتهن على ذلك، ولتكن دعوات الإفطار التي يحب الأقارب تبادلها في هذا الشهر بأيسر الأطعمة دون غلو أو إسراف.
نشهد في رمضان مزيدًا من الحب والتآلف بين المسلمين، فكيف يمكن استخدام الشهر المبارك في توحيد الأمة؟
الألفة والحب بين المسلمين من أوثق عرى الإيمان كما بيَّن الرسول- صلى الله عليه وسلم- (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله(، وإنما يكون الحب في الله بتحقيق سلامة العقيدة من الانحراف، وسلامة العمل من البدع، وسلامة الخُلُق من الانحراف وسوء معاملة الخَلق، وسلامة القلب من الرياء والسمعة والحسد والكبر، وإنما تتوحد الأمة بالالتقاء الصادق على كتاب الله عز وجل، وسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كما كان الصحابة والتابعون وتابعوهم، والنصيحة الصادقة للمسلمين بأداء حقوق الأخوة الإيمانية عبر الزمان والمكان باستشعار قضاياهم، والتألم بألمهم، والفرح بفرحهم، والدعاء بنصرهم، وتفريج كرباتهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والتزاور في الله والمجالسة فيه على طاعته، والبذل من النفس والجاه والمال لخدمة المسلمين، والتواضع لهم، وخفض الجناح رحمةً ومودةً، وتجنب أذاهم بالقلب أو باللسان أو باليد واجتناب غيبتهم والنميمة بينهم، وملاطفة يتيمهم ومساعدة أراملهم، وأن يُخلف مجاهدوهم في أهليهم بالخير، والسعي في فكاك أسراهم، ولو بالدعاء لهم في ظلمة السَّحَر، ومعاونة فقرائهم ومساكينهم، وعيادة مريضهم.
فليبحث كل واحد منا عن خصال من هذه يَقْدِر عليها وإن لم يفعلها كلها، فإنا بذلك نكون قد خطونا خطوات، وبنينا لبنات في وحدة الأمة.
ما الجديد الذي تنوون فعله في رمضان هذا العام، ولم تقوموا به من قبل؟
أنوى إعداد ملف يومي لكل يوم من رمضان، ننشره على موقع "صوت السلف"- إن شاء الله- يتضمن عبادة قلبية قلَّ الاهتمام بها، وتأملات في آية قرآنية، أو حديث نبوي، أو دعاء من جوامع الكلم للنبي- صلى الله عليه وسلم- مع بعض المسائل والأحكام حول الصيام، عسى أن نعيد لإخواننا- بعد أنفسنا- الاهتمام بما عظمه الله، ومداواة أمراض قلوبنا بالشفاء الذي نزله الله.
يداهمنا الإعلام بسيل جارف من المواد الترفيهية في رمضان، فكيف يتعامل المسلم مع المواد المقدمة؟ وكيف يمكن للمواقع والفضائيات الإسلامية أن تستغل رمضان إعلاميًا؟
أما تلك الخطة الشيطانية التي يعدها الإعلام الفاسد في شهر رمضان لإلهاء المسلمين عن عبادة ربهم في هذا الشهر، حين تسلسل شياطين الجن، فينطلق شياطين الأنس؛ لأخذ دورهم في فترة اعتقالهم وحبسهم، فلابد أن نحذر منها أشد الحذر؛ فإن جبريل- عليه السلام- أخبر الرسول-صلى الله عليه وسلم- أنه: (رَغِمَ أنف من أدركه رمضان ثم لم يغفر له).
ومن أعظم ما يمنع المغفرة إدمان النظر إلى العورات المكشوفة، وإدمان سماع المعازف المحرمة والكذب والبهتان، وامتلاء القلب باتباع الشهوات والإرادات الحقيرة، وانشغال الجوارح بالتنافس السخيف على التفاهات الفارغة، مثل: الفوازير والمسلسلات، واربح المليون واخسر نفسك، في الحقيقة. فنسأل الله العافية.
أما المواقع والفضائيات الإسلامية فعليها دور كبير مهم في إيقاظ الهمم، وإرشاد العقول والقلوب لطرق الهداية، وقد جعل الله لكثير منها قبولاً لا يقل عن إقبال الناس على قنوات الشهوات التفاهات، فلابد من إعداد البرامج التي تذكر بالآخرة، وتسعى إلى تجديد الإيمان، ومعالجة القضايا الواقعية للمسلمين، وتحديد الموقف الصحيح منها بأدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وتجنب فتوى أهل الانحراف، والحرص على عدم تصديرهم للأمة على أنهم علماء أو دعاة، بل التحذير منهم واجبٌ نصيحةًً للأمة، وحرصًا على سلامة عقيدتها ومنهجها ومرجعيتها.
كل إنسان يضع لنفسه خطوطًا حمراء في رمضان لا يتجاوزها، فما أهم الخطوط لديكم؟
أظن أن أهم تلك الخطوط لدي هو عدم السماح بإضاعة الوقت في مجالسات، أو منازعات تأخذ القلب بعيدًا عن جو القرآن، وتشغله بما أقل أحواله أن يكون غيره أولى منه.
ما هو أجمل رمضان قضيته في حياتك؟
إن لذة المؤمن الحقيقية هي في أوقات الطاعة والعبادة؛ لأن القرب من الله- عز وجل- هو النعيم، وإنما يتقرب العبد من ربه بسجوده وركوعه وقيامه وتلاوته القرآن وسماعه مع التدبر، وأن يذوق الإنسان لذة الشوق إلى لقاء الله ومحبته. ورمضان أعظم فرصة لحصول ذلك، ومن الصعب أن أحدد أي رمضان بعينه كان أجمل؛ فكل رمضان كان- بفضل الله علىّ- جميلاً لا أجد له نظيرًا، خصوصًا الليالي العشر الأواخر.
هل قضيت رمضان قبل ذلك في المعتقل؟ وإن حدث، فما هي أهم الذكريات التي حدثت فيه؟
نعم قضينا رمضان في المعتقل مرتين مرة في رمضان 1407هـ، ومرة في رمضان 1423هـ، وهي من أفضل أيام حياتي رغم ما فيها من ألم، ألم مفارقة المساجد، وألم مفارقة الأهل والإخوة والدعوة، لكن الله- سبحانه- يجعل للمؤمن من كل ألم في سبيل الله سببًا للذة القرب منه، وتفرغًا لعبادته بما لا يجده في أوقات العافية، وليست أوقات المحن بخالية من أنواع العافية، بل هي ابتلاء من جهة وعافية من جهات، وقد يظن كثير من الناس أنهم في عافية، وهم في أنواع من البلاء والمحن أعظمها الانشغال عن ذكر الله وعبادته.
كان معي في المرة الأولى الشيخ أحمد فريد، حفظه الله، والشيخ فاروق الرحماني، رحمه الله، وإخوة آخرون، وقضينا العشر الأواخر في زنزانة انفرادية في الطابق الأرضي من عنبر "أ" في "استقبال طره"، وكان معي فيها الشيخ محمد أحد شيوخ الأزهر، ولازلت أذكر مشاعري في تلاوة: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا)، في إحدى الركعات في ليلة من ليالي العشر الأواخر، والسعادة الغامرة التي لا أنساها، حتى إني لأشتاق لرؤية هذا المكان، لكن بالطبع ليس معتقلاً فيه، نسأل الله العافية.
أما المرة الثانية فكانت مع فضيلة الشيخ سعيد عبد العظيم، والشيخ سيد حسين العفاني، وإخوة أحباء آخرين، حيث قضينا أول ليلة من رمضان والكهرباء منقطعة، والسجن مظلم، لكن الله مَنَّ علينا بليالٍ لا تنسى حلاوتها رحمة منه وفضلاً، فظلمات اليأس والألم تتبدد مع أنوار الرجاء والرحمة، والله خير حافظًا وهو أرحم الراحمين، فله الحمد، وأسأله أن يعافي كل المستضعفين من المسلمين في كل مكان، وأن يفك أسر المأسورين، وأن يرفع الظلم عن المظلومين.
كيف ترى الاعتكاف في رمضان؟ وما هي نصائحك للذين ينوون الاعتكاف هذا العام؟
بفضل الله منذ سنة 1400 هـ لم أترك الاعتكاف في المساجد، إلا في المرتين اللتين اعتقلت فيهما، والاعتكاف تربية أساسية يحتاجها المؤمن، وتجديد لقوة إيمانه، ومراجعة لنفسه، ووعاء لنزول الرحمات والهبات وعطايا من الرحمن الرحيم، لا ينالها إلا من جاء بالإناء ووقف ينتظر المَنَّ؛ فالعبادات كلها أوعية لنزول عطايا الرب لقلب عبده المؤمن من محبته وخوفه ورجائه وتوكله وشوقه وشكره وصبره وإخباته وإشفاقه وفقره وذله وغناه بالله- سبحانه وتعالى- دون ما سواه ومن سواه.
وفي الاعتكاف تجتمع أصول تهذيب النفس كلها، من ترك فضول الطعام والشراب والشهوة الجنسية، وترك فضول الاختلاط بالناس- لمن اعتكف الاعتكاف النبوي، وليس اعتكاف الأُنْس بالناس والانشغال بهم- وترك فضول الكلام، وترك فضول النوم بصلاة القيام وقراءة القرآن، مع شهود الجماعة والمحافظة على تكبيرة الإحرام، ولو وجدت دروس نافعة في تهذيب النفس، والسيرة، والقرآن تدبرًا وفهمًا لكان فيها الخير الكثير.
ونصيحتي لإخواني الذين ينوون الاعتكاف أن يهتموا بما ذكرنا من أصول التهذيب والإصلاح، وأن يدخلوا هذه المدرسة بقلوبهم، وليس فقط ملازمة المسجد بأبدانهم.
هل قمت بعمرة في رمضان قبل ذلك؟ وما أهم الذكريات التي تحملها عن العمرة؟
بفضل الله أقوم بعمرة في أول رمضان من كل عام، إلا بعض الأعوام لم يُيَسَّر لي ذلك، والضعفاء من أمثالنا ليس لهم من أوقات لذة في الطاعة غير أوقات الصلاة والاعتكاف والحج والعمرة، فهي ذكرى الطاعة مع قلة بذلنا وضعف جهدنا في نصرة الدين، لا نجد أمثل من ذلك، وقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة)، ونسأل الله أن يغفر لنا تقصيرنا وعجزنا، وأن يتقبل منا.
وأذكر أول عمرة قمت بها في حياتي في رمضان 1399هـ، وتكلَّفت بالبقاء للحج مائة وعشرين جنيهاً مصرياً، وكانت أول مرة ألقى فيها سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ ابن عثيمين-رحمهما الله- وقد أحسن إلينا سماحة الشيخ ابن باز- رحمه الله- بأن وجه لنا دعوة للحج في مخيمات هيئة التوعية، ويسر الله لنا أن يكون عالم الخيمة التي نحن فيها فضيلة الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله- وكان معي في هذه الخيمة الشيخ مصطفي العدوى قبل ذهابه لليمن، وقد كانت هذه الرحلة ذات أثر كبير في حياتي.

 

نقلا عن موقع الإسلام اليوم.