إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 23 يوليه 2007 - 9 رجب 1428هـ

الشباب والزينة

كتبه/ ياسر عبد التواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بشّر النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- الشاب الذي ينشأ في طاعة الله -تعالى-، بالأمان في ظل عرش الرحمن الظليل، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) (متفق عليه).

ولا شك في أن الشباب هم المعـنيّون أكثر من غيرهم، بعدد من هؤلاء الأصناف، وفي هذا اهتمام كبير بالشباب، وحرص شديد على دينهم وأخلاقهم، ودنياهم وأخراهم...

وما تولية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، للشابّ الفتي أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-، قيادة جيش فيه كبار الصحابة، إلا دليل على رغبته -صلى الله عليه وسلم- في إعطاء الشباب حقهم، وعدم إهمال كفاءاتهم، وكان أسامة -رضي الله عنه- حينها، في العشرين من عمره، ولم يأبه النبي -صلى الله عليه وسلم- باعتراض المعترضين، على توليته قيادة الجيش لصغر سنه، بل أكّد أنه أهل للقيادة وكفء لها.

وفي عصرنا هذا نجد أن همة الكثيرين من شبابنا وفتياتنا قد فترت عن تلمس المعالي، وافتقرت إلى طلب العلو.

ففيه ينشغل كثير من الشباب -فتيانًا وفتيات- بالزينة، وما يسمى في العرف بالموضة.

فأصبحت حياتهم وهمتهم تدور حول اللباس والملابس، وغفلوا عن أن لباس التقوى من محبة الله -تعالى- وطاعته والالتزام بمنهجه فيها كل الخير قال -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (الأعراف:26).

وقبل أن ندخل إلى بيان بعض ما يتعلق بهذا الأمر من الأدلة الشرعية نسأل شبابنا سؤالاً مهمًا... من يحدد لكم تلك الموضة؟ ومن أين تستقى؟

ولعل الجواب هو: بيوت الأزياء العالمية.

وهنا نعود إلى سؤال آخر: أترضى أن يعبث بك بعض أشخاص أيًّا كانوا -لاسيما أن أغلبهم من الكفار- فيلعبون بذوقك ويتحكمون في لبسك، الموضة اليوم أن تحلق شعر رأسك كله، وغدًا توفره كله، وبعد غد "كابوريا وبانكي"!

وثوبك الذي يجرجر في الأرض لتخالف توجيهات النبوة في ذلك غير مكترث ولا عابئ!

وهلم جرًّا... في الملابس بين ضيق يزعج، أو عار مكشوف، أو هو أشبه بلبس المتسولين من الخيش أو الجينس.

أين شخصيتك؟ أين أنت من كل هذا..!

مشروعية التزين:

قال القرطبي -رحمه الله- عند قول الله -تعالى-: "(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) (البقرة:228)، قال ابن عباس: "إني لأتزين لامرأتي"، وقال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم، فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق –أي: بحسب ما يكون لائقًا-، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه، والشاب إذا فعل ذلك؛ سمج ومقت. لأن اللحية لم توفر بعد، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه؛ سمج، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه؛ زانه ذلك.

وروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُعْفِي لِحْيَتِي وَأُحْفِي شَارِبِي) (رواه ابن جرير، وحسنه الألباني)، وكذلك في شأن الكسوة، ففي هذا كله ابتغاء الحقوق، فإنما يعمل على اللبق والوفاق عند امرأته في زينة تسرها، ويعفها عن غيره من الرجال.

وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به، فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن، وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع، والخضاب للشيوخ، والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة، وهو حلي الرجال...)(1) اهـ. كلام القرطبي "تفسير القرطبي ج 3".

هوى النفس:

لا صلاح للشباب؛ إذا لم يتغلب على هوى نفسه ويسيطر عليها ويربيها ويأخذ على يد نفسه، فيهذب أخلاقها ويروضها، وينضبط بضابط الشرع فيما يقول ويسمع، وفيما يأكل ويلبس.

ولقد بشر الله -عز وجل- كل من تغلب على رغائب نفسه ونزعات رغباتها بأنه الفائز يوم القيامة بجنة المأوى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى) (النازعـات:40).

قال العلماء: خوف الله متلازم مع قمع شهوات النفس.

سُئل أحد الصالحين: "ما الذي أهاجك على العبادة؟ فقال: علمت أن رزقي لن يأكله غيري؛ فاطمئن قلبي، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري؛ فاشتغلت به، وعلمت أن الله مطلع عليّ؛ فاستحييت منه، وعلمت أن الموت حق؛ فاستعددت له".

فتى الموضة!

قلنا أن كثيرين من فتياننا انشغلوا بأمر المظهر ونسوا الجوهر، بل توهم بعضهم أن الرجولة في رفض القديم أيًّا كان، وأن يفعل كل ما يحلوا له، فيقلد كل من يعجب بهم من الممثلين والساقطين وغيرهم.

فأصبحت المظاهر التافهة كالسيارة والسيجارة واللباس "الكاشف"، وقصة الشعر وتصفيفه كالنساء، أو حلق بعضه وترك بعضه مع ما في أكثر تلك الأشياء من محظورات ومخالفات شرعية،  كل ذلك همه الوحيد ومقياسه الذي يقيس به الناس، وربما عقولهم ومحبتهم أيضاً!

والحق أن بعض الشباب -أيضًا- يتخنث ويتشبه بالنساء، وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فعن ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- قال: (لَعَنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلاتِ مِنْ النِّسَاءِ) (رواه البخاري)، وفي رواية: (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ) (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

فالواجب عليك -أخي الشاب- أن تكون لك شخصيتك المميزة، وأن تحرص على مظاهر الرجولة وعلى التشبه بالرجال، فإن ذلك يساعدك على سلوك مسلكهم وعلى الاقتداء بهم -أيضًا- في الأفعال، فمشابهة الظاهر؛ تورث مشابهة الباطن.

ومن السنة فيما يتعلق بالرجال في اللباس: تقصير الثوب؛ لأنه إذا أرسل تدنس، ولهذا قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيًا: "ارفع إزارك، فإنه أتقى وأنقى وأبقى"، أي: أتقى لله -تعالى- بالبعد عن الكبر، وأنقى للثوب بالبعد عن النجاسات، وأبقى له فيطول عمره بسبب عدم تعرضه لما يفسده مما يناله مما في الأرض من عوائق وعلائق.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ، لا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ) (رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني)، والكعب هو: العظمة البارزة على جنب الرِّجل عند المفصل؛ والتي هي حد الرِّجْلِ عند الوضوء.

فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الغاية في لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار، فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم، وهذه حالة الكبر، وقائدة العجب، وأشد ما في الأمر أنهم يعصون وينجسون ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره ولا ألحق به سواه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ؛ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (متفق عليه).

البنات والموضة:

والبنات -أيضًا- دخلن في لعبة الموضة، أو بالأحرى هن أكثر من يتأثر بها حتى صارت العباءات التي الأصل فيها الستر والحجاب.... موضة كذلك.

فهي مزركشة الكمين تكشف اليدين إن تحركتا؛ لأنها -وللعجب- فضفاضة عند اليدين بينما هي ضيقة تصف الجسد في بقية أجزائها، ففرغ الحجاب عن محتواه ومراد الشرع له.

ففصلت معالم كان ينبغي سترها من الجسد وكشفت عن ما ينبغي تغطيته من اليدين.. ناهيك عن وضع الزينة و"المكياج" خارج بيتها، وهي تظن أن ذلك لا ينافي الحجاب، كيف هي قد تزينت وتركت الهدف من الحجاب وهو الستر؟!

ولا بد من توفر شروط الحجاب الشرعية في ثياب المرأة لتكون محجبة:

أن يكون الحجاب ليس بزينة في نفسه.

وأن يكون سابغًا يغطي جميع جسد المرأة.

وألا يكون زينة في نفسه.

وألا يشف عما تحته من الملابس أو الجسد.

وألا يشبه زي الكافرات.

وألا يكون لباس شهرة.

فهل تحقق ذلك في تلك العباءات ومثيلاتها من الملابس الأخرى؟!

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا) (رواه مسلم)، قال ابن العربي: "وإنما جعلهن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، وإنما وصفهن بأنهن عاريات؛ لأن الثوب إذا رق يصفهن، ويبدي محاسنهن، وذلك حرام".

كما أنهن كاسيات من الثياب عاريات من لباس التقوى الذي قال الله -تعالى- فيه: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف:26). وأنشدوا:

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى       تقـلب عريانًا وإن كان كاسيا

وخــير لباس المرء طـاعــة ربـه        ولا خير فيمن كان لله عاصيا

وحث المرأة على حفظ جسدها بالاحتشام والتستر، والبعد عن مواطن الريبة، وبؤر الفساد، وعن الاختلاط بالرجال الأجانب حتى لا تقع في محرم، ولا يجرها الاختلاط والتبذل إلى الوقوع في الذنب، قَالَ -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) (الأحزاب:33).

فقد خاطب اللَّه -تعالى- أمهات المؤمنين ونساء النَبِي -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم- وهن الصالحات القانتات، اللائي تربين في مدرسة النبوة، ونشأن في أعظم جامعة إسلامية. وتأدبن بآداب النبوة، وتخلقن بأخلاق الرسول -صَلَوَات اللَّهِ وسَلاَمهُ عَلَيْه-، وقد كن لا يخرجن من بيوتهن إلا لعذر شرعي، كحج أو عمرة، أو زيارة أبوين، أو صلة أرحام، أو عيادة مريض، أو نحو ذلك. وإذا خرجن لا يبدين زينتهن، ولا يظهرن شيئًا من محاسنهن، ولا يلبسن ثيابًا براقة.

فإذا كان اللَّه -تَعَالى- قد أمرهن هذا الأمر، وهن على هذا الحال، فغيرهن من سائر النساء أولى أن يخشى عليهن، لو خرجن ومشين في الطرقات على أعين الناس، وفيهم من في قلبه مرض من العصاة الفجرة، والمجرمين الفسقة، الذين لا يخشون اللَّه، ولا يخافونه.

واتفقت كلمة الفقهاء على أن خروج المرأة من بيتها قد يكون كبيرة؛ إذا تحققت منه المفسدة، كخروجها متعطرة متزينة، سافرة عارية، مبدية محاسنها للرجال الأجانب، كما هو حاصل في هذا الزمان، مما يوجب الفتنة، ويكون الخروج من المنزل حرامًا، وليس كبيرة إذا ظنت وقوع الفتنة، ويصد عنها المفسدين المعتدين، وهو مباح فيما سوى ذلك.

وتبرج الجاهلية الأولى وهي التي كانت قبل الإسلام: التبختر في تثنٍ مع إظهار المحاسن، والزينة، وما يجب ستره من العنق، والصدر، والشعر، والقفا، والظهر، والذراعين، والساقين.

ومما يدمي قلب الحر المؤمن الغيور: ما نشاهده في هذا الزمان من تبرج النساء، والفتيات، وخروجهن متبذلات، كاسيات عاريات، مائلات مميلات، عاريات الشعور والظهور، من غير حياء ولا مبالاة، حتى صرن أكثر تبذلاً، وانحلالاً من أهل الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، وإثم ذلك راجع إليهن أولاً، وإلى أولياء أمورهن ثانيًا من الأزواج والآباء، والأخوة.

وصدق رَسُول اللَّه -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم-إذ يقول: (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)، وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أن رَسُول اللَّه -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم- قد حدث عما يحدث في المستقبل، وأخبر عن المغيبات التي حصلت بعد حياته -صَلَوَات اللَّهِ وسَلاَمهُ عَلَيْه- بتسعين وثلاثمائة وألف عام.

الشباب والحياء:

لقد علم النبي أصحابه الحياء كما في الحديث عن ابن مسعود مرفوعًا: (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَسْتَحْيِى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ (لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ؛ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

فينبغي للشباب فتيانًا وفتيات أن يتخلقوا بخلق الحياء فيما يتعلق باللباس: فيبتعدوا عن كشف العورات ويجتنبوا الملابس غير اللائقة التي تفصل الجسم، أو تشبه لباس الكفار، أو تلفت النظر فيصير لبس شهرة -كما سنفصل بعد قليل-.

والحياء خلق يجب أن يفعله الجميع فهو لا يأتي إلا بخير، وهو للرجال والنساء، ولا يناقض الرجولة في شيء، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أشد الناس حياء، ففيما يتعلق بالرجل يجب أن يمنعه حياؤه من أن يكشف عورته، ففي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن بهز بن حكيم، قال حدثني أبي عن جدي قال: قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِى مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ: (احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ (إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَاهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا). قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَالَ: (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَسْتَحْيِىَ مِنْهُ النَّاس) (حسنه الألباني).

ومن أكبر صور الحياء: محافظة المرأة المسلمة على كرامتها وحشمتها، ومراقبة ربها، وحفظ حق زوجها، والبعد عن مسالك الريبة ومواطن الرذيلة؛ لئلا يغيض ماء الحياء ويذهب بالعفاف والبهاء، قال -تعالى- واصفًا حياء المرأة الصالحة التي سقى لها موسى -عليه السلام-: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص:25)، (تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) أي: جعل الحياء بساطًا وهي تسير عليه من فرط خجلها.

لقد أصبح الحياء الذي كان رمزًا للفضيلة ويضفي على جمال المرأة جمالاً أصبح تهمة بالتأخر والرجعية في زمن التقدم المكذوب والحضارة المزعومة.

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، فَقَدْ هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا، وَبَيْنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

عدم استيعاب المعنى الصحيح للحرية:

في زماننا يقع الشباب بمقتضى مفهوم "الحرية" الذي اقتحم عقولهم تحت تأثير توجيه متعارض، متضارب، متناقض، ينتهي بهم إلى الضياع والفراغ، فهم يقرءون في الكتب والمنشورات، ويسمعون ويشاهدون بأجهزة الإعلام، المرئية والمسموعة، جميع المتعارضات من الأفكار، فيطرح عليهم: عقائد الإيمان، وأقاويل الإلحاد والزندقة، من دون بتّ ولا فصل، وتلقى عليهم المعلومات مجترأة مبتورة، أو مشوهة مغشوشة، وتحت ستار من الموضوعية الباردة!

وأيضًا يجدون فيما يتعلق بالزينة واللباس كل غث وخواء؛ وكل مخالف للشرع في اللباس سواء من ناحية كشف العورات أو من باب التشبه بالكفار، وهو ما تذخر به الكثرة من المجلات والكتابات والمرئيات.

ولقد طُرح سؤال مؤخرًا على جماعة من الفتيان والفتيات حول معنى "الحرية" ومفهومها في استفتاء عام في إحدى الإذاعات، فاجتمعت كلمتهم على أن "الحرية" معناها أن يصنع الإنسان ما يحلو له دون قيد ولا ضابط ولا شرط، وليس لديهم أية خلفية صحيحة عن المقصد الإلهي والغاية الربانية التي من أجلها خلق الله العباد، وأن الإنسان مناط إليه مجموعة من التكاليف التي ليس له الخروج عنها أو مخالفتها وهو مفهوم العبادة التي من أجلها خلق الله الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب.

وفيما يتعلق بموضوع الزينة والتزين لابد للمسلمين أن يعرفوا أن هناك ضوابطًا وحدودًا وضعها الإسلام لذلك، وذلك ما سنبينه في الفقرة التالية:

الضوابط الشرعية للباس والزينة:

هكذا -كما وصفنا- تلعب بنا الموضة في كثير من أحوالنا، في ملابسنا وفرشنا، وحتى طرق بنائنا ولون حجرات نومنا. ولئن كان بعض ذلك لا حرج فيه -كما سنبين- فإن البعض الآخر مذموم منتقد، وضابط ذلك:

- أن لا يكون في اللبس كشف للعورة أو تجسيد لها، وذلك عام للرجال أو النساء.

- ألا يشبه زي الكفار الذي هو من دينهم، ولا حرج من لباس يستر العورة ليس من ملابسهم الدينية.

- ألا يخالف أمرًا شرعيًّا، كما يفعل البعض في قصات للشعر يكون فيها حلق لبعضه وترك لبعضه، وهو ما يسمى في الشرع بـ"القَزَع"، وهو منهي عنه، أو إسبال الملابس للرجال، أو تغيير صورة الحجاب عن الوضع الشرعي كما تفعل بعض الفتيات في تقاليع الحجاب.

- ألا يكون فجًّا في ذوقه بحيث يصبح لباس شهرة يشتهر به بين الناس لا يلبسه غيره، وقديمًا نهى العلماء تلاميذهم عن لباس يعرفون بالزهد بسببه -كالصوف والمرقعات-، فما بالكم بلباس قد يعرف صاحبه بالفجور بسببه، أو يكون مكتوبًا عليه عبارات بلغة أجنبية تدعو إلى الرذائل والفواحش.

- ألا يتكبر به على خلق الله -تعالى-، بل ليكن متواضعًا شاكرًا حامدًا لله -تعالى-.

بهذه الضوابط -وما ذكرناه من الابتعاد عن الموضة- يمكن للفتى والفتاة أن يرتدي ما يشاء من ملابس.

الكــــــــبر:

الحديث عن الكبر يرتبط ارتباطًا كبيرًا بسلوك الإنسان ولباسه -ولاسيما الشباب- فيما يتعلق بتعاملهم مع الناس، سواء بقياسهم أحوالهم وفق ما يرتدون من ملابس فيقدرونهم أو يذمونهم إن خالفت أو وافقت ملابسهم أهواء أولئك الشباب، أو بسخريتهم من بعض الناس إن بدا منهم ضعفًا عقليًّا أو غفلة عن أشياء انتبه إليها أولئك الشباب فبدلاً من أن يحمدوا الله -تعالى- على نعمه ويرحموا الضعاف -في العقول أو الأبدان أو الفقراء-؛ إذا بهم يتكبرون عليهم بنعم الله التي منحهم إياها ولو شاء -سبحانه- لمنعهم منها.

وهم لا يدركون أن مرحلة الشباب هي قوة بين ضعفين، فسيأتيه الضعف لا محالة؛ ليجد بعد ذلك من يسخر منه حال ضعفه؛ إن لم يتب ويبادر بالعودة إلى الله -تعالى- والإحسان إلى خلق الله.

قال سفيان في قوله -تعالى-: (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ) (يسن:68)، إذا بلغ ثمانين سنة؛ تغير جسمه، وضعفت قوته، قال الشاعر:

من عاش أخلقت الأيام جدته وخانه ثقتاه: السمع والبصر

فطول العمر يصير الشباب هرمًا، والقوة ضعفًا، والزيادة نقصًا، وهذا هو الغالب، وقد تعوذ -صلى الله عليه وسلم- من أن يرد إلى أرذل العمر.

عن هذا الكبر عبر -عليه السلام- بقوله: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ) قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) (رواه مسلم)، ومعنى (بَطَرُ الْحَقِّ): تسفيهه وإبطاله. (وَغَمْطُ النَّاسِ): الاحتقار لهم والازدراء بهم، ويروى: "وغمص" بالصاد المهملة، والمعنى واحد.

فليس من الكبر الاعتناء بالجمال؛ ما دام لم يتخط حد الاعتدال من غير سرف ولا كبر.

ولذلك؛ فقد قال -تعالى-: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (الأعراف:32).

فقوله -تعالى-: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ) بين أن بعض الناس حرَّموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم. والزينة هنا: الملبس الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب، كما روي عن عمر: إذا وسع الله عليكم؛ فأوسعوا.

وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك -رضي الله عنهم- أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارًا، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدق به، أو باعه فتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع بمصر ممشقين ويقول: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).

وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان، قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا؛ تجملوا، وفي "صحيح مسلم" من حديث عمر بن الخطاب أنه رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ).

فما أنكر عليه ذكر التجمل، وإنما أنكر عليه كونها سيراء أي: من الحرير.

وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد، وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار.

أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب ممن يدعي الزهد أو المتصوفة الذين ابتلوا بتضييع أعمارهم في مثل ذلك التزهد، ويقول: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف:26)، هيهات!! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى.

قال خالد بن شوذب: "شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال: يا فريقد، يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء، إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل" "تفسير القرطبي ج7 لدى تفسيره لآية: (قل من حرم زينة الله) بتصرف يسير - وانظر "تلبيس إبليس" لابن الجوزي".