إشراف الشيخ ياسر برهامي
السبت 18 أغسطس 2018 - 7 ذو الحجة 1439هـ

التوازن بيْن الداخل والخارج

كتبه/ نور الدين عيد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن العبودية نوع توازن بيْن امتثال مأمورات في مناحٍ مختلفة، تلزم العبد تصحيح باطنه وتجريده، وإذعان ظاهره وانقياده، فيوازن العبد في علاقاته التي أُمر بها، فيصحح علاقته بربه، ويمتثل أمره في خلقه، ولا يغفل عن حق نفسه ولا مَن يعول؛ لذا كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نوع تكامل وتوازن بيْن الدنيا والآخرة، بيْن العمل والعبادة، بيْن العلم والدعوة، بيْن الجهاد والصلات، فترى الثري فيهم قد بلغ المنتهى في الديانة، وما خبر النفر مِن العشر المبشرين بالجنان عنا بغريبٍ؛ فأثمر هذا القيام بالحقوق والتوازن بينها ثمرة التلاحم والتراحم والبناء، فما تعارض فيهم البذل مع الجمع، ولا الحب مع الحرص، فكانوا رهبان ليل، فرسان نهار، تجارًا بارعين، وطلبة علم مجتهدين، حاذروا الغلو والجنوح والركون الذي يستجلب البغض والسخط.

وهذا الأنموذج هو الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يربي؛ فلم تكثر فيهم البطالة، ولم يظهر فيهم الجهل، ولا حب النفس دون الإخوة، بل المصاب مصابهم جميعًا، كما أن الفرح فرحهم جميعًا، قال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)، وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ) (متفق عليه).

قال النووي -رحمه الله-: "معناه: المبالغة في اتحاد طريقهما، واتفاقهما في طاعة الله -تعالى-. وقيل: المراد فعلوا فعلي في المواساة".

ومعنى التوازن الذي نرجوه: هو مراعاة الحقوق المنوطة بالعبد، والجمع بينها بلا ترجيح تعسفي غير مبرر، فهذا مدفوع بأصل الشرع، قال سعد بن أبي وقاص: لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ الَّذِي كَانَ مِنْ تَرْكِ النِّسَاءِ، بَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (يَا عُثْمَانُ، إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِالرَّهْبَانِيَّةِ، أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي؟) قَالَ: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (إِنَّ مِنْ سُنَّتِي أَنْ أُصَلِّيَ، وَأَنَامَ، وَأَصُومَ، وَأَطْعَمَ، وَأَنْكِحَ، وَأُطَلِّقَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي، فَلَيْسَ مِنِّي. يَا عُثْمَانُ، إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) قَالَ سَعْدٌ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ أَجْمَعَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، إِنْ هُوَ أَقَرَّ عُثْمَانَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ أَنْ نَخْتَصِيَ فَنَتَبَتَّلَ" (رواه أحمد والدارمي واللفظ له، وصححه الألباني).

فالجنوح لجانبٍ ولو مأمور به على حساب آخر خلل يضيع مجهودات في غير محلها، ويبرز قصور فهم، وانحراف منهج؛ فكلما اتسم المنهج شمولية كلما احتاج الحامل له للتوازن بيْن هذه الأعمال؛ سريرة وظاهرًا، وصلة وبذلًا.

والله نسأل العمل بما نقول مِن صحيح القول والاعتقاد، والحمد لله رب العالمين.