الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 14 أغسطس 2018 - 3 ذو الحجة 1439هـ

سنة منسية!

(إمساك مَن أراد أن يضحي عن شعره وأظفاره)

كتبه/ علاء بكر  

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ورد النهي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن أراد أن يضحي أن يأخذ مِن شعره وأظفاره، بعد دخول شهر ذي الحجة؛ ورد عنه ذلك صريحًا مرفوعًا، وقد تكلم العلماء في تحريم الأخذ مِن الشعر والأظفار لمَن أراد أن يضحي بعد دخول شهر ذي الحجة على ثلاثة أقوال:

1- القول الأول: التحريم: وهو قول الإمام أحمد، وربيعة وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وداود وابن حزم، وبعض الشافعية.

وعمدتهم في ذلك حديث أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- المرفوع: (إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ) (رواه مسلم). وهو نص في المسألة، وهو خاص بالأضحية، وخاص بالأخذ مِن الشعر والأظفار دون غيرها، وخاص بمَن أراد أن يضحي دون غيره مِن أهل بيته ممَن يضحي عنهم.

2 - القول الثاني: بإباحة الأخذ مِن الشعر والأظفار لمَن أراد أن يضحي، بلا حرمة أو كراهة، وهو قول أبي حنيفة، وعمدتهم في ذلك حديث أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا، أَوْ قَلَّدْتُهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى البَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ" (متفق عليه). قالوا: فيه دلالة على أنه لا يحرم على المرء شيء ببعثه بهديه، والبعث بالهدي أكثر مِن إرادة التضحية، فقاسوا الأضحية على الهدي، وقاسوا حلق الشعر وتقليم الأظفار على ما أحل مِن اللباس والطيب وغيره، ولعموم قول عائشة -رضي الله عنها-: "فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ".

قال الشافعي -رحمه الله-: "البعث بالهدي أكثر مِن إرادة التضحية، فلما لم يحرم ذلك على مَن أرسل الهدي لم يحرم على المضحي". وقالوا: إنه لا يحرم على المضحي اللباس المخيط والطيب، كما يحرمان على المحرم، فدل على أنه للندب والاستحباب، لا على الإيجاب.

وهذا الاستدلال مردود مِن وجوهٍ، منها:

1- أن حديث أم سلمة -رضي الله عنها- نص في المسألة، والاستدلال بحديث عائشة -رضي الله عنها- قياس على الهدي، فلا يعارض النص بالقياس.

قال الصنعاني -رحمه الله-: "هذا قياس منه -أي الشافعي القائل بذلك- والنص قد خص مَن يريد التضحية بذلك" (سبل السلام، ج 4 /96 - ط. الحلبي).

2- أن حديث عائشة -رضي الله عنها- ليس بصريحٍ في إباحة الأخذ مِن الشعر والأظفار، ويحمل على الجماع واللباس والطيب، ونحو ذلك مما يتكرر فعله يوميًّا، أما قص الشعر وتقليم الأظفار فيفعل على فتراتٍ متباعدةٍ، فهو مما قد لا يفعل في الأيام العديدة إلا مرة، فهي لم ترده بخبرها.

3- أن حديث أم سلمة -رضي الله عنها- خاص في الأضحية، وخاص في الأخذ مِن الشعر والأظفار، والاستدلال بحديث عائشة -رضي الله عنها- استدلال بعمومه، والجمع بينهما عند التعارض بتخصيص العام، فيخصص حديث أم سلمة حديث عائشة في منع الأخذ مِن الشعر والأظفار دون سائر الأفعال الأخرى: كالتطيب، ولبس المخيط، وتغطية الرأس.

قال الشوكاني -رحمه الله-: "ولا يخفى أن حديث الباب -يعني حديث أم سلمة- أخص منه -يعني حديث عائشة- مطلقًا، فيبنى العام على الخاص، ويكون الظاهر مع مَن قال بالتحريم، ولكن على مَن أراد التضحية" (نيل الأوطار: ج 5 / 112 - ط. شباب الأزهر).

4- أن حديث أم سلمة -رضي الله عنها- هو إخبار بالقول، وحديث عائشة هو إخبار عن فعل ورؤية، وعند التعارض يكون القول مقدمًا على الفعل.

3- القول الثالث: بالكراهة التنزيهية، أي حمل النهي على التنزيه، لا على التحريم، وهو قول الشافعي ورواية عن مالك، جمعًا بيْن الحديثين.

وقد بيَّنا أن القول الأول القائل بالتحريم هو المتوجه، ولا تعارض بيْن فهم الحديثين به، وهو أولى مِن أن يُقال أنه -صلى الله عليه وسلم- فعل ما يخالف حديث أم سلمة -رضي الله عنها- لبيان عدم الوجوب، والله -تعالى-أعلم.

فوائد:

1- قال الشوكاني -رحمه الله-: "والمراد بالنهي عن أخذ الظفر والشعر، النهي عن إزالة الظفر بقلمٍ أو كسرٍ أو غيره، والمنع مِن إزالة الشعر بحلقٍ أو تقصيرٍ أو نتفٍ أو إحراقٍ أو أخذه بنورة أو غير ذلك مِن شعور بدنه. قال إبراهيم المروزي وغيره مِن أصحاب الشافعي: حكم أجزاء البدن كلها حكم الشعر والظفر. ودليلهما ثبت في رواية لمسلم: "فَلَا يَمَسَّنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا" (نيل الأوطار).

2 - ذكر في الشرح الكبير أن مَن أخذ شيئًا مِن شعره أو أظفاره استغفر ولا فدية عليه إجماعًا، سواء فعله عمدًا أو نسيانًا.

3- لعل مِن أسباب الإشكال في المسألة ما قيل في أن الحكمة مِن النهي هو تشبه المضحي بالمحرم في الإمساك عن شعره وأظفاره، فلما أبيح ما دون ذلك مما يحرم على المحرم، قال المانعون للنهي بعدم وجوب الإمساك عما ذكر.

قال الشوكاني -رحمه الله-: "وحكي عن أصحاب الشافعي أن الوجه الثاني -يعني أن الحكمة مِن النهي التشبه بالمحرم- غلط؛ لأنه -أي المضحي- لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم". والكلام عن الحكمة في الأمور التعبدية اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، لا يبنى حكم المسألة عليه.

4- قال الشوكاني -رحمه الله-: "وقال مالك في رواية لا يكره، وفي رواية يكره، وفي رواية يحرم في التطوع دون الواجب".

5- الحكم خاص بمَن أراد أن يضحي دون مَن يضحي عنهم مِن أهل بيته فلا يلزمهم.