إشراف الشيخ ياسر برهامي
الخميس 05 يوليه 2018 - 21 شوال 1439هـ

المنهج "الإصلاحي" سبيلنا

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتُواجِه شعوبنا ومجتمعاتنا مشاكل عديدة في المرحلة الحالية، وهي داخلة ضمن الابتلاء الذي خلق الله الخلق لأجله، (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك:1-2)؛ فلابُدَّ مِن ضِيقٍ وسعةٍ، وشَرٍّ وخيرٍ، وشِدَّةٍ ورَخَاءٍ، ومَرَضٍ وعافيةٍ، كما لا بُدَّ مِن اختلاف البشر بيْن أبرارٍ وفجارٍ، ومؤمنين وكفار؛ ليتم البلاء.

وأهل الإيمان دائمًا شعارهم قول نبي الله شعيب -عليه السلام-: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود:88)، وهم يحبون الخير للناس ويحرصون على مصلحتهم، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (عَجِبَ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ) (رواه البخاري)، وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "كُنْتُم خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ؛ تَأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ!" (رواه البخاري)؛ فهم حتى مع قتالِهم لأعدائهم وأَسْرِهِم لبعضهم غَرَضُهم في ذلك الخير للعالَم، قال -تعالى-: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (آل عمران:110).

ولهذا يبحث أهل الإيمان دائمًا عما هو أَصْلَح لأنفسهم وطائفتهم ومجتمعهم وبلادهم وأُمَّتِهم، ولا تأخذهم العواطف إلى مناهج مخالفة للمنهج الإصلاحي؛ لا تَحسب العواقب ولا تُقَدِّر النتائج قبْل الأخذ بأسبابها!

ولربما دفعت أصحابها والناس المتابعين لهم مِن ورائهم لعلاج آلامهم بمزيدٍ مِن الآلام تتضاعف عليهم حتى يتمنوا الألم الأول! كالمناهج التهييجية الصدامية التي لا تَعبَأ بحُرمة الدماء المعصومة، ولا تلتفت إلى مصائر مجتمعات المسلمين ولا مصالحهم في دمائهم في دينهم ودمائهم وأعراضهم وأموالهم، مِن أجل شعارات لا حقيقة لها على أرض الواقع، وربما تَنَازَل أصحابها أنفسهم عن أعظم ثوابت دينهم مِن أجل تحقيق مصالح موهومة -أو حتى مُتَحَقِّقة، لكنها في النهاية مصالح دنيوية- هي أدنى بلا شك مِن مصلحة الدين، بل مِن مصالح دنيوية أعظم منها!

فالذي يقبل حرية الزِّنا والشذوذ ويقبل إباحتهما، ويقبل زواج المسلمة مِن الكافر، ومساواة الذكر بالأنثى في الميراث، والذي يقر حرية الفن والإبداع دون أي ضابطٍ ديني أو اجتماعي، ويزعم أنه بذلك يراعي المصلحة ويستعمل السياسة مِن أجل تقدم البلاد اقتصاديًّا أو قبولها في منظمات المجتمع الغربي؛ لَهُوَ هادِمٌ للإصلاح، مُحَقِّقٌ للفساد مِن حيث زعم العكس!

والعجب: أن تجد مَن يقبل هذه الموازنة الفاسدة بيْن المصالح والمفاسد، في حين ينكر على غيره تقديم مصلحة الدين ومصلحة استقرار البلاد والعباد والمجتمعات وحفظ الدماء والأعراض والأموال في الجملة، ويرفض التثوير والتهييج المؤدي إلى الفوضى وهو يرى ما جره ذلك مِن ويلاتٍ أمام أعين الناس.

وإن كانت عادة أكثر الشعوب هي أنهم يفضِّلون مَن يَسُبُّ ويَلعنُ في الناس والزمان -والحكام بالتأكيد على رأس القائمة- وينسون أن القاعدة الربانية: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأنعام:129)؛ فهم يُهمِلون ما عليهم ويطلبون ما لَهم، وأيضًا يطلبون ما ليس لهم! مع أن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنَا، قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ) (متفق عليه).

والمعاناة التي نعاني منها لابد مِن تعاونٍ صادق وتكافلٍ اجتماعي حقيقي، لا ينتظر قرارات وقوانين، يحتاج إلى تَرَاحُمٍ ورِفْقٍ ولِينٍ بيْن الناس، وإزالةٍ لبُؤس المُبتَئِس وحُزْن الحزين ووَحْشَة المستوحش، وإن كنا نطالِب في نفس الوقت بالقرارات والقوانين التي تخفف أَلَمَ الناس، وننقل آلامهم ومتاعبهم لمَن هو مسئول عنهم أمام الله أولًا، ثم أمام شَعْبِه وأُمَّته؛ لكننا لا نعالِج ألمًا بما يزيد الألم، بل بما يخففه.

نُحافظ على ثوابت الدين ولا نهدمها، ونرجو رحمة الله ولا نيأس، ولا يصيبنا الإحباط، ونعمل ولا نَعجز، نَسير ولا نتوقف، نَنهض ولا نخلد إلى الأرض ولا نستسلم للكَبَوَات، ننتظر الفرج مِن الله ولا نيأس مِن روح الله (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح:5-6)، (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (الطلاق:7).

وإصلاحُ دَاخِلِنا مُقَدًّمٌ عندنا على إصلاح غيرنا مِن داخل قلوبنا، وأبنائنا وأُسَرنا، وطائفتنا، وجماعتنا الدعوية، التي لا شك تحتاج إلى إصلاحٍ كبيرٍ، ونَقْلٍ سديد للمنهج إلى الأجيال القادمة، وهذا أيضًا منهج إصلاحي أساسي، ولا ننسحب مِن العمل، ولا نترك الدعوة إلى الله لأجل وجود نقصٍ أو خللٍ يَحتاج إلى علاج.

لذلك نَقُول: لابد لنا أن يتأكد في حِسِّنَا أن طريقنا هو الاصلاح، وأن سبيلنا هو دعوة الأنبياء ومنهجهم في إصلاح العالَم.

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا لما يُحب ويَرضى.