إشراف الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 28 مايو 2018 - 13 رمضان 1439هـ

وقفات مِن المرحلة المكية (1)

كتبه/ خالد آل رحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي هذا الوقت التي تتقاذف الأمة فيه الفتن مِن مشارق الأرض ومغاربها، وينهش جسدها المنهك القريب قبْل البعيد؛ كان لزامًا على الجميع إعادة قراءة المرحلة المكية قبْل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- وما بعدها، فالأرض بمَن عليها قبل البعثة كانت مبغضة مِن الله -تعالى- كما جاء في الحديث: (وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ؛ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (رواه مسلم).

وفي تلك الأثناء أراد الله -تعالى- أن يغير وجه هذه الأرض ببعثته -صلى الله عليه وسلم-، وحتى تعلم صعوبة تلك المرحلة التي بُعث فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- لتكون على معرفة بطبيعة الطريق، تأمل هذه الكلمات:

قال أبى الحسن الندوى -رحمه الله-: "أما العرب فساءت أخلاقهم فأولعوا بالخمر والقمار، وبلغتْ بهم القساوة والحمية المزعومة إلى وأد البنات، وشاع فيهم الغارات وقطع الطرق على القوافل، وسقطت منزلة المرأة؛ فكانت تورث كما يورث المتاع أو الدابة، ومِن المأكولات ما هو خاص بالذكور محرم على الإناث، وكان يسوغ للرجل أن يتزوج ما يشاء مِن النساء مِن غير تحديد، وكانت العصبية القبلية والدموية شديدة جامحة، وأغرموا بالحرب حتى سارت مسلاة لهم وملهى وهواية، وهانت عليهم إراقة الدماء فتثير حادثتها وتدوم الحرب أربعين سنة -حرب البسوس- يقتل فيها ألوف مِن الناس، وكان شرب الخمر واسع الشيوع شديد الرسوخ فيهم.

وكان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، وكان الربا في الجاهلية في التضعيف، ولم يكن الزنا نادرًا، وكان غير مستنكر، فكان مِن العادات أن يتخذ الرجل خليلات، وتتخذ النساء أخلاء بدون عقد، ومنهم مَن كان يقتل أولاده خشية الإنفاق، وخوف الفقر، وهم الفقراء مِن بعض قبائل العرب. وقصارى القول: أن القرن السادس المسيحي الذي كانت فيه البعثة المحمدية وما يليه مِن فترة زمنية، كانت مِن أحط أدوار التاريخ، ومِن أشدها ظلامًا ويأسًا مِن مستقبل الإنسانية، وصلاحيتها للبقاء والازدهار" (انتهى).

وكانت "قريش" تعيش أقوى صور الجاهلية التي دُونت في كتب التاريخ!

وهنا نستخلص أن الوضع قبْل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في أدنى مستوى مِن الانحطاط، والانحلال العقدي والأخلاقي والسلوكي، وكان أهل الجزيرة يعيشون همجية لا نظير لها على مدار التاريخ، ومِن ضمنها "قريش" التي كانت تعيش أحط أدوارها؛ ولذلك بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم، والذي قام بتأهيله ربه -تعالى- لحمل رسالة تغيير تلك الأرض، فبعد ما ذكر مِن الجاهلية التي كانت تعيشها الإنسانية، وبالتالي الجزيرة العربية ومنها قريش، كان لا بد مِن تهيئة النبي -صلى الله عليه وسلم- لمجابهة هذه الحالة الخطيرة، وهذا الانفلات الأخلاقي والعقائدي.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.